المناهج المصطلحية مشكلاتها التطبيقية ونهج معالجتها

شهد العالم تطورات كبيرة على مختلف الصعد العلمية والفكرية والحضارية، وأدت هذه التطورات إلى نشوء تغيرات كبيرة في اللغة العربية، على المستويات اللغوية المختلفة، الصوتية والصرفية والدلالية والتعبيرية. فأدى إلى إشكالات تمسّ خصوصية اللغة، فقد وجدت العربية نفسها أمام مواجهات بين ضرورة مواكبة عناصر التغيرات الطارئة والوافدة، ما قد يؤثر على خصوصية اللغة العربية في خضم هذا التسارع الكبير الذي يشهده العالم، وبين أن تبقى عناصر العربية ثابتة ومحافظة على أنساقها الثقافية والقومية، فيجعلها تتأخر عن مواكبة التطورات، أو أن تجمع بين طرفي هذا الصراع، بإثبات قدراتها على مواكبة التقانات والتطور، من خلال النهوض بالأنساق الثقافية والقومية، وإثراء مستوياتها اللغوية والاصطلاحية والاتصالية، مع المحافظة على خصوصيتها. وأصبحت قضية المصطلح العلمي من أهم قضايا تنمية اللغة العربية للوفاء بمتطلبات الحياة المعاصرة، وذلك في ضوء التطورات الكبيرة التي تشهدها المجالات العلمية والمعرفية والتقنية المختلفة. فظهر في العصر الحديث عدد من الدراسات حول قضايا المصطلح، تركز معظمها على دراسة جوانب من هذه القضايا، كالاكتفاء بدراسة نظرية، من خلال عرض جهود العلماء العرب القدماء في هذا المجال، أو بالتطرق إلى إسهامات بعض الأفراد والمؤسسات المختصة في مجال تطوير عملية وضع المصطلحات ونقلها، أو بعرض جوانب من بعض القضايا اللغوية التطبيقية، كعرض بعض الإشكالات التقابلية ما بين العربية واللغات الأخرى.

غير أن هذا البحث يتفرد عن الدراسات السابقة بأنه سيحاول عرض المناهج العامة التي تحكم عملية وضع المصطلحات، وأثر هذه المناهج في تطور طرائق توليد المصطلحات في المستويات اللغوية المختلفة، (من صرفية في الاشتقاق والنحت والتركيب، وصوتية من خلال الاقتراض اللغوي، ودلالية في الترادف والمشترك اللفظي والمجاز)، وبدراسة المشكلات التطبيقية والعملية التي تواجه هذه المناهج، واقتراح الحلول الممكنة لها.

وقد آثر البحث عرض فكرة ( المناهج المصطلحية)، وهذه الفكرة لم تأتِ جزافاً، بل أتت بعد استقراء عدد من المصادر والمراجع المتخصصة بالقضايا اللغوية والمصطلحية والمناهج الفكرية، وبعد الإطلاع على معجمات المصطلحات التخصصية، فقد تبين أن ثمة مناهج عامة تحكم عملية وضع المصطلحات بمختلف مجالاتها وتخصصاتها، وأن معظم هذه المناهج كانت متأثرة بالمناهج اللغوية المختلفة (المعيارية والتاريخية والمقارنة والوصفية والبنيوية والتحليلية والسياقية والتوليدية). فيحاول البحث استقراء هذه المناهج وتحليلها لاستنباط طرائق ترفد المصطلحية بمصادر جديدة لإغناء اللغة وتوسيعها، مع ما يرافق كل منهج من مشكلات تطبيقية من النواحي الصوتية والتركيبية والدلالية والمعجمية، واقتراح الحلول المناسبة لها.