مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

في حضن الشيطان..

على مدى عصور تعرضت الأوطان للحروب والأزمات؛ والكثيرون اضطرتهم ظروفهم للهجرة إلى بلاد الاغتراب حاملين أحزانهم ولوعة الفراق في قلوب تنبض شوقاً وحنيناً للعودة قبل الرحيل..
فكان إيليا أبو ماضي وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة وفوزي المعلوف والياس فرحات ورشيد سليم الخوري ووو... لتطول القائمة في حقبة زمنية سالفة، وبقي المهجر على مر العصور ينتج أدباء من نوع جديد ومتميز بقلوب ترفرف بحب الوطن وحناجر تغرّد الحنين ألحاناً تسطرها أرواحهم المتعبة بمداد الشوق.
ومن بلدي سورية التي تعاني مرارة الحرب الكونية الشرسة على مدى أربع سنوات؛ تكشّفت خلالها معادن الناس ولمع جوهر الأوفياء، سطع نجم أحدهم وانتثر بريقه ضياءً:
الكاتب والإعلامي والباحث الاجتماعي يعقوب مراد.. الذي أطلق جناحيه يحتضن الفضاء طائراً بلا حدود؛ مغرّداً بلا مقامات بلا نوطة بلا نهايات..
خلال سنين طويلة كان الرمز للسوري الإنسان قبل أن يكون الكاتب والباحث والإعلامي.. قيل عنه صديق الفنانين.. وعرّاب المحبة.. وكتبت عنه الصحف والمواقع السورية والعربية والسويدية.. وكتب عنه أصدقاؤه مزايا وخصال كانت شواهد حق في مسيرته المشرّفة له ولكل سوري..
هو ابن محردة البلدة المتربّعة على عرش الكرامة متوّجةً بإكليل الوفاء متّشحةً بثوب النقاء.. محردة التي استقى من ينابيعها معاني الشرف والوفاء واقتات من ربوعها معاني الجمال والإبداع لتثمل روحه بالحب والإيمان والرحمة.. هو ابن سورية التي غادرها منذ أكثر من ربع قرن إلا أنها لم تفارقه ولا ربع يوم.. غادرها مجروحاً مُلمْلماً أحزانه في قلبه المتعب لتفيض باقات شوقه حنيناً معطراً بعبق الياسمين؛ معمّداً بعذوبة بردى؛ صامداً كشموخ قاسيون...
على مرّ سنوات كان المثل الأعلى الذي نفخر به كسوري أصيل، تجلّت في شخصيته كل معاني الإنسانية بما تحمله من قيمٍ سامية، لم ينضب قلمه من مداد فاضت به روحه المُفعمة بحب الوطن ولم تتقهقر عزيمته أمام صعوبات غربته التي ذلّلها بثباته وعزيمته وصبره..
هو يعقوب مراد الذي حمل قلبه حقيبةً إلى كل مكان حطّت به قدماه، ليكون سفير الإنسانية الذي ينشر رسائل المحبة والتسامح والسلام، وسفير سورية الذي يحمل قضية وطنه في وجدانه راسماً بذلك الصورة الحقيقية لوطنه الأم على الملأ وبكل إخلاص..
لم تبعده المسافات عن سورية ولم تضعفه جراح الوطن فكان المقاوم بالكلمة، سلاحه صوته وقلمه، ودرعه ضميره وإيمانه وصبره..
كان ثابت الموقف؛ صلب الإرادة، أمام مغريات عُرضَتْ عليه بسخاء لاستخدامه كوسيلة من وسائل حقدهم وتحريضهم على وطنه، وأمام اعتداءات ومحاولات النيل منه بالضرب ومحاولات القتل لإخراس صوت الحق في حنجرته، وما زاده ذلك إلا قوةً وثقة ووفاء للوطن.
تابع وطنه عن بُعد وكان المراقب والمتألم لوجع سورية وجراح أهلها؛ فزاده ألمه إصراراً للعمل بكل ما يستطيع على إنقاذ وطنه بكل ما أمكنه من قوة دون انتظار المقابل لعطائه ووفائه مكتفياً بما أعطته سورية ليردد في كل مناسبة قائلاً: سورية أطعمتني من خيراتها وسقتني من عيونها، هي التي علمتني مجاناً وعالجتني مجاناً وقدمتني للعالم إنساناً...
- كان سفره إلى تونس رغم كل المعوقات وكل الظروف ليشارك في مهرجان سبيطلة الدولي مسجلاً حضوراً سورية  رغماً عن كل من عارض وجودها، ولم يتوقف عند هذا وتابع بكل ما استطاع وأثبت أنه من بلد الياسمين من بلد المحبة ومهد الحضارات، وكانت له صرخة تقهر كل متآمر حين كرمته إدارة المهرجان بقوس النصر الذهبي فأعلن على الملأ أنّ هذا التكريم لا يستحقه إلا الجندي السوري الذي صمد وحارب الإرهاب وقهر المحال.. وكان يصدح بصوته وهو على مقربة من جبل هو مقر للإرهابيين في تونس غير آبه لاعتراض وانزعاج الإداريين الراعين للمهرجان.. لتنتهي مشاركته ويعود إلى السويد متابعاً مهمته بالحديث عن منع السوريين من السفر إلى بلدان عربية؛ ودخوله بجواز سفر سويدي، وتنديده المستمر وانتقاده لحكومات عربية ساقها التآمر إلى الضلال عن وحدة التاريخ والحضارة والعروبة..
- ولم توقفه أيّة ظروف عن الاستمرار لينسى نفسه وهمومه ويكون همه الكبير إنقاذ الوطن بكل ما أوتي من إمكانيات.. وتجلى ذلك بمشاركاته في كل مناسبة تهدف إلى خدمة الوطن وبقائه.. ليكون حاضراً وداعماً بثبات وقوة السوري الأصيل.
- وتأتي سلسلته / في حضن الشيطان / التي أذهلت كل من تابعها بما حملته من أحداث ومفاجآت في رحلةٍ حمل بها هواجسه وخوفه وقلقه بحثاً عن حقيقة وأدتها أيادي الشياطين في رمال الباطل.. لتتكشّف أكثر شخصية هذا السوري بما تحمله من وفاء للوطن وتضحية والأهم من هذا ما تبيّن لنا من إنسانيته التي تجلّت بإخلاصه لأصدقائه وثبات قلبه أمام رهبة الموت الذي كان مصيره في حال تبين عدم صدقه من خلال أقسى امتحان ممكن أن يتعرض له الإنسان؛ فما كان إلا المُلْتَحف بمكارم الأخلاق بحفاظه على الأمانة؛ والمُكلّل بالوفاء الذي تُكنّه نفسه لمن عرفهم؛ والمُسيّج بالإيمان والحب الذي استقاه من بلدته محردة التي علمته معنى الصبر..
لم ينسَ ولا لحظة أنّ الإنسان موقف وهاهو سيد الموقف يسجل مجدداً وقفة رَجُل فذٍ بكل ما تحمله الرجولة من شيَم النبل والشهامة بحرصه على الأمانة رغم احتمال الموت في سبيل الوفاء.. وتكون مُحفزّه على التضحية مقولة شكسبير: أكون أو لا أكون.. لتأتي الأحداث وتُثبت حقيقة يعقوب مراد أنه بجدارة قرر أن: يكون... حتى لو كان الموت مصيره.. وتتالي الأحداث يفيض بما تختلج نفس كاتبنا من تناغم أحاسيسه الملوّنة ببياض السلام والمحبة؛ وبنفسج الألم والحزن المتماهي مع أرجوان الشوق وحُمرة الحب والعشق؛ والمُزركش بخُضرة الطفولة وبراءتها التي كانت واضحة في وجدانه؛ فكان إبداعه بتصوير الأحداث بكل عفوية وصدق من خلال براءة حملها ذاك الطفل الذي يسكن روحه؛ وبكل روعة وجمال من خلال ذكرياتٍ أزهرت روضته وأغدق عبقها أنفاسه..
ونتابع معه لتنكشف أهم ما حملته روح هذا السوري حين اكتشف أفراد تنظيم الهاربون؛ ومن غياهب قهره وتعبه تستفزه إنسانيته التي تملكت الروح والجسد؛ لتتردد في وجدانه ألحاناً تُبعثر في حنايا ذاكرته كل ما قهره وكل ما أفرحه وما دفعه إلى حب الحياة بكل متناقضاتها.. ثم يتذكر مقولة الروائي الروسي ليو تولستوي: الكلّ يفكر في تغيير العالم.. لكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه.. ليفكر بمنظوره ويقول: حين يتواجد من يرغبون في تغيير أنفسهم ليتغير العالم من خلالهم، نعلم أنّ الإنسانية مازالت باقية في نفوس هؤلاء؛ وبذور الخير في قلوبهم  بانتظار غيثٍ يُنعش رشيمها المُتشوّق للعطاء..
حين تعلم أنك كنت قطرات الغيث المُنْتَظر.. حين تعلم أنك كنت المستفز لإنسانية أحدهم.. تهون عليك كل المَشقّات وتنفض عنك غبار التعب وأنت تسمع صوت الضمير يصدح في وجدانك: عليك أن تستمر.. وكانت صرخته المدوّية التي هزّت وجدان كل الحاضرين: أريد أن أرى الشمس... عبارة لا تشرحها كلمات ولا سطور؛ فهي تحمل القوة والعزيمة وتشع بضياء الحق ووهج الحقيقة التي يبحث عنها بكل ما استطاع، ثم يأتي ربطه للشمس بسورية ه التي هي مهد الإنسانية ومنشأ الحضارات.. ويكون قراره الاستمرار والصمود والوصول إلى الحقيقة التي تجاوز حدود البحث عنها؛ فكان المُنقّب في مناجم الشيطان المُفحَّمة بضلال غيّه.. ليسطع ضياء ماسها كالشمس المشرقة من حلكة ليل طويل.. حقيقة ما يجري وما يُدبّر لوطنه الجريح الصامد.. حقيقة مؤامرات يمكن محو ظلامها بكشف خيوطها وإحباط مخططاتها..
قرأناه عبر أحداث سلسلة استمرت في كل جزء بمنحه المزيد من السمو والإرتقاء ليعلو قمة الهرم بآخر جزء منها.. ولم تبقَ إلا النهاية التي يحملها لنا كتابه الذي أعلن نشره قريباً؛ لتكون آخر خطوة لرفع راية الحقيقة مُشعةً كالشمس التي أراد رؤيتها؛ لتغمر بنورها قلوباً ضلّلها الباطل متنكراً بثوب ربيع عربي..
مع كل نجاح وتألُق نقول هل هناك أكثر؟؟ وماذا بعد؟  
الكاتب يعقوب مراد.. أيها الصرح الباقي للإنسانية التي تحاول قوى الشر في الأرض طمس معالمها وتشويش صورتها وإمحاء قيمها... بكل ما حملته في وجدانك من قوة وتصميم ممتزجة بالرحمة والمحبة أوصلت لقرائك ومتابعيك رسالة تحمل في كل حروفها أمانةً قررت تأديتها ألا وهي: الحقيقة... حقيقة الحياة وحقيقة الواقع و الأهم حقيقة الإنسان كما يجب أن يكون وكما أهّله الخالق ليكون... ولأنّ فاقد الشيء لا يعطيه أقول: لولم تمتلك وتنعم بإنسانية خالصة ونقية من شوائب الزمن لما كنت أديت هذه الأمانة بهذا النجاح وبهذه الإرادة...
أيها السوري يعقوب مراد وصلتنا رسائل الخير والإنسانية من لبّ ضميرك بأمانة كبيرة وصدق نادر وإخلاص لا متناهي... وصرخة ضميرك أيقظت الضمائر وحفّزت العقول بقوة فكانت عزفاً لملحمة الحياة مع الموت.. ومع صدور الكتاب سيكون نجاحك قد تكلّل بالمجد الذي استقيته من بلاد المجد والكرامة.

بقلم: يـعقوب مـراد

تاريخ الإصدار: ٢٠١٦

تصنيف 2.53/5 (50.6%) (100 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟