التراث الشعبي – العدد 24

حماية وصون التراث اللامادي مشروع وطني بامتياز

وزيرة الثقافة

الدكتورة لبانة مشوِّح

في مرحلة التعافي التي تمرّ بها سورية بعد مضي عشر سنين عجاف ومعاناة مِن عواقب الحرب وتداعياتها النفسية والفكرية اعتمدت وزارة الثقافة خطتها الإستراتيجية للأعوام 2020-2023 وضمّنتها سبعة برامج إطارية هدفها بناء الإنسان، وتحصين الفكر وترسيخ الانتماء وصون الهوية وضمان استدامة غناها وتماسك مكوناتها، وترسيخ الهوية والانتماء، واحتضان الإبداع ورعاية المبدعين وتشجيع المواهب وتنميتها، فضلاً عن التطوير المؤسساتي والتشريعي بما يؤمِّن الإطار الأمثل  لتطوير أداء مؤسساتنا وخلق حراك ثقافي نوعي لا نخبويّ منتشر في كل أرجاء الوطن وبما  يليق.

ولعلّ من أهمّ البرامج التي نوليها عناية خاصة برنامج حماية وصون التراث اللامادي. فقد  وُضعت خطط منهجية لهذا البرنامج، وحُدِّدت لكلّ منها خطوات تنفيذية مقيّدة بمؤشرات أداء واضحة تتيح تتبّع الأداء وتقييمه وتقويمه، وأحدِثت لهذا الغرض مديرية التراث اللامادي لتحمل عبء التخطيط والمتابعة والتنفيذ والتقييم، واستُكمل العمل بمشروع قانون التراث اللامادي، وأُبرمت مذكرات تفاهم واتفاقيات مع مؤسسات المجتمع الأهلي المعنية بالشأن التراثي، والتواصل قائم مع المنظمات الدولية لتأمين دعم مشاريع توثيقية تبدأ بتأهيل الكوادر وتدريبهم على حصر العناصر التراثية في كل محافظة على حدة، ليقوم فريق متخصّص بجردها وتوصيفها وتوثيقها، تمهيداً لتسجيلها على قائمة التراث اللامادي الوطني، واتّخاذ كل ما يلزم من إجراءات للحفاظ عليها وضمان استدامتها.

إن مشروع حماية وصون التراث اللامادي مشروع وطني بامتياز، فقد وضعته وزارة الثقافة وهي الجهة الرسمية المرجعية، وضمّنته الحكومة في بيانها الوزاري الذي أقرّه مجلس الشعب؛ وهو مشروع تشاركيّ لا يقوم إلا بتضافر جهود كل المعنيين بالتراث اللامادي مؤسسات ومنظمات وجمعيات وأفراد. لا بل لا يصحّ تسجيل أي عنصر تراثي لا ماديّ ما لم يتمّ ترشيحه من حملته بالذات، أفراداً كانوا أم جماعات أم مجتمعات. تلك حقيقة لا بدّ من أن يعيها المهتمون بالتراث اللامادي والمعنيون بتوثيقه وحمايته.

في هذا الإطار قامت وزارة الثقافة بالتعاون الوثيق مع الأمانة السورية للتنمية باتخاذ خطوات تنفيذية ممنهجة ومبرمجة ضمن أطر زمنية محدّدة لحصر وجرد عناصر التراث اللامادي في محافظة طرطوس، كبداية لعمل أوسع يشمل كلَّ المحافظات السورية. شملت الحملة تدريب ستين متطوعاً على حصر عناصر التراث اللامادي في مجمل محافظة طرطوس، وضِعت معايير ونُظِّمت استبانات قام المتطوعون بملئها مستندين إلى سبرٍ شامل للآراء نتج عنه ملء تلك البطاقات التوصيفية بما يربو على الألف ومئتي بطاقة لعناصر رشّحها أبناء المجتمع وحملة التراث أنفسهم، قبل الانتقال إلى الخطوة التالية بجرد تلك العناصر وفق معايير محدّدة، وإدخال البيانات حاسوبياً ليصار إلى تحليلها وفق برمجيات متطورة تنتج ما يمكن أن يعتمد لانتقاء ما يصحّ أن يسجّل كعنصر من عناصر التراث اللامادي الوطني. هي إذن عملية طويلة ومعقّدة، وكيف لا وتراثنا الوطني اللامادي يكاد يكون الأغنى والأكثر تنوعاً…

مشاريع كثيرة ومتنوِّعة على جدول أعمالنا في إطار حماية وصون التراث اللامادي وضمان استدامته، بعضها يمكن، لا بل ينبغي الشروع به فوراً لأسباب عدّة، منها توفّر المادة البحثية والرأي الخبير والشركاء الداعمين؛ لكنّ الأهم من ذلك كلّه إمكانية الوصول إلى حملة التراث الذين يزول بزوالهم هذا الإرث العظيم. فكم من حكاية أو حرفة أو طقس أو أغنية شعبية أو رقصة أو نغم توارثتها الأجيال لعقود لا بل لقرون، ثم اندثرت وطواها النسيان عندما طوى الترابُ حملتَها.

طموحنا كبير، والمتحمسون له كثر. بقي أن تتكاتف كل الأيدي في عمل ممنهج منسّق ينأى بهذا المشروع الوطني ذي البعد الإنساني العميق عن التخبط والعشوائية.

 

 

(التراث الشعبي – العدد 24) pdf.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.