مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

زهـرة الرمـان

إن حياتنا المعاصرة فقدت الغنى، وفقدت رهافة الحس، بل صار الإنسان بليداً: فـي الغناء وفـي السينما وفـي انحسار الكلمة المقروءة ولقد غدا الحاسوب وسيلة الاتصال الأهم، وأبيحتْ مواقع الانترنت فجعلت العالم صغيراً بين اليدين. إنه عصر بدأتْ فيه العلاقات الاجتماعية تتبدّل وتختلتف أساليبها ونشأ جيل جديد يرى الحياة وفق مزاجيته لكنه أكثر خبرة واطلاعاً وأغنى "معرفة".. ولنعترف أن أطفالنا يتفوّقون علينا إذا قارناهم بأنفسنا عندما كنا فـي مثل أعمارهم،ولأعترف أنا - شخصياً - أن أصغر أولادي هم الذين علموني على الحاسوب وعلى التعامل مع الانترنت، فانبهرتُ بالحاسوب وألقيتُ القلم جانباً وجعلته وسيلتي الوحيدة للكتابة لأنه يتيح لي الشطب والتعديل بمنتهى السهولة، وتخزين كتابتي وأرشيفي.

لقد عدتُ إلى كتابة الرواية بعد انقطاع دام حوالي العشرين عاماً، إن آخر رواية كتبتُها كانت "صوت الليل يمتدّ بعيداً". وإنني فـي "زهرة الرمان" أتبّع طريقة خارجة عن "تقنية الرواية" المألوفة، أترك نفسي على سجيتها، وأتعامل مع التاريخ الذي يعيش حياً فـي الصدور لا المدون فـي السطور كما يرى ساطع الحصري، فلا أعبأ بالوثيقة لأنني لا أؤرخ وإنما أحاول أن أصنع واقعاً افتراضياً "بالتخييل" الذي أفاض فـي الكلام عنه الناقد الإنكليزي "غراهام هو".

إنني أنحني أمام حواء، وأراها بداية العالم ونهايته، وما أزال أصبح وأمسي لاجئاً إليها فـي "رؤية للعالم" مبنية على اتِّقاد النفس بإحساس صوفـيّ بالغريزة المطلقة، وأرى أن عمر الإنسان لا يقاس بالأيام والسنين وإنما بمقدار الإحساس بأن "حواء" هي الرمز الأقدس: القرينة التي تلتحم بها فتغدو الحياة عارية مصفّاة من الشوائب وتغدو بدفئها نصفك الآخر.. وهي الأم، والجدة، والخالة، والأخت، والحفيدة، هي الحقيقة المطلقة المقدسة التي تمنح حياتك سرَّ الخلود.

بقلم: عبد النبي حجازي

تصنيف 2.49/5 (49.85%) (130 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟