مكتبة الهيئة »  فنون »

جـاك تاتـي

إن جاك تاتي، المحبَّ للعزلة، والذي ينتابُه شعورٌ مشوّشٌ في لحظاتِ المجد كما في لحظاتٍ خيبةِ الأمل، قد جلب على مدى ستة أفلام إسهاماً فريداً إلى تاريخ السّينما الفكاهية. فمن فيلم: يوم عيد إلى فيلم استعراض، مروراً بالأفلام الأربعة الطويلة التي تستحضرُ محِن السّيد هيلو، تشكّلُ أفلامُه كلاًّ متكاملاً، وعالماً مركبّاً على نحوٍ غير عاديّ. وبفضلِ تجديداته واستبصاراته، تُفلت أعمالُه الفنيّة الفريدة هذه والحقُّ يُقال، من حقل الفيلم الفكاهي وحده، لا بل من السّينما ذاتها. إنها تضعُ تأتي إلى جانب كبار مبدعي عصره، وعصرنا اليوم.

     إن تاتي سينمائيّ وهو مصوّرٌ، ومصمّمُ رقص، ومؤلّفٌ موسيقيّ، ومعمار. وإلى أنه مجدّدٌ لا يرتوي، وصانعٌ ماهرٌ يستحوذُ عليه التفصيلُ الصّوتيّ والبصريّ، فهو أيضاً رياضيّ ملهم، رياضيٌّ بارع وفنّان كامل للزمان والمكان، وللمادّة والحركة.

     لقد احُتفي بتاتي، في قمّة مجده، باعتباره التجسيد عينه للعبقرية الفرنسية - هو الذي كان بالقدْر نفسه روسيّاً، وإيطاليّاً وهولنديّاً، من خلال أسلافه. لقد حيّته أكبر شخصيات الفن السّابع: فرنسوا تروفّو، وفيديريكو فيللني، أو أندرية تاركوفسكي، والأقرب من هذه الشّخصيّات إلينا داڤيدلينش أو أكي كوريسماكي. ولم يخسرْ تأتي هذه الحالة قطّ في السّاحة الدّولية. ولسوف تكون فرنسا أكثر تقلبّاً أو أكثر إجحافاً في موقفها منه. وبعد انهيار فيلم play time(وقت للّعب أو فرصة بين الدّروس: م) تشيحُ برأسها عنه، والصّانعُ العبقريُّ المدقق في التفاصيل يُنسى، وتُنسى القامةُ العالية، قامة المخرج العاكف على آخر سيناريو له، والذي لن يصوّره قط. وفي الموضوع الهوائي الذي يخترق أعماله خفية، تبقى سينما تاتي محصورةً في مكانٍ بين السّماء والأرض، في المطهر.

     غير أن الأمر الأسوأ لا يكون مؤكداً قطّ. فبعد ثلاثين عاماً من اختفاء أعماله، تُباشرُ حياةً ثانية. إنها لم تفقد قطّ ألوان محبّة الجمهور، غير أن اللقاءات ببساطة كانت عرضية، ونسخ الأفلام قد أصابها بالتلف الاستهلاكُ ومرورُ الزمن عليها. وقد أتت الإشارةُ الأولى عام ١٩٩٥، حين نجحت صوفي تاتيشيف، ابنة السينمائي، ومع المخرج فرانسوا إيد ، في تحقيق مأثرةِ العثور على الألوان المفقودة لفيلم يوم عيد، بعد نصف قرن وبعد بضع سنوات يُحدث ثورةً ثانية: أفلام خالي: Les filmsde mon oncleتُنقذُ ميراث تاتي من التبعثر والنسيان ليس الحقوق فحسب، بل المتمّمات والملاحظات المدوّنة، وكلّ الذاكرة الوثائقية لأعماله. وأفضل من هذا، فإن ترميم فيلمplay timeقد نجح، ويقدّم مهرجان كل نسخةً جديدةً له بازدهاء في عام ٢٠٠٢. وتتبعه نسخة Mon oncleبعد ذلك بقليل، بانتظارLes vacances de Hulot  (عطلة السّيد هيلو.م) إن عدداً من المؤلّفات السّيرية، والدّراسات، والأطروحات تكرَّس لسينما تاتي، الذي تخصّص له المكتبة السينمائية الفرنسيّة في عام ٢٠٠٩ معرضاً كبيراً. باختصار، فبعد ثلاثين عاماً على تواري السّينمائي، ينقطعُ السّحرُ المؤذيّ، وتقتحمُ أعمالهُ الفنية القرن الواحد والعشرين بكل عنفوان شبابها المستعاد.

     إن الجميل في القصّة هو أن سينما تاتي لم تفقد شبابها قطّ. فمع تاتي، تكون المشاهدةُ دوماً للمرّة الأولى. وهذه المرّة الأولى تُحدث في العيون، وفي الصدر اندفاعاتِ ضحكٍ فجائية، ودموعاً مغتبطة، وفُواقاتِ دهشةٍ وسرور، ووخزات قلق، وثباتٍ للخيال محفوفة بالمخاطر ولا تتمّ السّيطرة عليها، ولا تُنسى.

     ولكن ماذا يصنع ليقاوم مرور الزّمن؟ إن اللغز يبقى كاملاً، ولا تفتأ نوعيّةُ النسخ الجديدة لأفلامه تضخّم هذا اللّغز.

منشورات وزارة الثقافة - المؤسسة العامة للسينما

في الجمهورية العربية السورية – دمشق ٢٠١١م

سعر النسخة ٢٠٠ ل.س أومايعادلها

بقلم: تأليف : مارك دونديه بالاشتراك مع صوفيا تاتيشيف

ترجمة: زياد العودة

تصنيف 2.84/5 (56.83%) (454 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟