مكتبة الهيئة »  فنون »

البطل التراجيدي في المسرح العالمي

البطل التراجيدي.. لماذا؟

 

لعل رسم الشخصية هو أحد أهم عناصر الدراما، فهو ضمانة لنجاح المؤلف، ولتمكنه الفني والإنساني، وهو المعوض عن باقي العثرات والهنات التي قد توجد في المسرحية. إننا نذكر «أوديب» ليس لقوة بنائها الدرامي فحسب، بل لأن شخصية أوديب عميقة ومعقدة بشكل لا تنسى معه أبداً.

إن القدرة الفذة على تصوير الشخصيات هي ما جعل شكسبير يتفوق على مارلو، رغم أن الأخير أكثر اعتناءً بالبناء الدرامي، وهي السر الذي دفع الكلاسيكيين الجدد في فرنسا (راسين وكورني) إلى استلهام المسرح الإغريقي والروماني، وبث روح العصر في «فيدر» أو «أندروماك» أو «برينيس». وقد كانت هذه القدرة على خلق شخصيات عظيمة، قابلة للتصديق والإقناع، ميزة كتّاب المسرح الحديث أيضاً، من إبسن إلى لوركا إلى تشيخوف، إلى أونيل ووليامز وميلر. حتى في الاتجاهات الأكثر حداثة وتجريباً، يحتفظ هذا العنصر بأهميته، فأهم مسرحياتِ برشت وأبقاها هي: «حياة غاليليو»، «الإنسان الطيب من ستشوان»، «الأم كوراج»، «شفايك» و«دائرة الطباشير القوقازية»، وجميعها تتميز خاصة برسم شخصية رئيسية رسماً دقيقاً بارعاً. إن مسرحية «الإنسان الطيب» هي مسرحية (شن تي)، في الواقع، ومسرحية «دائرة الطباشير» هي مسرحية (غروشا) و (أزدك). كذلك نجد الأمر لدى جان آنوي، وألبير كامو، وباقي مشاهير كتّاب المسرح الحديث.

أما كتاب مسرح الطليعة (Avant - garde)،فإن أبقاهم ذكراً هم الذين اهتموا بهذا الجانب، مثل بيكيت وجينيه ويونيسكو وبنتر وآلبي. إذا كان هناك نقص في المسرحيات العظيمة اليوم، فلأن المدرسة الواقعية في الأدب المسرحي الأنغلوساكسوني، و«ضد – الواقعية» في الأدب المسرحي الفرنسي، و«التعليمية الموجهة» في الأدب المسرحي الإشتراكي، لم تستطع إلا نادراً أن تخلق شخصيات عظيمة توازي ما فعله رواد الحداثة. ولكننا، اليوم، نجد التركيز على رسم الشخصية بشكل أكبر في المسرح البريطاني والأمريكي، عند كتّاب مثل هارولد بنتر، روبرت بولت، بيتر شيفر، وتوم ستوبارد (من الإنكليز)، وعند إدوارد آلبي، وليام انج، سام شيبرد، لانفورد ويلسون، وغيرهم (من الأمريكيين).

لهذا، اخترت أن أدرس عدداً من الشوامخ في تاريخ المسرح العالمي، قديمه وحديثه، انطلاقاً من مفهوم البطل التراجيدي. إذا كانت طبقة البطل التراجيدي هي الشرط الأساسي، الذي أخل به كتاب المسرح الحديث محقين، فإن الأهمية الثابتة بين صفات البطل التراجيدي تظل في تصديه للدفاع عن قيمه المفتقدة في عالم يفتقر إلى المنطق والعدل، وفي تأكيده على شرف الإنسان في مواجهة ظروف صعبة يكللها الشعور بالفناء المقبل. ولعل الموت هو الدافع الأكبر أمام البطل التراجيدي لتحقيق ذاته، ولتبرير وجوده بنفسه. لهذا، فإن البطل التراجيدي هو بطل وجودي، وهو أيضاً بطل ثوري تقدمي، يكافح ليس من أجل ذاته الخاصة فحسب، وإنما من أجل تغيير شروط حياة اجتماعية جائرة. إن البطل التراجيدي يتميز بحس مرهف نبيل أكثر من إدراك فكري صحيح. إن وعيه يتجه إلى الداخل أكثر مما يتجه إلى الخارج. في المسرح الحديث خاصة، نجده يشكو غالباً من سوء تكيف مع البيئة، أو يصل إلى شعور المجابهة هذا في أواخر المسرحية. يرفض البطل التراجيدي المساومات والحلول الوسطى، ساعياً إلى المطلق، ولو على حساب حياته. لكن المسرح المعاصر لم يعد يؤمن بالتراجيديا النقية، بل استعاد وطوّر مفهوم شكسبير العظيم عنها، وهو اختلاط المضحك والعبثي، كما في «الملك لير» على سبيل المثال. من هنا، ولدت تسمية (الكوميديا السوداء) أو (الملهاة – الدامعة)، وهو النمط الذي ميز معظم أعمال مسرح العبث، بحيث أصبح المهرج المسحوق تحت وطأة وجوده بفعل قوى ميتافيزيقية أو اجتماعية هو البطل، الذي يبث فينا الإحساس بالمأساة. ولم نعد نشعر، كما في الماضي، أن أبطال التراجيديا هم أشباه آلهة، ولا أنهم أعلى منا مستوى، بل أصبحنا نشعر بهم مثلنا أو دوننا، فنزداد توحداً معهم.

أنا أميل إلى الإعتقاد أن الاهتمام بالبطل التراجيدي هو ما طور بعضاً من أهم اتجاهات المسرح الحديث في الإخراج والتمثيل أيضاً. إن أبرز المخرجين اللامعين اليوم يلجأ لدى تقديم أعمال كلاسيكية إلى أية «مساحة فارغة» - على حد تعبير بيتر بروك في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه – ويجعلون منها مسرحاً. ما الذي يجعل أي فراغ مسرحاً؟ إنه الإنسان، الممثل والشخصية، فهو الذي يحطم النظريات البائدة التقليدية في المسرح، التي يصفها بروك قائلاً إنها «مسرح ميت»، ففيها كل عوامل الزينة والبهرجة، ولكنها تعوز الصدق والمعاصرة. كذلك، فإن حركات المسرح الحي، المسرح المفتوح، مسرح الخبز والدمى، ومسرح القسوة، تنطلق بدرجات متفاوتة من العناية بقدرة الممثل على تجسيد الشخصية بقوة وصدق وإقناع.

أخيراً، لاشك أنني اخترت في هذا الكتاب نماذج معينة فقط من المؤلفين المسرحيين العالميين الذين أكن لهم إعجاباً، فقد أغفلت مضطراً – لأسباب تتعلق بحجم الكتاب وبالزمن – بعضاً ممن برعوا في رسم صورة البطل التراجيدي في المسرح الحديث خاصة، مثل يوجين اونيل، أنطون تشيخوف، تينسي وليامز، شون أوكيسي.. وغيرهم. لكن أملي أن أستدرك ذلك يوماً ما في بحوث أخرى.

منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب

وزارة الثقافة - دمشق ٢٠١١م

سعر النسخة ١٤٠ ل.س أو مايعادلها

بقلم: ريـاض عصمت

تصنيف 2.72/5 (54.48%) (453 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟