الأخبار

قراءة في كتاب “تصدير الثورة .. تكنولوجيا تدمير الدولة”

عقب أحداث “ثورة الورود” في جورجيا /٢٠٠٣/، وفي ظل أحداث مماثلة، ضربت الفضاء “ما بعد السوفييتي”، وعرفت بالثورات الملونة، قال بانتيليمون جيور جادزة، الأمين الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي الجورجي الموحد: “تجنبوا أية ثورات وردية وبرتقالية وعنبية وكتانية وكرزية، لأنها جميعها شبيهة بتسونامي الورود الجورجي”.
ومع بداية الألفية الثالثة، اجتاحت “ثورات”، واحتجاجات مجال النفوذ الجيوسياسي الروسي في صربيا، وجورجيا، وأوكرانيا، وقرغيزيا، وغيرها، وكانت المؤشرات توحي آنذاك بأن خطراً داهماً يتهدد روسيا، لأن ما حدث كان منظماً ومتلاعباً به، ولم يكن ينم عن مظاهر عفوية.
وإثر اندلاع أحداث ما سمي بـ “الثورة البرتقالية” في أوكرانيا عام /٢٠٠٤/، أصدرت مجموعة من الباحثين، تصدرهم الروسي سيرغي غيورغيفيتش قره مورزا، كتاباً لدراسة ظاهرة الثورات الملونة، تحت عنوان: “تصدير الثورة.. تكنولوجيا تدمير الدولة”، وحمل بين طياته العديد من الدلائل والبراهين على التدخلات الأمريكية في الأجواء التي لا تروق لها، وافتعال أحداث لتدمير دول، وإسقاط أنظمة بأقل التكاليف.

حراك وردي
للكتاب أهمية بالغة كونه يلقي الضوء على حقيقة ما جرى ويجري في المنطقة العربية، وسورية خصوصاً، عبر إسقاط أحداثه على واقعنا اليوم، ما يساعد في كشف حقائق وخفايا الأحداث التي عصفت بالمنطقة، والتوصل إلى نتائج مماثلة، وإيضاح أن ما حدث عندنا وحولنا لم يكن عفوياً، وربما لا شيء عفوياً منه، ويحمل سمات منظمة ومتلاعباً بها.
يرى مؤلفو الكتاب أن الولايات المتحدة وحلفاءها وضعوا واختبروا في الممارسة السياسية منذ نهاية الثمانينيات تكنولوجيا جديدة موجهة لزعزعة الاستقرار في دول مختلفة، وتغيير السلطة فيها من غير اللجوء إلى التدخل المباشر، وعبر ما سمي بالثورات المخملية، أو مع أقل حد ممكن من استخدام القوة الخارجية، وتم الوصول بهذه التكنولوجيا مؤخراً إلى درجة عالية من الدقة والتخطيط، استخدمت مع بدايات الألفية الجديدة في بلدان الاتحاد السوفييتي السابق، وأصبحت “الثورات البرتقالية” سمة مميزة للفضاء ما بعد السوفييتي، وبالتالي بعد جمع الكثير من المعطيات والمعلومات، وتحليل الأحداث، سمح الباحثون لأنفسهم بتفسير جملة أحداث عام /٢٠٠٤/ على أنها مشاهد من حملة حرب أخرى على روسيا، تماماً كما خلقوا أزمة الاتحاد السوفييتي بين عامي /١٩٨٩-١٩٩١/، ومن دون أن يغفل الكتاب عن جملة مقدمات موضوعية لأزمة ولدت في المجتمع والدولة السوفييتية، وساعدت على ذلك.

مسرحيات سياسية
كان القرن العشرون قرناً مفصلياً في قضية التلاعب بالوعي الاجتماعي، وقد تشكّل علم اشتغل على هذه المسألة هو علم النفس الاجتماعي الذي وضع أحد حجارة الزاوية فيه غوستاف لوبون في تعاليمه عن “الحشد”، ومن ثم تطورت الممارسة في مجال تشكيل الحشود، وتحويل جماهير الناس الكبيرة إلى حشد، والتلاعب به.
وظهرت منظمات قادرة على إخراج مسرحيات سياسية في هيئة أعمال ومناظر جماهيرية، وفي هيئة أعمال تحرض دموية، ما كان تخيل أبعادها من قبل، وصار استخدام تكنولوجيا “المسرحية السياسية” أسلوباً عاماً للاستيلاء على السلطة.
يقول فيلسوف فرنسي: إن تكنولوجيا التلاعب بالوعي المعاصرة قادرة على أن تدمر في الإنسان المعرفة التي حصل عليها من التجربة التاريخية الواقعية، ويحل محلها معرفة مصممة اصطناعياً من قبل المخرجين.
ويضع مؤلفو الكتاب أمثلة على ذلك، منها ما حدث في إحدى مدن رومانيا، ومنها مدينة تيميشوارا، حيث وقعت مسرحية للإطاحة برئيس البلاد عام /١٩٨٩/، وتم على عجل نبش جثث أناس دفنوا حديثاً، وتجميع جثث أخرى من برادات الموتى، ثم تم تشويهها لكي تحاكي أمام كاميرات التلفزيون القتل الجماعي، وكان واضحاً من التقارير التلفزيونية الواردة أنها جثث جلبت من برادات الموتى، وخطوط القطب بادية عليها، ورأى الناس هذه القطب، لكنهم صدقوا تعليقات المذيعين!.

بين الدول التابعة والمستقلة
الثورات المخملية، حسب ما يطلق عليها، سبقت الثورات البرتقالية، وألهمتها الأساليب، وحدثت هذه الثورات إبان الحرب الباردة، وكانت السبب في تفكك الاتحاد السوفييتي.
يرى مؤلفو الكتاب أن الصفة الأساسية الأولى لهذه الثورات هي طابع اللاعنف، فهذه الصفة تحيد القوة الرئيسية التي تجهزها الدولة لصد الثورة، فهي وسيلة أعقد بكثير، وأشد تنوعاً من العنف، وتخاطب بأسلحة نفسية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية، يستخدمها السكان، والمؤسسات الاجتماعية.
ويوضح الكتاب أن الدول الضعيفة أمام الثورات المخملية والبرتقالية على حد سواء هي الدول ذات السيادة المنقوصة، وبمعنى أدق هي تلك الأنظمة المضطرة لأسباب مختلفة أن توازن أفعالها “مع ما يقولونه في واشنطن”، على عكس الدول المستقلة فعلاً، فهي غير حساسة تجاه هذه التكنولوجيات، مثلاً الثورة البرتقالية غير ممكنة في الولايات المتحدة مادام البوليس يفرق هناك الاحتجاجات غير القانونية، بغض النظر عن سلوك المشاركين فيها، ورد فعل المجتمع الدولي، وإذا كانت الدولة قادرة على مواجهة “اللاعنف”، كما في بيلاروسيا، فإن المسرحية تلغى ببساطة.
في عام /١٩٩٥/، وفي لحظة صعبة على كوبا، حاولت الولايات المتحدة أن تنظّم هناك اضطرابات شعبية، فأرسلت الطائرات لترمي قصاصات الورق فوق هافانا، دمرت المقاتلات الكوبية هذه الطائرات بعد الإجراءات المعتادة، ودعوتها لأن تحط على الأرض، جرى ذلك كله في إطار القانون الدولي، وأطلقت مادلين اولبرايت في هيئة الأمم المتحدة عملية التراجع، وبحسب رأي الباحثين، فإن كوبا وبيلاروسيا تمتلكان هذه المقدرة، لأن قيادة السلطة فيهما تتصرف انطلاقاً من واجبات الدولة تجاه شعبها، وليس انطلاقاً من اتفاقات الظل المرتبطة بتجذر هذه القيادات العليا نفسها مع عداد النخبة العولمية.
إن عدم معرفة الوقوف في وجه الحشد غير المسلح يشل موظفي الدولة، فتصير في نظرهم الأسئلة الثانوية عن شكل التعامل مع المعارضة أهم من تنفيذ مهمات الدولة الرئيسية، وفيما يحاصر الحشد مباني الحكومة، يرى الباحثون أنه يتم حدوث امتناع طوعي من جانب الدولة، ليس عن تطبيق الحق بالعنف الشرعي ببساطة، بل حتى القيام بواجبها باستخدام العنف للحفاظ على النظام البسيط والآمن.
ومن وجهة نظر الكتاب، لا يستطيع أي بلد وأي شعب أن يوجد من غير عنف الدولة الشرعي، ويعد ضياع احتكار الدولة للعنف الشرعي، ولو بقدر قليل، المؤشر الأول على انهيار الدولة، فوظيفة الدولة الأولى هي حماية الشعب وأراضيه من الأخطار التي لا يستطيع الناس المنفردون أو الجماعات الصغيرة حمايتها، إنها حماية من العدو الخارجي، والعنف ما بين الجماعات في النزاعات الاجتماعية، والقومية، والدينية، وحماية من المجرمين، والقائمة تطول، ومن غير المعقول، من وجهة نظر قانون الدولة، ألا تستخدم القوة حين يدمر الحشد مبنى الحكومة، والمحلات التجارية، وقد يبدو ما سبق بأنه هراء، ويتساءل الباحثون: هل تملك الشرطة الحق في أن تراقب على الحياد أعمال التدمير والنهب؟!.

الثورات البرتقالية
تختلف الثورات البرتقالية، بصفتها ثورات حقبة مابعد الحداثة، عن ثورات حقبة الحداثة بأنها تقحم احتياطي الاثنوية المحشد والمدمر وتستخدمه إلى أقصى درجة ممكنة، على عكس ثورات الحقبة الصناعية التي حملت شعارات الصراع الطبقي، ما يسمح لها بوضع المسرحيات السياسية المشبعة بالانفعالات.
عندئذ، وبحسب الباحثين، يمكن لجماهير كبيرة من المتعلمين أن ينزعوا عن مرأى الجميع مباشرة قشرة التحضر والعقلانية، ويتحولوا إلى حشد سلفي متعصب، وهو ما يحدث في البلدان النامية اليوم التي تعيش هبة جديدة من العشائرية والمذهبية والعرقية.
ويوضح الكتاب أن قسماً من السكان الخاضع لتنويم مسرحية الثورة البرتقالية يخرج عن القيم والتقاليد والمعايير الاعتيادية لعقلانية المجتمع السابق، لكنه في هذه الأثناء يقطع صلته أيضاً بواقع البلاد، ولا تعود قيمه الجديدة مستندة إلى قاعدة مادية واجتماعية متينة.

جورجيا “ثورة الورود
استخدمت الولايات المتحدة تكنولوجيا الثورات المخملية في جورجيا عام /٢٠٠٣/ وكانت ثورة الورود احتجاجاً لسكان جورجيا منظماً ومتلاعباً به من الخارج، وحجته تزوير الانتخابات البرلمانية، وقد أجبرت هذه الاحتجاجات رئيس البلاد إدوارد شيفرنادزة على الاستقالة في /٢٣/ تشرين الثاني من العام نفسه.
وكان سبب تدخل واشنطن الجذري في الشؤون الجورجية، بحسب مؤلفي الكتاب، هو أن جورجيا وبغض النظر عن التوجه الواضح المعادي لروسيا في سياسة رئيسها، فإنها راحت تعيد بسرعة كافية بناء العلاقات الاقتصادية مع روسيا، دفعها إلى ذلك الضرورة الموضوعية.
وقام بالاحتجاجات قوى المعارضة اليمينية الذين شكلوا منظمة جماهيرية هي الحركة الوطنية”، وبلغ عدد أعضائها /٢٠/ ألفاً، وقاموا بتنظيم دورات تدريبية في التكنولوجيا السياسية لـ /١٥٠٠/ عضو من حركتها في صربيا، قبل عام ونصف من الاحتجاجات.
وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن نتائج الانتخابات البرلمانية مزورة، بعد خلاف داخل جورجيا بين الحكومة والمعارضة حول صدقية الانتخابات، وفعلاً استقال الرئيس تحت الضغط وتمكنت ثورة الورود اللاعنفية من إحراز النصر في جورجيا، حيث حاصر الشبان المؤسسات الحكومية وتسللوا إلى البرلمان، وأدخلوا شيئاً جديداً في تكنولوجيا الثورات المخملية، إذ راح مئات الناس يمسكون بأيديهم الأزهار وطاقات الورود عوضاً عن البنادق.
بعد ذلك ثبت بالوثائق أن منظمة دولية غير حكومية هي “كمارا” أدى نشاطها وتمويلها للحركة الاحتجاجية دوراً حاسماً في تنظيم أعمال الاحتجاج وتغيير السلطة، وحسب الوثائق خصصت المنظمة ميزانية لكل عمل في الاحتجاج، وكان، مثلاً، ثمن “القيام بأعمال صخب والمشاركة في المشاجرات هو /٣١٣١٠/ دولارات، وأيضاً أساليب العصيان المدني من بينها “السخرية من الانتخابات ونزع الثياب كلها للتعبير عن الاحتجاج، والسخرية من المسؤولين والجنازات الاستعراضية” إضافة إلى الأعلام والشعارات والقمصان التي حملت شعار “كماراوكلفت /١٧٣/ ألف دولار، كذلك الامتناع عن دفع الضرائب وترك الوظيفة الحكومية، ولكل ثمنه.

الثورة البرتقالية
كان من المقرر أن تجري في خريف /٢٠٠٤/ الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا، وكان المرشحان الرئاسيان هما: يانكوفيتش ويوشينكو، والأخير عدته المعارضة مرشحها، وقد قامت الثورة البرتقالية في أثناء هذه الانتخابات تحديداً.
وبحسب مؤلفي الكتاب تم التحضير لهذه الثورة قبل مدة طويلة من هذا التاريخ بصفتها عملية خاصة كبيرة للولايات المتحدة والغرب عموماً، وهذا التحضير لم يكن خفياً، فقد كان ثمة أنباء عنه في الصحافة الغربية، “وهذه حقيقة لا تعد مادة للجدل بل ينبغي دراستها كدرس من دروس التاريخ”.
كتبت صحيفة وول ستريت جورنال في مقالها الافتتاحي في /١١/ شباط /٢٠٠٤/ بعد أن نجحت ثورة الورود في جورجيا، يمكننا أن نأمل بأن دور الأنموذج الكستنائي” في كييف جاء الآن، ولدى أوكرانيا فرصة لافتة لتكرار نجاح الديمقراطية في جورجيا، لكن شرط أن يلعب الغرب والمعارضة الأوكرانية بأوراقهما على نحو صحيح.
كانت المؤسسة الأمريكية الرئيسية التي عملت على نحو مكشوف على تنظيم الثورة البرتقالية هي “بيت الحرية” وترأسها جيمس فولس، الرئيس السابق لإدارة المخابرات المركزية في عهد بيل كلينتون، ومولها المليونير الأمريكي المعروف جورج سور سالي، والذي مول أيضاً الإطاحة بالنظامين في صربيا وجورجيا، وبالمناسبة أعلن “بيت الحرية” أول مرة في /٢٠/ كانون الأول /٢٠٠٤/ أن روسيا دولة غير حرة” واضعاً إياها في صف واحد مع دول آسيا الوسطى وأذربيجان حسب تصنيفاته، وبالتالي كان الدور اللاحق بعد أوكرانيا لروسيا لكن ذلك فشل بعكس تنبؤات مؤلفي الكتاب.
ويتحدث الكتاب بالتفصيل عن المشروع الواسع للإطاحة بالنظام الأوكراني، وإيصال يوشينكو إلى السلطة، ولم يكن العمل التحضيري للثورة البرتقالية سراً على أحد، فقد أقرت صحيفة الغارديان البريطانية بأن يد واشنطن مرئية بوضوح وراء “الثورة الكستنائية”، واستمر هذا العمل حتى لحظة الانتخابات، حيث بدأت في واشنطن أعمال المنضدة المستديرة “طريق أوكرانيا نحو الدولة الوطنية الناجحة”.
وكانت الانتخابات في نظر علماء السياسة صداماً بين غرب أوكرانيا الموالي للأمريكيين والمدعوم بالأموال والخبراء من قوى غربية، والشرق الموالي لروسيا المرتبط معها بروابط اقتصادية وثقافية قبل قيام الاتحاد السوفييتي وفي أثناء وجوده.
الكثير من المحللين والسياسيين الذين تابعوا تطور تلك الأحداث اعتبروا أن ما حدث هو تزوير للانتخابات وأن الثورة البرتقالية استغلت الناس –الذين كانوا يسعون للحصول على حقوق أوسع– كأدوات في لعبة الوصول إلى السلطة. ومن نتائج الثورة البرتقالية أن روسيا وأوكرانيا تحولتا من صديقين حميمين إلى خصمين محتملين وخلال طيلة السنوات الماضية، التي أعقبت الثورة البرتقالية ظلت أوكرانيا رهينة لمواجهات سياسية مستمرة، وخلال فترة حكم “البرتقاليينانخفض إجمالي الناتج القومي الداخلي بنسبة /١٥%/ وتضاعف عدد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وتضاعفت أسعار المواد الغذائية مرات عديدة، ومؤخراً حدث أن تدخلت القوى الغربية في أوكرانيا مجدداً مؤدية إلى تفكك البلاد، وانفصال القرم عن البلاد وانضمامه لروسيا بعد انقلاب قوى داخلية موالية للغرب، ولقد أثبتت الثورة البرتقالية أنها كابوس مؤرق، ممن وعدوا ولم يفوا بالوعد، ومبعث أسف على آمال لم تتحقق.

تصنيف 1.92/5 (38.33%) (24 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟