الطب والصيدلة عند العرب

إن صناعة الطب فن قديم، فقد ارتبط هذا الفن ارتباطاً مباشراً بصحة الإنسان وقوة بنيته، ووصف ابن أبي اصيبعة ) 600 – 668 ه ( صناعة الطب بأنها أشرفالصنائع وأربح البضائع منذ قديم الزمان ولعل هذا العلم، الذي هو أشرف العلوم وأبعدها عن اليقين كما يقول وول ديورانت قد نشأ في بلاد مختلفة في وقت واحد تقريباً ثم تطور .

والطب كما عرفه ابن سينا ) 371 – 428هـ ( علم يعتني بحفظ الصحة على الأصحاء عن طريق الوقاية من المرض أو يرد الصحة إلى المرضى عن طريق العلاج بالأدوية والأغذية

المناسبة .

وتعود بدايات الطب وصناعة الدواء إلى عصور موغلة في القدم لا تعرف لها بداية، وإن كان على الأرجح قد بدأ مع الإنسان على الأرض، وذلك حينما حاول الإنسان معالجة الأبدان المريضة لترتد سليمة ثم تطور مع الزمن خلال محاولة الإنسان كشف أسرار الكون والبحث عن سبب لكل ظاهرة يراها أو يتعرض لها، هذا بالإضافة إلى حب الاستطلاع وقيام الرواد الأوائل من أسلافنا في عصور الحجر القديمة بتجربة استخدام مواد من البيئة لغرض تخفيف المرض والألم عن المرضى ومعرفة أسبابه . كيف تعلم الإنسان الطب والدواء وعن بداية الطب والدواء يقول ابن أبي اصيبعة « اختلف الناس في هذا الأمر وكانوا فرقاً كثيري الاختلاف، فمنهم من يرده إلى الهام إلهي خص به بعض الناس ومنهم من يعزو ذلك إلى المصادفة ، أو ربما شاهده الناس من الحيوانات واقتدى بأفعالها . »

فالخطاف وهو طائر طويل الجناحين، قصير الرجلين، إذا وقع بفراخة اليرقان مضى

فجاء بحجر اليرقان، وهو حجر ابيض صغير يعرفه، فجعله في عشه فتبرأ فراخة .

وإن الإنسان إذا أراد ذلك الحجر طلى فراخ الخطاف بالزعفران، فيظن هذا الطائر أنه قد

أصابهم اليرقان فيمضي فيجيء به . وذكر جالنيوس أن طائر الايبس هو الذي دل على علم الحقن، لأنه إذا أحس بوجع في بطنه، توجه إلى الماء فيملأ منقاره بالماء ثم يدخله في دبره، فينظف هذا الماء جوفه من الأوساخ )أي يحقن نفسه بحقن شرجية ( . وقد لاحظ الإنسان منذ زمن بعيد أن الحيوانات قد تدربت بغريزتها على التمييز بين الحشائش المتشابهة في صورها، وتعرف ما هو يوافقها فتأكله، وما لا يوافقها فتتجنبه، فإذا أكلت منها و أصابها الضرر عمدت إلى نباتات معينة لتأكلها ويكون بها شفاؤها .

وذكر ابن أبي اصيبعة أن الدواب إذا أكلت نبات الدفلى ) وهو نبات مر زهوره بيضاء ويحتوي على أيون السيانيد السام ( أضرها فتسارع إلى حشيشة معينة تعرفها فتأكلها ويكون بها شفائها فإذا لم تجد هذه الحشيشة أو منعت عنها ماتت هذه الدواب وقد ورد في مذكرات الرحالة الإيطالي ماركو بولو أثناء رحلته من فينيسيا إلى الصين في عام 1295 م فقد دون أن الحيوانات التي جلبها معه وقد ماتت على الفور بعد رعيها حشائش معينة في هضاب التبت، أما الحيوانات المحلية فكانت تتجنب هذه الحشائش، وقد بين العلماء فيما بعد أن الحشائش التي أشار إليها الرحالة الإيطالي هي نباتات جامعة لعنصر السلينيوم الشديد السمية، وأن الحيوانات المحلية قد تدربت بغريزتها ربما تجارب قاسية أن تتجنب أكل مثل هذه الحشائش .

وروى ابن أبي اصيبعة أن الحباى )دجاج البر( يقاتل الأفعى فإذا عضته الأفعى أسرع هذا الدجاج إلى نبات معين فيأكل منه لأن فيه علاجاً من سم الأفاعي فإذا لم يجد هذا النبات أو امتنع عنها مات، وهناك العديد من الأمثلة المتشابهة التي تبين أن الله سبحانه وتعالى قد وهب الحيوانات القدرة على معرفة ما يصيبها من أمراض والوقاية منها وعلاجها بنباتات معينة تعرفها، وتتجنب ما يضرها من أعشاب هذا عن الحيوان، أما الإنسان فقد وهبه الله سبحانه وتعالى عقلاً مفكراً، ومن ثم فقد أدرك الإنسان بعقله وتجاربه منذ أن أوجده الله سبحانه وتعالى على الأرض كيف يداوي نفسه إذا أصابه المرض ومن ثم نشأ علم الطب وصناعة الدواء .

الصيدلة

الصيدلة هي فن تحضير الدواء واللفظة «صيدلة » معربة من أصل هندي هو جندل أو جندن بعد أن قبلت الجيم صاداً . ويقول البيروني: الصيدلة هي معرفة العقاقير المفردة وخلط المركبات من الأدوية، والصيدلاني أو الصيدناني كلمتان معربتان من جندلاني وجندناني وشملت الصيدلة في العصور الوسطى، بالإضافة إلى تحضير الأدوية، صناعة العطور والشراب واسم الصيدلية أو الأجزخانة )كلمة تركية مكونة من قطعتين هما أجزا بمعنى دواء ثم خانة معناها دار ومكان (. في اللغة اليونانية هو فارماكون PHARMA KON )والذي تفرع إلى فارماسي PHARMACY في الانكليزية، وفارماكي PHARMACIE في الفرنسية،

وفارمازي PHARMAZIR في الألمانية، وفارماسيا FARMACIA في الإيطالية(

مشتق من كلمة فا - أر - ماكي - PH - AR MAKI الفرعونية و معناها صناعة تحضير

الدواء، وتعرف الصيدلة أيضاً باسم أبوتيكا في بعض البلاد وكان الفراعنة ومن بعدهم الرومان يخزنون فيها الأعشاب الطبية ، مما يشير إلى تاريخ الصيدلة هو تاريخ الطب ، فلم تكن هناك حدود بين الصناعتين ، وارتفعت الصيدلة مع رقي الطب ، وكان الطبيب هو الصيدلي الذي يشخص الداء ويحضره للمريض ويشرح له طريقة استعماله، ولم يتم الفصل بين مهنتي الطب والصيدلة إلا في عصر الدولة العباسية ، حيث أنشأت المدارس لتعليم فن صناعة الدواء) الصيدلة ( ، ويقول ابن القفطي أنه كان في النصف الأول من القرن التاسع الميلادي أشخاص موثوق في كفاءتهم لقبوا بالصيادلة وحصلوا على تراخيص لمزاولة المهنة. فقد سنت الدولة العباسية القوانين التي تنظم مزاولة المهن، ومنها الصيدلة وكان في كل مدينة كبيرة موظف )مفتش( يعتبر كبيراً للصيادلة )العشابين( أو عميداً لهم كانت مهمته الإشراف على تنفيذ هذه القوانين ومراقبة تحضير الأدوية ومنع الغش والتلاعب فيها وفي أوزانها وصفاتها ، وكان النجاح في الامتحانات الخاصة بمعرفة العقاقير وقواعدها وطرق تحضيرها شرطاً أساسياً مسبقاً لمن يزاول هذا الفن ، وأول امتحان أجري لهذا الغرض كان في بغداد في سنة 221 ه في عهد الخليفة المعتصم ، وبذلك يكون العرب هم أول من أنشأ فن الصيدلة ووضع لها القوانين المنظمة، وكان أول حانوت صيدلية قد افتتح في بغداد في سنة 149 ه ولم تفتح الصيدلية على هذا النحو في أوربا إلا بعد ذلك بنحو خمسة قرون، ويدين علم الصيدلة. بكل ما وصل إليه من تقدم وازدهار في العصر الحاضر – إلى إنجازات الحضارات القديمة والوسطى كلها . حيث تمثل الوصفات الطبية القديمة أساساً لكثير من الأدوية والمستحضرات الطبية الحديثة .

الثعبان رمزاً للطب والدواء إن من طرائف الأمور أن يتخذ الإنسان الحية شعاراً للطب والدواء. فنرى الحية في شعار الصيدلة، المعروف ملتفة حول ساق كاس أو زبدية هيجيا hygeia إله الصحة في الأساطير الإغريقية وتنظر في محتوياتها، ويعود ذلك إلى أصول أسطورية ضاربة في أعماق التاريخ وبالتحديد إلى فترة أو مرحلة العبادات الطبيعية وهي فترة ضلت فيها البشرية طريقها السوي وسيطر عليها الفكر الأسطوري النابع من المخيلة المريضة والنزوات

المضطربة .. وعبد الإنسان خلالها أرباباً و معبودات كثيرة منها الحيوانات ذات الطابع السري لصلتها بالجثث والقبور كالدود و الثعبابين وغيرها، وفي فترة الظلام هذه قدس البابليون الثعبان

واتخذوه عصا يلتف حولها ثعبانان، شعاراً للطب والشفاء ، ووجد تمثال لإله على صورة

ثعبان مصنوع من القيشاني الكثير الألوان في مخلفات حضارة كريت ) 1700 – 1200 ق. م( كذلك ورد ذكر الأفاعي التي كانت تحفظ في هياكل أسكليبيوس إله الطب اليوناني)امحتب اليونان( في الأساطير الإغريقية وأهم ما كان يقترب بالإله أسكليبيوس عصا وأفعى،تلتف الأفعى حول العصا، وقد صور الإغريق أسكليبيوس على هيئة رجل عجوز وقور يلتحي

لحية كاملة ويحمل عصا ثقيلة تنساب حولها أفعى ، ولا يعرف معنى هذا الرمز عند اليونان

كذلك خلق الساميون آثاراً للثعبان الذي يلتف حول عصا أسمون )أحد الآلهة عند الساميين(

في سوريا وفلسطين، كذلك أقيمت تماثيل للثعبان من الحجر والبرونز في فلسطين والأردن، وجاء ذكر الثعبان في التوراة في رواية الثعبان البرونزي ، إذا كانت بعض الأقوام قد عبدت

الثعبان وقدسته وأنزلته مقاماً رفيعاً ووضعت له التماثيل وجعلته شعاراً للطب والشفاء، فإن أقواماً آخرين أكلوا لحوم الثعبابين لغرض الشفاء من الأمراض الخطيرة، وقد شفيت مرض الجذام وعضة الثعبان والتسمم الناتج عن تناول أطعمة أو أشربة بها سموم قاتلة فتاكة .

من هنا يتوضح لنا أن العلم ومنجزاته عبارة عن سلسلة متصلة من الحلقات التي تمثل انجازات وإسهامات أبناء الحضارات على مرالزمان .

المراجع

1.     أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني - الصيدلة في الطب - همورد الوطنية - الهند 1973 .

2.     جمال الدين علي بن يوسف بن ابراهيم بن القفطي أخبار العلماء بأخبار الحكماء – الموسوم بتاريخ الحكماء - ليبزج 1902 م .

3.     ابن أبي اصيبعة - عيون الأنباء في طبقات الأطباء - مكتبة الحياة - بيروت 1965 .

4.     د . محمد كامل حسين - الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم .

5.     كتاب الرحمة في الطب والحكمة للأمام جلال الدين السيوطي مراجعة زهير علوان المكتبة الحديثة - بيروت .