المقالات

الصفحة السابقة »

أسئلة الفلسفة والنهوض التربوي

بقلم: إسماعيل الملحم

لا يكشف العمل المكتوب عن الفلسفة إلا بمقدار ما يُفهم، لكن الفهم نفسه يتطلب من القارئ بعض الكفاءة للتفكير فلسفياً.

 «فريناند آلكييه»

 

على الرغم من ضعف الكائن البشري في الشهور الأولى من حياته فإنَّ نموه سيبدأ بشكل عام متميزاً عن نمو الكائنات الأخرى، من حيث الكم والنوع وسرعة المراحل التي يمر بها. فإذ يكون الطفل الوليد والأطفال الرضع لديهم قدرات معرفية لا تظهر واضحة في سلوكهم كما أنهم لا يعبرون عن فهمهم للأشياء، وفهم الأشخاص الآخرين وفهم الذات، لكن هذه القدرات تبدأ في التعبير عن نفسها في فترات لاحقة، تتفاوت في ظهورها بين شخص وآخر ابتداء من الشهر الرابع تقريباً.

يمارس الأطفال الرضع ميراثهم كبقية الرئيسات بسبب أنَّهم يولدون عاجزين تماما ً إدراكياً وحركياً، فلا يلبثون إلا زمناً يكاد يكون محدداً إلى حد ما حتى يبدون خصائص في النمو مختلفة، تتميز عند البشر بما يتوافر لديهم من قدرة على التكيّف المعرفي الذي ينفردون به ليسهم في تغيير عملية تطور النمو المعرفي ذاته الذي يؤسس لإنجازات على مستويات متعددة ومتنوعة تتعاظم جيلاً بعد جيل. ويشهد عصرنا الذي نعيش فيه تغيرات وتحولات هائلة في مختلف جوانب الحياة تستدعي تغيرات مقابلة على مستوى علاقة الإنسان بها وأشكالاً من التكيف تتيح للجنس البشري التفكير في الوسائل والطرائق وأشكال السلوك المناسبة للتفاعل مع المستجدات المتلاحقة. إلا أنَّ تدفق المعلومات والتفجر العلمي والمعرفي وثورة الاتصالات وإدارة المعلومات وفوضاها، وانفتاح الناس على مجالات جديدة كل ذلك لم يكن في الحسبان، لاسيما بعد توافر وسائط الاتصال والتواصل والإقبال على شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها، من قبل الناس أفراداً وجماعات، ومن مراحل النمو المختلفة، ومن ذوي ثقافات متشابكة وواسعة، ومن جميع المستويات التحصيلية، تثير كثيراً من التساؤل والمخاوف التي تتعلق بحاضر المجتمعات والأفراد ومستقبلهم، وما تنتجه من مشكلات متزايدة اجتماعية وسياسية وتربوية وعلى مستوى الأسرة والمؤسسات العامة والنظم والتنظيمات من أشكال ليست قليلة.

 ثمة أسئلة على المستوى الإنساني تتعلق بمطالب النمو المعرفي وبفلسفة التربية وعلاقتهما بمتطلبات العصر من جهة، وحاجات المتعلم والمجتمع من جهة أخرى. في زمن تعاني فيه البشرية أزمات متلاحقة في ظل فوضى عارمة واستقطابات لا تضبطها قوانين أو قواعد، بل تضيف إلى صعوباتها تسارع تطورها وتغيرها وانتقال المشكلات من مكان إلى آخر داخل البلد الواحد، وعلى المستويين الإقليمي والدولي، منها الحروب وأزمات المناخ والتلوث الثقافي و... وما يستجد على مستويات الاستهلاك ودخوله إلى حياة الناس بتفصيلات تثير الانتباه وتلفت إلى نتائج تؤثر في السلوك وأنماط العيش والعلاقات الاجتماعية، تتجلى فيما يذكره «بول فرّي» في كتابه «ثورة الحب في مواجهة الثوابت القديمة» معدداً نماذج منها:

 أنتجت العولمة الثانية تغيرات كثيرة في شتى جوانب السلوك وما استتبعها من تعديلات في سلوك البشر، وفي أنماط عيشهم ونشاطاتهم الاجتماعية تجلت – على سبيل المثال- في أن ما كان صفة ثابتة في عالم السياسة والتاريخ قد صار موضع هزء إزاء إنشاء الأسواق المالية، وفي هذا الزمن، زمن العولمة المتسارع تحولت رغبات الناس وأنماط حيواتهم إلى أشكال وأنماط لم تكن واردة في تفكيرهم قبل زمن قصير من الآن. انعكس ذلك في السلوك الاستهلاكي الذي أتى على كل أشكال السلوك القديمة التي عاشت مع البشر قروناً طويلة إلى أن صار الاستهلاك هدفاً أساسياً (هواتف جوالة، مسلسلات تلفزيونية، ألعاب فيديو، كولا، همبرغر، أزياء وغيرها...) مما جعل الشباب والنساء والأطفال، ابتداءً من سنوات الطفولة الأولى في حالة تشوق للاستهلاك، وعندما يستكينون أو يتراجع مستوى الاستهلاك لديهم يجري التحريض عليه بالدعاية التي تستهدف مزيداً من الإقبال على هذه الأشياء وتقديمها بأثواب تستثير الشهوات.

 ما سبق وغيرها من مشكلات تهدد الجنس البشري وتنذر بتفكك المجتمعات. ويتزايد الشعور بالقلق والخوف من مستقبل قد يفاجئ البشرية فلا تجد لديها ما يبدد قلقها وتخوفها، إضافةً إلى انبثاق حاجات تستلزمها الأزمات الحادة التي يواجهها العالم أجمع في مرحلة معقدة تتشابك فيها مصالح الأفراد والجماعات. من هذه الحاجات الهامة التي يلحظها المهتمون بالتربية الحاجة إلى تعلم الفلسفة لما لها من دور تنهيضي يكون من مخرجاته متعلم كفء على مستوى من النمو العقلي والمعرفي يساعده في تفهم المشكلات واقتراح حلول معقولة ومفيدة، لعلنا نستفيد من بصيرة فلسفية ومعرفة فهما ضروريتان للتقدم(١)، انطلاقاً من أهمية الفكر العقلاني الذي يدرك وحده أن كل أشكال التغيير الواعي تتطلب من العامل الفكري والثقافي أن يكون محفزاً بارزاً ومنتجاً.

 تبرز في هذه الأجواء حاجات تعادل في تأثيرها ما ذكر سابقا ًتستجد كل يوم في محاولات جادة تستوجب البحث عن الحلول والخروج من المآزق التي تعانيها البشرية ومنها عقلنة الحلول وما تتطلبه من توجيه الإرادات الجماعية والفردية للبحث واقتراح أساليب معالجتها. ففي المجال التربوي يبحث المهتمون سبل تحسين العملية التعليمية التعلمية على صعد تتيح التنوع في الأفكار والوسائل تتناسب مع كل بيئة من البيئات ومع كل مرحلة من مراحل نمو الإنسان، بحيث تكون التربية مشروعاً يعدُّ الكائن ليكون قادراً على التكيف والإنتاج فاهماً لما يجري عارفاً، يخضع في سلوكه وجهوده ونشاطاته بما لا يتعارض مع قدراته فلا تكبل إرادته ولا يقبل بمنطق الإملاء والخضوع. في هذا المقام نشير إلى الاهتمام الذي توليه على مستوى المنظمات العالمية ما تصدت له منظمة اليونسكو منذ تأسيسها للنهوض بالتربية ووضع الخطط والاقتراحات الهادفة إلى تحسينها لتكون مخرجاتها واحدة من سبل تحقيق السلام بين الشعوب ومواجهة العنف وتعزيز قدرات الإنسان واحترام إنسانيته وحقوقه في الحرية والحياة في عالم ضاجٍّ بالمتناقضات، من بواكير مشاريع هذه المنظمة متابعة برنامج خاص بتدريس الفلسفة صدر عام (١٩٥٣م) الذي هو متابعة للبرنامج الخاص بذلك الصادر عام (١٩٤٦م) عن مؤتمر عقد في السوربون وكان بين المسهمين فيه «جان بول سارتر وإيمانويل مونييه وألفريد أوبير». وما زالت اليونسكو تتابع هذه الجهود.

الحاجة إلى تعلم الفلسفة في التعليم النظامي

 ثمة أسئلة داخل منظومة العملية التعلمية تتعلق بدور الفلسفة في عملية تستهدف النهوض التربوي في الوقت الذي تشكو منه المدرسة في الوطن العربي من تدني مستوى مخرجاتها في ظل غياب وغموض الفلسفة التربوية الموحدة، وما يتعلق بالتفكير العقلاني كضرورة لمواجهة التحديات في خضم أزمات عربية تطال الوجود العربي في الصميم...

 والسؤال هنا: كيف يمكن للدرس الفلسفي أن يكون فاعلاً ومنتجاً لدور تنويري وتغييري ملح في مواجهة الانسداد في الأفق السياسي على مستوى الدول العربية، والانغلاق الثقافي وضلالات الإعلام.

 بلفت الانتباه إلى أن الإقبال على تدريس الفلسفة لا يزال غير مقبول في كثير من النظم التعليمية في العالم العربي، ويتأخر إذا وجد إلى نهاية المرحلة الثانوية في بعض النظم، ويقتصر على تعليم تاريخ الفلسفة أحياناً حتى على مستوى التعليم الجامعي. ويغيب عن ذلك التدرب على التأمل والحوار، وإثارة الأسئلة...

الفلسفة ومعناها

 الفلسفة نوع فكري لا يسعها أن تُفهم كشيء. فالعمل المكتوب لا يكشف عنها إلا بمقدار أن يُفهم، ويقتضي الأمر مستوى من الكفاءة عند القارئ -كما يقول «فريناند آلكييه»- للتفكير فلسفياً، ينطبق ذلك على أي نوع فكري آخر، شعراً كان أم فناً من الفنون(٢). ثمة سؤال يثير الشكوك:

لِمَ كان الفلاسفة وما يزالون يجنحون في نصوصهم ودعواتهم إلى الغموض؟ يجيبهم «دومينيك لوكور»، قائلاً:

 «يوجد عدد كبير من طلبة التخصصات العلمية يعانون من أزمة، فعلى الرغم من تلقيهم معادلات وتقنيات ونظريات إلا أنهم ظلوا يفتقدون تلك النظرة الشاملة لماهية الفكر العلمي حتى في داخل تخصصهم الضيق».

 وثمة تعصب تكنوقراطي لا يرى في الفلسفة أية ضرورة للتعاطي مع أفكارها ونصوصها، أي أنه ينفيها فلا دور لها في الحياة العصرية.

 ليس التشكيك بجدوى الفلسفة فضلاً عن تعلمها جديداً، وكذلك التخوف منها. تضع الفلسفة كل ما كان أو ما سيكون على محك النقد الفكري، وهذا ما يدفع به المتشبثون بأفكارهم وآرائهم من التحريض عليها والتمسك بالقديم على علاته وقصوره عن فهم الواقع المتغير.

ما الفلسفة؟

 الفلسفة معرفة، بل معارف تطبعها روح الاكتشاف والفضول الملازمين لكل جهد عقلي. ولأن شرط التعامل الإنساني يقوم على حقوق الفرد بالتعبير الحر والتعلم فلا محيد عن إفساح المجال لكل إنسان ليكون له حق في الفلسفة، خاصة أنها دائبة الفحص عن الجديد فتضع كل شيء على محك الفكر النقدي.

 لا شك أن الإبهار الذي شكله نجاح علم الفيزياء خاصة وقد عدّه بعضهم نهاية الفلسفة وقللوا من مصداقيتها، كما تناولوا العلوم الإنسانية ونعتوها باللامصداقية والعجز. لكن هذا لم يشكل مدعاةً لتغييب الفلسفة، فإذا كان نمو العلم قد تم خارج نطاق الفلسفة وأفسح مجالاً لمعرفة القوانين منذ فيزياء «نيوتن» فهذا لم يستطع على قوة تأثيره في الأذهان أن يسقط دور الحكم العقلي في مجالات الفكر والمعرفة الذي لا يكون بالتعبير عن آراء بسيطة ولابتحصيل المعرفة فحسب، بل بفهم المعرفة ومبادئها وبتنمية الفكر النقدي... فالفلسفة هي تفكير بالعلم والعالم، لا يكتفي الفيلسوف بالمعرفة، بل يفكر فيها ويريد أن يعرف ما العلم، واقتضاء الوجود يرغم شعور الفيلسوف على نقد معرفة زمانه(٣).

 ويأتي التحريض على الفلسفة أيضاً خوفاً من نقد الفكر الحر الذي يخضع كل شيء للمساءلة ويساند فحص المشكلات واقتراح حلولها، فإذا كان لا دور للفلسفة في إنتاج العلم بقوانينه الجديدة فإنّها تفكر بالعلم بذاته، وتتخذ منه موقفاً لا ينقصه التشابه مع ما كان لدى «أفلاطون» و«سقراط» الذي كان يبرهن لمحاوريه أنهم كانوا لا يعرفون ما كانوا على معتقداتهم يعرفونه، كما أن «كانط» كان يقرر أن الفيزيائيين لا يعرفون ما يحسبون أنهم يعرفونه. عالم العلم ليس كشيء بذاته، ولم يفت «هيدغر» أن يفكر أيضاً بجوهر العلم أو جوهر التقنية(٤). فكل وجود محمل بمعنى ودلالة. الطبيعة فيلسوفة على شاكلتها، والمجتمع بنظمه وعلائقه فيلسوف على شاكلته. والحياة في نغمها المشعشع، بين الطبيعة والإنسان، فيلسوفة الفلاسفة، غير أن فلسفتها هي الحياة لا تبوح بها دفعة، ولا تنثُّ بها طائعة ميسرة. إنها كالأفق، تدنو منه ولا يدنو، ويطمعك ولا يبلغك(٥).

الفلسفة في مواجهة معوقات التفكير العقلاني

يواجه الفيلسوف ارتهان العقل في أمور كثيرة لثوابت وقوانين مفترضة لها قوة أخلاقية بسبب تكرارها أو إساءة فهمها في حياة الشعوب المقهورة المحكوم على إرادتها من ذلك:

-   الاستسلام للدوغمائية، في التفكير والسلوك، حيث هي نظام إدراكي شبه مغلق من المعتقدات واللا معتقدات الخاص بالواقع.

-   الامتثال للمعلومة والانصراف عن نقدها عند الكثير من الناس، ومنهم من يحمل صفة مثقف، يأخذ أحكامه وتفكيره منسوخاً عن اسم معروف أو كاتب مشهور.

-   الإطلاقية في الأحكام وكأنها لا تزال قواعد لم يمسسها تغيير ما.

-   الارتهان للتراث والحذر من التصدي له بالنقد.

-   المراوحة في الأحكام بالاعتماد على منطق الاستهلاك والعجز عن الانتقال إلى تعميم ثقافة الإنتاج.

-   الاستسلام للعقليات الانغلاقية التي ترى في الحاضر نهاية المطاف، وإذا اهتمت بالمستقبل فإنها تراه في حدود الحفاظ على الوضع الراهن الذي يضمن الاستمرار في مواقع القرار والانتفاع.

 هذه القواعد الظاهر منها والمستتر يقف حجر عثرة أمام جهد الفيلسوف للخروج منها وتجاوز العجز والقصور الذهني والتخلف الاجتماعي المترتب على شيوعها. وثمة سؤال يطرحه الفكر الفلسفي هل الارتهان للخطاب النظري والحماسي وما شابهه قادر على إحداث التطور والتغيير في عصر سباق الخيارات وتنوعها؟

 التخلص من العقبات السالف ذكرها يقتضي:

١-     الانتقال من سلوك ومنطق الاستهلاك إلى الإنتاج مع ما يحتاجه من إرادة الانخراط في العصر وفهم طبيعته.

٢-     الانتقال بالفكر إلى مرحلة النقد بدلاً من الوقوف عند مرحلتي الوصف والتفسير.

الفلسفة والتربية

 كيف نفكر ونتذكر ونتعلم؟ هذا السؤال يدل على الدور الذي ترتجيه التربية ليكون دليلها في البحث والممارسة، فالعلم التربوي يتعدى دائماً الجانب المعرفي في الوقت الذي لايستغني عنه، لأنه يمكّن المتعلمين من اتخاذ قرارات تحسن من وضعهم(٦). فالظاهرة البشرية تستدعي باستمرار توسيع فضائها، فمصطلح إنساني هو مصطلح غني ومتناقض ومزدوج، وهذه الظاهرة في الواقع شديدة التعقيد، صحيح أن جميع العلوم والفنون كل من زاويته يضيء عليها، لكنها إضاءات منفصل بعضها عن بعضها الآخر بمناطق غامضة عميقة تعيق إدراك الوحدة المعقدة لهويتنا(٧). ولا يزال الإنسان يبحث عن عناصر التعقيد ووحدتها، كما هو البحث دائم في الكون ووحدة العلوم وتقاطعاتها، كما في وحدة الشخصية الإنسانية، على مستوييها الفردي والاجتماعي. وهذا أحد الإشكاليات في عالم المعرفة: «يجب أن تكون معرفة الإنسان أكثر فلسفية وأكثر شاعرية».

 تتجه الدراسات الإنسانية في مجال بناء الذات والهوية والشخصية المميزة إلى البحث في أهمية الفلسفة، وفلسفة الثقافة منها بالذات، انطلاقاً من فهم للنمو المعرفي في حياة الإنسان، وفحص حقائقه وخصائصه وعلاقته في الفعالية التربوية(٨).

 فلسفة الثقافة تطرح سؤالاً يتعلق بعملية التفكير كيف يمكن للفلسفة أن تضطلع بدور في مشروع الخروج من مستنقع التأخر؟

وكيف لها أن تسهم في فهم دور ثورة المعلومات والاتصالات في التنمية البشرية بحيث أدخلت الفلسفة والعلم التربوي معنىً جديداً على مفهوم التنمية الذي لم يعد قائماً على أساس التقدم التقني والاقتصادي فحسب بل على أساس من توسيع نطاق الخيارات أمام الناهضين بالجهد التنموي؟

النمو المعرفي وتعلم الفلسفة

 لا يخفى على عين المراقب والمتتبع لعمليات النمو عند الإنسان، أن الطفل منذ سنوات حياته الأولى شغوف بطرح الأسئلة، وكثيراً ما يضيق الكبار ذرعاً بسيل الأسئلة عنده الذي لاينتهي. ولا ترى الطرائق التربوية الحديثة مشكلةً بذلك، ولكن مطلوب من المربي أن يشجع على الأسئلة، لتكون ثقافة السؤال ركيزة للتعلم أكثر أهمية من ثقافة الجواب التي تبنى عليها. وهذا أحد أهم متطلبات النمو في تلك المرحلة المبكرة من الحياة، ولعله من المفيد أن يبدأ هذا التشجيع قبل الدخول المدرسي منذ مرحلة الروضة وما قبلها.

 يبدأ سلوك السؤال عند الطفل قبل مرحلة الكلام, وقبل اكتمال مرحلة النضج اللغوي، يظهر في سلوك الدهشة، ولعلنا لا نكون مغاليين أن هذا السلوك يبدأ منذ الصرخة الأولى التي يواجه بها الكائن الحياة. فمظاهر النمو هذه سريعة التغير في السنوات الثلاث الأولى، بعدها يصبح السؤال أكثر وضوحاً ويصبح صريحاً ويلح في طلب الجواب. فيكون على المربي أن يراهن على تنمية التأمل بالتمرس العقلاني على المنهجية العلمية والدقة وإقامة الدليل، وتنمية الحس النقدي.

يقتضي تنامي المعارف وتعدد التخصصات العلمية دفع التفكير بأهمية تدعيم التعلم المدرسي بالأسئلة التي تتعلق بدور الفلسفة، وتعلم التفكير ووعي دور التحليل والتركيب من أجل وحدة المعارف.

 أكد مشروع اليونسكو المتعلق بنجاعة تعلّم الفلسفة منذ الطفولة تشجيع الممارسات ذات القصد الفلسفي لدى المتعلم. في مراحل التعليم المختلفة وإلى مأسسة تعلم الفلسفة والمسارات التي ينبغي أن يسلكها، اعتماداً على مفهوم للفلسفة يتمثل بمبدأ كونها فن توضيح الأسئلة ومتابعتها، لأنها، بحسب الفيلسوف «برتراند رسل»، ليست موقفاً من الحياة، بل هي طريق للحياة أيضاً. الدعوة الجادة لتعلم الفلسفة في مرحلة نمو مبكرة تمخضت عن اجتماع الخبراء الذي عقد في مقر اليونسكو في باريس عام (١٩٩٨م) وجرى فيه التركيز على تقديم المبادئ الفلسفية لصغار المتعلمين بلغة بسيطة وسهلة المنال. مما يساعد على تنشيط النمو الذهني والأخلاقي. تتطابق هذه الدعوة مع ما كان يعدّه كل من الفيلسوفين (كارل يسبرز) و(ميشيل أونفري) بأن التفلسف هو مواجهة سؤال، ورأي كل منهما أن الطفل فيلسوف على نحو عفوي بتساؤلاته الوجودية الكثيفة والجذرية. (لماذا، كيف، أين، وأخرى حول الموت... وأسئلة حول أصول العالم والله...). على الرغم من بعض الملاحظات على تعلم الفلسفة قبل المرحلة الثانوية بعضهم يرى في الطريقة الفلسفية الأكثر عقلانية للتحكم بالمعيش الوجودي تتيح خلق مسافة بين الفرد والانفعالات تجعل من الحالات التي تواجهها الذات موضوعاً للتفكير يكون وقعه أجدى في التعلم الصفي، ففي الصف الجماعي يتمكن الفرد الخروج من عزلته الوجودية، وإدراك أن أسئلته يطلبها كل واحد في الصف فيشعر بالاطمئنان والانتماء لوضع إنساني مشترك(٩).

كما أنَّ النقاش في الجهد ذي القصد الفلسفي وتنمية الفكر النقدي، وتشجيع الحوار الفكري والتفلسف كشروط لتربية عقل يواجه الآخرين ويسعى إلى الحقيقة، وذي متطلبات أخلاقية وفكرية أساسها تنشيط التفكير. يترافق ذلك بالتعامل مع التساؤل بجهد تقني فني يقوم على توضيح السؤال والقيام بدور قادر على تفسيره وفهمه، لتفويت الفرصة على الأجوبة الناقصة أو الغامضة والماكرة وكشف عوراتها، فتكون للفلسفة كرغبة في المعرفة كما تقتضيها أية معرفة جدية تشتمل الأدلة والبراهين، وتفرض نفسها على كل العقول اليقظة(١٠).

تبدو الحاجة ملحة إلى تعلم الفلسفة في المدرسة العربية في الوقت الذي لا تزال بعض نظمها تعارض إدخال مقرر للفلسفة قبل المرحلة الجامعية، وبعضها يحرمها حتى في الصفوف الجامعية من مفهوم (مَن تفلسف أو تمنطق فقد تزندق).

 الاهتمام بالدرس الفلسفي أحد ضرورات فهم العصر والإقرار بالحاجة إليه لتعلم الطرائق المنهجية للتفكير العقلاني والنقدي لكن، من دون إهمال وضع كل فلسفة موضع تساؤل. ويبقى تساؤل آخر:

 البشرية اليوم أمام لحظة تاريخية يشكل فيها تعلّم الفلسفة ضرورة لمسابقة التفكير العقلاني فالمجتمعات البشرية ومنها مجتمعاتنا العربية خاصة مأزومة. فهل للفلسفة أن تكون جرعة من بلسم شاف لها؟ ثم أليست الفلسفة نفسها في أزمة؟

 الإقرار بالحاجة لتدريس الفلسفة للوصول إلى منهجية للتفكير العقلاني النقدي للعالم والإنسان، ودعم مجهود التغيير الشامل والواعي سيظل مدعاةً لتدعيم الفلسفة، فليس ما ينافسها لتنمية الفكر النقدي وقيادة التنوير لتحرير العقول من الأوهام والخرافات للنهوض بالفعل التربوي الهادف إلى ثقافة نقدية تقوم على الانفتاح والجرأة والقدرة على طرح أسئلة حقيقية لا أسئلة مغلوطة وزائفة.

 

 

الهوامش

١-     جون. ن. ر. سورل: العقل، ترجمة ميشيل حنا متياس، عالم المعرفة (٣٤٣ /٢٠٠٧م).

٢-     فريناند آلكييه: معنى الفلسفة، ترجمة حافظ الجمالي، (ص:١٤) اتحاد الكتاب العرب، (١٩٩٩م).

٣-     المرجع السابق (ص:٦٧).

٤-     المرجع السابق (ص:٦٦).

٥-     عبد الله عبد الدايم: الفلسفة والأدب، مجلة الآداب، (ص:٣)، آذار (١٩٦٢م).

٦-     جون بريل: التعلم للتفكير، ترجمة: كهيلا بوز، وزارة الثقافة (٢٠٠٦م).

٧-     إدغار موران: النهج/ إنسانية البشرية الهوية البشرية، ترجمة: هناء صبحي، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، (٢٠٠٩م).

٨-     إليزابيث سوزان كساب: دراسة في النقد الثقافي المقارن، مركز دراسات الوحدة العربية، (ص:٢٠٣)، بيروت، (٢٠٠٦م).

٩-     عدد من المؤلفين: الفلسفة مدرسة للحرية، منشورات اليونيسكو، (ص:٧)، (٢٠٠٩م).

١٠- فريناند آلكييه: مرجع سابق (ص:١٧).

 

تاريخ الإصدار: ٢٠١٧

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 2.64/5 (52.73%) (22 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 13 )