شَجَرةُ التُّفَّاح

مالت نحوَ الأرض. انحنَت تحتَ ثقلِ الثِّمار الّتي توزَّعت بأعدادٍ كثيرة على الأغصان. قالت لها الشَّمس:

هنيئاً لكِ أيَّتُها الشَّجرةُ هذا الخير الوافر.

ردَّتِ الشَّجرةُ بأسىً بالغ:

آه.. أنا لا أريدُ هذا. لا أريدُه. لقد تعبتُ. أرجوكِ يا شمسي الغالية أن تزيدي من حرارتكِ قليلاً لعلّ ثمراتي تنضجُ بسرعة، وتصبحُ جاهزةً للقطاف.

استنكرَتِ الشَّمسُ الكلامَ الّذي سمعتْهُ، وابتعدَت إلى ما وراء الجبلِ، وهي تقول:

كلُّ شيءٍ في أوانِه جميل.

حينَ هبَّ النَّسيمُ العليلُ، كانَ مُرورُه مُنعِشاً، لطيفاً، يُلامِسُ الأوراقَ، فتصدرُ موسيقا حفيفها الجميل. صاحَت به الشَّجرة:

إنَّكَ لا تستهويني أيُّها النَّسيم! حبَّذا لو كنتَ ريحاً قويَّةً، أو إعصاراً يُسقِطُ بعضَ ثمراتي، فأرتاح.

دهشَ النَّسيمُ مِن قولِ الشَّجرة، فهي تطلبُ أمراً مُستحيلاً، لا يقدرُ على تحقيقِه. غابَ رُويداً رُويداً حاملاً حُزنَه معَه دونَ نيَّةِ الرُّجوع.

حـطَّ بلبلٌ بديعُ الصَّوت على أحد الغُصون، وراحَ يُغنِّي. حينَ سمعت الشَّجرةُ صوتَه عبَّرَتْ عن سخطِها بخطابٍ شديدِ اللَّهجة:

غناؤكَ يُزعجُني أيُّها البلبل! اذهب وأخبِر أصدقاءَكَ الطُّيورَ بمطلبي. أريدُهم أن يأتوا مِن فورهم، ليغرزوا مناقيرَهم في تُفَّاحاتي، ويأكلوا منها حتَّى الشّبع.

لم تكُن الغايةُ من دعوةِ الطُّيور سوى إنقاصِ الثَّمر. صفَّقَ البلبلُ بجناحيه مُردِّداً:

كلامٌ غريبٌ! كلامٌ عجيب!

ذاتَ صباحٍ صيفيٍّ جميل، وبينما النَّاسُ من سُباتهم يَهبُّون، أقبلَ عددٌ من الرِّجالِ والنِّساءِ والأطفال إلى البُستان. أسندُوا سِلالَهم إلى جذع شجرةِ التُّفَّاح. صعدُوا نحوَ الأغصان، وراحوا يقطفون التُّفَّاحاتِ النَّاضجةَ، ويضعونَها في سِلالٍ من القشِّ، وشيئاً فشيئاً أخذتِ الأغصانُ تتخلَّصُ من أحمالِها، وتغدو بعدَ وقتٍ قصير خاليةً من الثَّمر. تَنفَّستِ الشَّجرةُ بارتياح. فرحَتْ بحمْلها الخفيف، ونادَتِ الأصدقاء:

أيَّتُها الشَّمسُ الغالية! أيُّها النَّسيمُ الرَّقيق! أيُّها البلبلُ ذو الغِناءِ الجميل! أين أنتم يا أحبَّائي؟ اشتقتُ إليكم.

وتَردَّدَ صوتُ الشَّجرةِ في الأنحاء، لكنَّ أحداً لم يُجِبْ نداءَها، فرفعت صوتَها مُجدَّداً قائلةً:

أين أنتم يا أحبَّائي؟ إنَّني أُحبُّكم، ولا أستطيعُ فراقكم.

كان النَّسيمُ الّذي حملَ صوتَها أوَّل مَن أجابَ، فقالَ لها: لستُ ريحاً قويَّةً لأُجيبَك. ثمَّ أطلَّتِ الشَّمسُ بتَثاقُلٍ مِن خلف غيمةٍ صيفيَّة، وقالت: أمَّا أنا، فرغمَ أنَّني أُحبُّكِ لكنَّني أخافُ أن أُزعِجَك. وحطَّ البلبلُ على غُصنٍ مِن أغصانِها، وقال: أنا لا أستطيعُ العيشَ دُونَ غِناء، وغِنائي يُزعِجُك.

قالت الشَّجرةُ: لا تغضبُوا منِّي يا أحبَّائي! ابقوا معي، فلا تحلُو أيَّامي إلَّا بكم.

وفجأةً، تعالى صوتُ البُلبل مُغرِّداً، فانضمَّ إليه النَّسيمُ والشَّمسُ، ليُغنُّوا معاً:

نحنُ نحبُّكِ أيضاً أيَّتُها الطّيِّبةُ، ولكنْ، لا تكوني عديمةَ الصَّبر.