المقالات

الصفحة السابقة »

نظرة إلى الفنِّ المفاهيمي

بقلم: ناصر زين الدين

المفاهيميةُ نهجٌ فنيٌّ شُموليٌ، يتضمنُ اتجاهاتٍ فنيِّةٍ حديثة عدةَ، وهو إطارٌ فكريٌّ للعديدِ من الفنون البصريِّةِ والتشكيليِّةِ المعاصرة، كان وجوده على السَّاحةِ الفنيّةِ كمصطلحٍ متداولٍ، منذ بدايةِ الستينيات،  لكن النّتاج الذي يمكن أن ينضوي تحت هذا المسمى النقديّ، على كثرته في أوربا وأمريكا، فقد ظهر بعد الحرب العالميِّةِ الأولى والثانيِّةِ كمبولة دوشانب و"العجلة " فيباريس   ١٩١٧"، و "دوامةِ جيتي" للفنان روبرت سيمثسون" في بحيرة سولت ليك الكبرى في ولاية "يوتا "، و"إبهام سيزار"،  و"المعول"،   والأعمال المتعددة التي ظهرت، وكانت تطرح هموماً وجوديِّة وأفكاراً فلسفيّة، أو تثير الدَّهشة في قلوب المتفرجين، وتبعث على التَّهكمِ والسخريةِ، من القيم الفنيِّة والإنسانيِّة، وقد انضوت هذه الأعمال، تحت مسمَّيات فنيِّة  متعدَّدة منها الدادائية، والسريالية، والتجريد وغيرها، وقد عزا الكثيرُ من النقاد ، أن المفاهيميَّة نشأت في رحم هذه المدارس  الفنيِّةِ .

وكان هناك عدة عوامل، أدّتْ إلى ظهورِ هذهِ الاتجاهات على تنوعها، منها:"

إحساس الإنسان بانهيار القيم الفكريِّة، وطغيان العالم التكنولوجي الصناعي عليه، وجعله كائن استهلاكيٍّ، يسعى لاهثاً لتأمينِ حاجتهِ، وإحساس الإنسان بأنه كائن محدود وصغير أمام تحولات عظيمة تمر بها البشرية، وأزماتٍ مخيفة تفوق احتماله، ومن الأسباب تطوُّر علم النفس والاتجاهات الفلسفية الحديثة، وأهمها الوجودية ومذهب العبثية، وانتشار وسائل الاتّصالاتِ، وفن التصوير الرقميّ، وتمازج أصناف الفنون المتنوعة.

كل هذا جعل أشكال الإبداع تتحول، وتأخذ مسارات جديدة لتواكب هذه المتغيرات، وتكون انعكاساً لها.

منذ الخمسينات إلى الآن، شهدنا عدَّة أنماط للفنون التشكيلية الحديثة، خرجت من ثوب اللَّوحة، و المنحوتة ومن فن العمارة، وكان لها حضورها في عدة دولٍ وميادين فنيّة  فقد تكرس  "فن الجسد" على قدمه وبدائيته، و"فن الأرض " و"فن الفقر" و"الكولاج "و"فن البوب أرت " وتدوير المواد التَّالفة لصنعِ شيءٍ فنيٍّ، والمكس ميديا  "التَّشكيل والتَّركيب ومزج الخامات "، وإذا حاولنا تلمَّس مضامين كل هذه الفنون، فسوف نجدها مفاهيميَّةً بصورةٍ ما، ضمن المصطلح النقديِّ الحديث، بمعنى أنها تريد أن تطرح فكرة معيَّنةً، أو تثيرَ انطباعَ مشاهدٍ، وتؤكد على الفكرة، أوتكرِّس مفهوماً جديداً.

غير أننا إذا أردنا أن نكون موضوعييّن، وننظر بشموليَّةٍ فكل أشكال الفنون، ومن ضمنها الفنون الكلاسيكية، كانت مفاهيميِّة، بحكم كينونتها وخطابها المعرفي، أي على مدار تاريخها، طرحت مفاهيماً متعددة جداً، ومضامين عميقة، وموضوعات إنسانيّة، وأرَّخَتْ لحوادثَ كثيرة، وأشخاصٍ مهمين ولمراحل فكريِّة عديدةٍ، وهذا ما أكسبها قيمتها، وأهميَّتها وجعلها خالدةً في الذاكرة، تزداد حضوراً كلما مرَّ عليها الزمن، وكانت تحمل خصوصيَّة وأسلوباً متفرداً.

أما المفاهيميِّة كمصطلحٍ نقديِّ، تَكرَّسَ معناه وأصبح متداولاً في المحافل الفنية كما نسمعُهُ الآن فقد عُرِفَ في أوربا، والولايات المتحدة، وأمريكا اللاتينيِّة، في الستينيات   إذ بدأ في كتابات " إدوارد كينهواز " ١٩٦١ في وضع أسسٍ مفاهيميّة للفن وصياغتهِ والتفكير في معنى الفن وآليات بنائه، وظهرت المفاهيميِّة أو "التصوُّريِّة" في مقال نشره "سول ليوليت "  "١٩٦٣" ولم يكن يمكنُ تعريفها، على أنها حركة فنية، أو مدرسة، وتَمثَّل المصطلحُ للمرة الأولى في معرضٍ أطلِقَ عليه اسم "مفهوم" "conceptual"عام "١٩٦٩" في متحف "ليفركسن" في ألمانية، ثم معرض "كولونيا" عام "١٩٧٤"،  و في بلجيكا عام "١٩٨٠ "،  وقد أطلق عليه صفة " مفهوم المفاهيم"  ثم انتشر في عواصم كثيرة .

ومن خلال تقصي أعمال المفاهيميِّة وفنانيها، وتنوع أشكال إبداعاتهم، في العمارة والنحت والفن التشكيليِّ، والتصوير الضوئيِّ، وما انبثق عنهم من مزج لكل هذه الفنون، نرى الأعمال تتّسم بما يأتي:

*محاولة الفن المفاهيميِّ أن يجعل كل الأفكار قابلة لأن تُصاغ في عمل فنيٍّ، بأي شكلٍ متاحٍ وبأي طريقةٍ، وجعلها تأخذ منحاً فلسفياً.

* الفن المفاهيميُّ حدسيٌّ بتقصيهِ لموضوعه، هاجسهُ الانعتاقُ من مقوماتِ العملِ الفنيِّ الكلاسيكيِّ، ومن الفنون التشكيليِّة التي سبقتْهُ، يسعى بكل طاقتهِ إلى الحريِّة والتخلصِ من إرْثِ الماضي، حتى أنه يتحررُ من مهارات الفنانِ الحِرفيِّةِ والتشكيليِّة، ليُخرِجَ إبداعَه ُمُنعتقاً عن كل ما سبقهُ وعبثيِّاً في بعض الأعمال.

*الفكرةُ هي الهدفُ الأساسيُّ لهذا الفن، ومدى تجسيدها وتعبيريَّتها هي الهاجسُ المهم على حساب تجليِّها جماليَّا.

*التخطيط للعمل وكيفيِّة الإنجاز، تُتخذُ قبلَ البدء في إخراجِ العمل، أمَّا التنفيذُ فقضيَّةُ روتينيَّةٌ، مدروسةٌ ومحسوبةُ النتائج مسبقاً.

* يترجم الفنانُ فكرتَه، باستخدام أيِ مادةٍ، أو تقنيةٍ وبأي أداةٍ أو مهارةٍ، حيثُ تتضاءلُ عناصرُ العملِ التي اعتدناها - الشكل والتكوين وترابط العناصر، وأهمية المادة المنفذ بها الموضوع وجودتها – لتكونَ الأهميةُ الأولى، هي للمضمون، أي طرح الفكرة، على حساب قيمة المنتَج، وخصوصيِّة انجازه، وبهاء حضوره.

*اختفاءُ المهارات، والخبراتِ أحياناً في إنتاج العمل وغياب فنيِّات الطرح الإبداعي.

*ضياعُ الأسلوبِ الفنيّ، الذي كان يتميز به كل فنان مبدعٍ للَّوحة الفنيِّة، فكنّا نستطيع أن نعرفَ صاحبَ هذه اللُّوحة من خلال أسلوبه، ومهارات أدائه، وإيقاع فرشاته وكيفيِّة ضرباتها، أما الآن فقد تنوَّعت الأعمالُ   المفاهيميِّةُ، بآليِّة طرحها للموضوع، وبالخامات المنفذَّةِ له فلم يعد نتاجُ فنانِ معينِ، يعمل ضمن هذا الاتجاه الفنيّ، يتميَّزُ بأسلوبه وبصْمتِهِ، إلا القلائل منهم.

*الاستسهال في الطرح والإنتاج، ومحاولة إقناع الجماهير بأن كل هذا النتاج يحتوي على قيم فنيِّة، ومفاهيم فلسفية، وهي في الواقع ليست متوفرة فيه أحياناً.

*اعتقاد بعض الفنانين أن هذا النتاج، سوف يوصِلُهم إلى العالميِّةِ بسبب شيوعهِ في العالم الأوربي، من غير التفكير مليَّاً بخصوصيَّته الجماليِّةِ، وبالقيِّم العظيمةِ التي تحققُ له الخلود.

*القفز فوق المورث الثقافي والفني، إلى عمل فاقد للانتماء، ومازالت سويّتهُ إلى الآن رهن الاختبار.

*احتواء بعض هذه الأعمال أفكاراً تخدش الحياء العام، ومنافية للأخلاق.

غير أننا لا يمكن أن نُنْكِرَ لهذا النهجِ، العديدَ من السماتِ الإيجابيِّةِ، على صعيد بعض المجتمعات التي تطوّرت وعاصرت تحوّلات فنيِّة مهمةٍ، لعدّةِ مدارس إبداعيِّة كانت المفاهيميةُ جزءاً منها، فمن هذه السمات نذكر ما يأتي:

*أصبح الفن  المفاهيمي منتشراً في كل أطراف المدن على أرصفتها وعلى جدران بيوتها ، في الحدائق والمراكز التجاريًّة، منفذٌةٌ أعمالهُ بخاماتٍ متنوِّعةٍّ،  موجودة بمتناول أيدي الجميع، ويمكنُ إنجازهُ بأدوات بسيطةٍ،  ولجأ الفنان في بعض مشاريعه المنفذة، إلى استخدام الحجارة والأخشاب ومعالجتها لونيّاً، أو إلى تدوير المواد، أي أخذ النّفايات الصناعيِّة والمواد التالفة، وإعادةَ توظيفها في أعمال فنيّة، كالقوارير البلاستيكيِّة والمعدنية الفارغة، والأقمشة الملوَّنة والكرتون والمواد الصناعيِّة- قطع من الماكيناتِ القديمة والأجزاء المعدنيِّة اختار لها المكانَ المناسبَ في المدن وعالجها بتقنياتٍ بسيطةٍ- هذا ما أدى إلى تزيين  الطرقات ، وتنظيف الأحياء من تراكم نفاياتها.

*ومن سماته الإيجابيّة، رفع المستوى الثقافيّ، عند أفراد المجتمع، وتكريس التفاعل الاجتماعيِّ، والإحساس بالتعاطف مع الأمكنة، وإثراء الحدائق بأعمال من التشكيل النباتيِّ والصخور الملوّنة.

*اتساعُ شريحةِ الأفراد الذين يزاولون إنتاج العمل الفني المفاهيميّ، والذين استطاعوا في بعض المدن، أن يكرِّسوا هويَّةً للأمكنةِ والأحياءِ التي يعيشون فيها.

*أمرٌ آخر فإن العديد من هذه الأعمالِ هي بمثابة خطابٍ إعلانيٍّ سياسيٍّ، أو اقتصاديٍّ، أو ديني، هذه الأعمال هي صورةٌ عفويِّةٌ عن همومٍ وجوديِّةٍ ونفسيّةٍ، عبَّر عنها الفنان، بعفويِّةٍ وبشموليِّةّ. فأسهم   بمجملِ نتاجه في تكريسِ الحريِّات، وإيصال أصواتِ كل أفرادِ مجتمعهِ، على اختلاف مستوياتهم، ومشاربهم الفكريِّة.

*وساهم هذا الفنُّ، بتشجيع السِّياحةِ وإشاعة الفرح بين عموم الناس.

*ولقد ارتبطت المفاهيميّةُ بشكل أساسيٍّ، بالتصوير الفوتوغرافيِّ وبتقنيات السينما والإخراج، واقترنت بالفن الحركي، وفنون البيئة، وبالفن الرقمي، الذي يتكئ على برامج الكمبيوتر في بناء الصور، والماكيتات، كما أن الفن المفاهيمي "التصوُّري" طوَّعَ العمارة لتكون في خدمةِ أفكارهِ ومضامينه، فأصبحنا نرى كتلاً معماريَّةً وأبنيةً بمنتهى الغرابة.

ومن الفنانين البارزين الذين عملوا في هذا النهج الفنيِّ، أذكر على سبيل المثال لا الحصر:

·       "جوزيف كوزوث"Juseph Kosuth من مواليد "١٩٤٥" ولد في "توليدو أوهايو"، ودرس في معهد "كليفلاند" للفنون وفي عام  ١٩٦٥ انتقل الى نيورك ليَنضمَّ إلى مدرسة الفنون البصريَّة، وسرعان ما تخلى عن اللّوحة وبدأ ينفِّذ أعمالاً مفاهيميّة، عُرضت أوّلَ مرةٍ في عام  ١٩٦٧ في متحف "الفن العادي"، الذي شارك في تأسيسه وأطلق عليه هذا الاسم .درس الأنثروبولوجيا والفلسفة وخاصة فلسفة "لدفيغ فينتجستاين "، وهذا ما أثَّر في نتاجه حول دور اللّغةِ والمعنى وعلاقتهما بالفنِّ ومضامينه .

حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة "بولونيا"، وفي أكتوبر ٢٠٠٣ حاز على وسام الشرف، في الجمهوريّة النمساويّة على الإنجازات في العلوم والثقافة التي قام بها.

تَنقّل بين العديد من المدن الأوربية، ومن أعماله "غرفة المعلومات" وهي عبارة عن غرفةِ مكتبةٍ تحتوي على صفَّين من الطاولات، وعليها عدد كبير من الكتب التي أنجزَ هو معظمها، وحَولها المقاعد، ويتوسَّط الجدار الأماميُّ شاشةَ عرضٍ. وترَكَ للعَينِ آليّةَ استخلاصِ المعنى والبحث عن الهدف من وراءِ هذا الطرح.

ولوحة "one and three chairs  " واحد وثلاث مقاعد " وهي عبارة عن مقعدين قديمين ووثيقة مكتوبة، أما الشخص  أو الكرسيّ الثالث   فيُتْرَكُ للمتلقي تخيُّلهُ الفلسفيّ.

ومن أعماله " four colors four words  "

" clock on and  five  "

·       "جوزيف بويز" ١٩٢١-١٩٨٦" وهو فنان ألماني الجنسية ولد في مدينة "كريفلد" وتوفي في "دوسلدروف"، وقد كان نحاتاً ورساماً واغرافيكياً ومُنظّراً فنيّاً، من أقواله: "كلُّ إنسانٍ فنان "، رؤيتُه حاولت تغييرَ العالم بواسطة فنٍّ تتلاشى فيه الحدودُ التي تفصلهُ عن عمقِ الحياة " من أهم أعماله "كرسي الشحم" و "I like America and amer"

و "how to explain pictures  " وعمله "the pack "

وقد تضمّن متحف الفن الحديث في "نيويورك" بعض معروضاته أما الفترات الفنيِّة التي مرَّتْ على نتاجه فهي "الدادائيّةُ الحديثةُ "  والتجريدُ والفنُّ التصوُّريُّ .

·       "دانيال بورين" من مواليد " ١٩٣٨" هو فنانٌ فرنسيُّ اشتهر بالنَّحت، وبالتّركيب والتّشكيل، بدأ الرسم في بداية الستّينات، من أهم أعمالهِ لوحة بعنوان " على مستوى لونين ".

·       " سول ليوليت " ولد عام "١٩٢٨" في "هاتفورد كونيتكت"  الولايات المتحدة، أهم أعماله معروضة في متحف سان فرانسيسكو للفنون الحديثة، عمل في الفنون البصرية، ونفذ أعمالاً تجريديِّة حديثة من أهم أعماله " wall drawing "

وعمله " income open cubes" و " serial project"  و "  wall struct"

ومن الفنانين أيضاً:  "لورنس ويتز"،  "ميل بوخنر".

ومن المعماريين التصوُّريين":"برنارد تشودمي "، و "بيتر أبزيتمان "، و "وريم كولهاس ". ومن المصوريين المفاهيميين:

·       "أوليج أبريسكو" الذي عمل بشكلٍ مدهشٍ على الصورة الفنيِّة، وأحاطها بالغموض والسريالية، لتحويلها إلى عملٍ فنيٍ مفاهيميٍّ.

·       " يشاغوردن "  " ١٩٤٦" وهو يعدُّ من أهم روّاد فنِّ التصوير المفاهيميَّ، ومن مقولاته في هذا السياق " هل أوجِّهُ عدسةَ كامرتي إلى الخارج، إلى العالم الحقيقيّ، أم أنني أوجهها لداخلي،  حيث تقْبعُ روحي، وأصنعُ من عوالميّ الخاصّةِ عوالمَ حقيقيِّة ، رغم عدم جدواها على أرض الواقع . وله من أعماله الأولى المهمِّة صورة فوتوغرافية بعنوان "اعتراف " بالأبيض والأسود، وقد نفَّذَ جلَّ أعمالهِ بالتّقنيِّات التقليديّة في التّصويرِ، بعيداً عن الفنون الرقميِّة.

ولابدَّ لنا حين نتطرَّق إلى الفنِّ الحديثِ، وإلى المفاهيميّة 

ألَّا ننسى العديد من الأسماء المهمِّة، التي كان لها الدور الأساسيّ، في التَّهيئة لهما.

وأهمهم "بابلو بيكاسو" الذي كان هاجسه التّغيرُ وتخطي كلّ ما هو كلاسيكيٌّ ومألوف من حوله فنيّاً " إنني عندما أبدأ العمل بلوحتي فكأنني أقفزُ في الظلام "، وخاصة بعد لوحته "نساء أفينيون" و "الجرنيكا" التي بدأ من خلالها يحطم البورتريه،  ويخرج من إسار التكوينات المعتادة إلى تشظي التكوين، ونثره داخل فضاء اللَّوحة وتبسيطه إلى أشكاله الهندسيِّةِ الأولى، في نهجهِ التكعيبيّ لكي يقول لنا :"هذه هي التكعيبيِّة التعبيريِّة بنزقها  وقدرتها على تصوير قسوةِ الموتِ وأثرهِ على عناصر لوحتي وكأننا نرى الكائناتِ والبشرِ، كالزجاج المحطِّم، تجرحكَ بأجزاؤه المتناثرة " .

وكذلك " جرج براك " الذي اتسمت أعماله "بالتكعيبيّة التحليليّة "، فالناظر إلى لوحته" الموسيقي" سيلحظ أن كل أجزاءِ العازفِ قد توزَّعت داخلَ اللّوحةِ وسيضنيكَ السِّعيُ ذهنيّاً لكي تَلُمَّها، وتعيدَ بناءها، وكأنه يصرخ بنا :" لننظر ماذا فعلت الموسيقى بصاحبها".

والفنان "سلفادور دالي " الذي أحسَّ بعمق أن باستطاعتِه أن يعمل على أيَّ فكرةٍ لكي يصنعَ منها لوحةً فنيَّة: وإن كانت على حسابِ عناصرِ عملهِ الفنيّ الأخرى أحياناً، كقوَّة التكوين، وبنيةِ العمل، ومن نتاجهِ لوحة " فولتير" و"الزمن" و"فيلسوفٌ يستنيرُ بضوء الشمس والقمر معاً".

والفنان " كاندنسكي" الذي طرح الفنَّ وكأنه لعبةَ طفلٍ صغيرٍ يريدُ أن يلهو بها كما يشاء.

كل هذا مَهّد للفنانين المحدثين، أن يتحاملوا على اللّوحة الفنيَّة ويحَطّموها ويخرجوا من إطارها تماماً، إلى فضاء أرْحبَ.

ولا بد من الإشارة إلى "مرسيل دوشانب" وأهمّ أعمالهِ، لمدى تأثيرهِ في الفنّ المفاهيميِّ منذ بدايات القرن العشرين، قبل تكريس المفهوم بقرابة الخمسين عام، و"مارسيل دوشانب" فنانٌ فرنسيُّ ولد في عام  ١٨٨٧في Blainvillo  crevon وكانت وفاته ١٩٦٨، درس في أكاديميّة "جوليان" Lycee pierre Corneille""  وهو متنوِّع النتاج ، عمل في العديد من صنوفِ الفنِّ، وفي السينما، ترتبطُ أعماله بحركَتَي الدادا والسريالية  . الكثيرُ من النقاد، يعتبرهُ أحدَ أهمِّ فنّاني القرن العشرين، وقد ساعدت أعماله على ازدهار الفنّ الأوربيِّ في العصر الحديث،  أهمّ نتاجه   معروضٌ في متحف "الفنّ الحديث نيويورك" وفي متحف "فيلادلفيا"  والمدارس التي تنتمي أعمالُهُ إليها " الدادئّية – التعبيريّة – التكعيبيّة – الرّمزية – الفنّ التصوريُّ " أما أشهر نتاجه، فهو "المبولة " منفّذٌ ١٩١٧ و "دولابُ دراجة" ١٩١٣، "العروس يجرِّدها العزُّابُ من ملابسها " ١٩٢٣ و"حمَّالة الكؤوس" ١٩١٤، و"الجوكنداL.H.O.O.Q " وهو العمل الشهير "لليوناردو دافنشي " وقد زاد عليه مارسيل شارباً للموديل الأنثويّ وحوَّل مشاعر "المونوليزا" إلى الحزن والجديّةِ .

يقول جوزيف كوزوث :" إنّ جميع الأعمالِ بعد مارسيل دوشانب تُعدُّ أعمالاً مفاهيميّة بطبيعتها " .

وهكذا نكونُ باختصار، قد حاولنا أن نتلمَّسَ بدايات ظهور هذا الفن، وأهمّ ميزاته، وبعض الفنانين المؤسسين له، وبواكير الأعمال التي تمَّ تنفيذُها من خلاله، وفي الواقع فقد تتالت آلافُ النتاجات، كلها تأخذ بهذا النَّهج المفاهيميِّ، في جميع دول العالم، حتى أصبحَ موضةَ عصرنا، ولسانَ حالِ العديدِ من الفنانين.

تاريخ الإصدار: ٢٠١٨

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 2.72/5 (54.33%) (307 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 3178 )