الهوية الثقافية بين العالمية والعولمة

لعل من أهم أسئلة علماء الأنتروبولوجيا، السؤال التالي , كيف تترابط الشعوب مع بعضها في العالم وكيف تتحاور؟.  ويبدأ الجواب بنقطة هامة،  لكي نتحاور يجب أن نعرف من نحن، ثم يجب أن نعرف من هو الآخر. ويصدر هذا الجواب عن القناعة بأننا لن نكون بشراً ما لم نحقق حواراً ومعاشرة مع الآخر، بدءاً من المجتمع الصغير إلى المجتمع العالمي الكبير. وهذا الحوار هو الذي يحقق في بعده العريض العالم الذي ينتجه البشر لكي يعيشوا فيه، إذ لاوجود للعالم قبل البشر، فهو بيئة التفاعل البشري ويحدد حجمه وأهميته  حجم هذا التفاعل البشري.

وليست تركيبة هذا العالم بسيطة، بل هي معقدة متشابكة متطورة. وتبقى المسألة الأساس في علم الأنتروبولوجيا هي مسألة تنوع الذاتيات، وطريقة تفاعل هذه الذاتيات مع بعضها، على الرغم من التنوع الهائل في بنى هذه الذاتيات. هذا التنوع الذي نراه في تعدديات اللغات حتى في الذات الثقافية الواحدة,وفي تباين التقاليد والعادات والعقائد والأهداف. وهذا ما يجعل مهمة العالم الأنثروبولوجي صعبة جداً وبخاصة عند تعريفه لمعنى العالم بوصفه تحولاً مستمراً، وقد يصل هذا التحول إلى درجة التفجر. ولذلك كان لابد من النظر في واقع الثقافات التي لا يمكن أن يكون منشأها عذرياً، إذ لابد أن تنطلق من ميلاد مشترك، وبالتالي فإن الحوار بين هذه الثقافات في العالم تبرره الأواصر الثقافية بين البشر. ولأن جوهر الثقافة كامن في التحول، كان التباين بين الثقافات نتيجة حتمية، دون أن يعني هذا التباين فقدان اللغة الإنسانية المشتركة التي تحقق الحوار، إذ أن التحول الثقافي والتقدم المعرفي إنما يجري بين البشر من الداخل، ولهذا يتعين علينا أن نبحث عن هذا التحول في داخل الآخر، ضمن نزعة تبادلية بين الناس، بوصفهم مستغرقين على نحو لا مناص منه في علاقات مواجهة مباشرة مع بعضهم البعض. وفي كتاب "أنماط الثقافة" ترى المؤلفة روث بنيديكت " أن العالم أشبه بمتحف تمثل خزائنه بمجموعات من المعروضات المتمايزة والمستقلة، ولكنها متكاملة مع بعضها البعض". لقد أبان هذا الكتاب أن التنوع واقع تحدده الطبيعة البشرية، وأن تحقيق تفاعل متسامح بين البشر يتطلب دراسة هذا التنوع، والتعمق في فهم الذات والآخر أولاً.