العدد 692 – أيار 2021

المثاقفة والهُويّة

 

 وزيرة الثقافة

الدكتورة لبانة مشوِّح

 

درج الباحثون اللغويون، ولا سيما في علم المصطلح، على عَدِّ أنّ المصطلح يولد من رحم الحاجة الفكرية أو العلمية، ليختزل مفهوماً افتقرت اللغة إليه أو عجزت عن احتوائه والتعبير عنه، على اتِّساع مخزونها وتنوّعه وغناه. وفي هذا القول نظر، إذ إنّ التعدّد الاصطلاحي لمفهوم واحد بات من الأمور المعروفة للعاملين في حقول العلم كلّها، وهو ما استدعى جهود توحيد المصطلح التي نجحت في العلوم الأساسية والتطبيقية، وتعثّرت في كثير من فروع العلوم الإنسانية لأسباب لا مجال للخوض فيها في هذه العجالة.

ومن المصطلحات التي شاعت في الاستعمال، بداية في الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية، ومن ثمّ في الدراسات النقدية، مصطلح «المثاقفة» الذي كان إطلاقه فاتحةً لحقل بحثي جديد في مختلف حقول العلوم الإنسانية، وهو لا يتّصل بمفهوم احتكاك الثقافات وتداخلها فحسب، بل يتعدّى كلّ ذلك إلى دراسة أثر تلك الاحتكاكات والتداخلات بين منظومتين ثقافيتين أو أكثر، في إعادة صياغة العادات والتقاليد والقيم وأنماط التفكير، وما يطرأ من تبدّلات وتطورات على المنظومة الثقافية بمختلف مكوِّناتها نتيجةً لذلك.

من نافل القول: إنّ العناية بظواهر احتكاك الثقافات وتداخلها لم تبدأ مع ظهور مفهوم المثاقفة، لكنّها لم تكن تقوم على أساس نظري يفسِّرها، مما قصرها على الوصفية وأبعدها في أغلب الأحيان عن الأحكام الموضوعية، ولا سيما في مقاربة آثار هذه التداخلات الثقافية بأحكام لم تخلُ من السلبية.

تطالعنا الدراسات المعنية بتاريخ ظهور هذا المفهوم وتطوره ومن ثم بتاريخ ظهور المصطلح نفسه، باسم عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي ميلفيل هيرسكوفيتس كأحد أوائل مبتكري مفهوم المثاقفة. وقد اعتمد هيرسكوفيتس هذا المفهوم في دراسته للمنظومة الثقافية للمجتمعات المحلية الأمريكية-الإفريقية، عادّاً أنّها ليست «هجينة» كما كان يطيب لبعضهم وصفها، بل تضاهي في أصالتها وأهميتها الظواهر الثقافية التي ساد الوهم بأنها «نقية».

وفي خمسينيات القرن الماضي، أدخل روجيه باستيد إلى فرنسا دراسات تناولت عملية المثاقفة في سياقات مشابهة، إذ تناول التداخل الثقافي الذي يتجلّى في المجتمعات البرازيلية من أصول إفريقية. ثم تتالت الدراسات والبحوث، إلا أنه وعلى الرغم من كلّ التطوّر الذي طرأ على المقاربة العلمية للمنظومة الثقافية ومؤثراتها والتبدلات التي تطرأ عليها، ظل الاعتقاد سائداً بأن المجتمع الإنساني يشبه الكائن الحي، وأن تطوّره يكون من الداخل لا من الخارج، أي إن التغيرات التي تطرأ عليه من خارجه لا أثر حقيقي لها في عملية تطوره ولا في صياغة جوهر طبيعته الثقافية، هذا يعني أن ما ينبغي العناية به ودراسته هو الديناميكيات الثقافية الداخلية لا المؤثرات الخارجية.

سرعان ما تغيّرت تلك المقاربة، فلم يعد المحيط الاجتماعي الداخلي هو أساس أي تبدّل اجتماعي ثقافي، ولم يعد تباعد منظومتين اجتماعيتين واختلاف ثقافتين حائلاً دون تداخلهما لإنتاج منظومة ثقافية جديدة. تحوّلت المقاربة من السلبية إلى الإيجابية، أو على الأقل إلى الموضوعية في التعاطي مع المثاقفة، وبات حاصل هذه الظاهرة منظومة ثقافية توافقية.

لا يعني تداخل الثقافات وتمازجها بالضرورة تهديداً للهُوية الثقافية الجامعة وتشويهاً لها، بل قد ينتج عنه ظهور أنماط سلوكية ونُظُم لغوية وعادات اجتماعية، لتكوِّن منتجاً ثقافياً جديداً هو مزيج متجانس من مكوِّنات مختلفة متعدّدة المنابع، تتبلور في كلٍّ متكامل متعدّد الألوان على تنوّعها، متناسق الأشكال على اختلافها، ينصهر في بوتقة الانتماء الوطني ويغني الهوية الثقافية الجامعة.

 

 

(العدد 692 – أيار 2021) pdf.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *