الأخبار

لتغدو الطبيعة مسرح حب..غسّــان حنّــــا يتلــــو «أناشـــــيد لسُــــمُو الزّنبقـة«

لكي أُحبّك

لا احتاجُ إلا لسماءٍ صغيرةٍ‏‏

باتساع عينيك.. السماوات المترامية‏‏

تحتاجُ إلى انسحاق القديسين‏‏

وصلاتي لكِ بارتفاع شمعةٍ.. وأيقونة وجه‏‏

ودمعةٍ كبيرة‏‏

يبدو الشاعر غسّان حنّا في مجموعته «أنا شيد لسمو الزنبقة»، وكأنه يقفُ على تلةٍ في منحنىً ما، من طريق قطعه لمسافة بعيدة.‏‏ ‏‏

ذلك الطريق الذي مشى خلاله مسافةً عتيةً من تجربة تنوّعت على درب، وإن كانت الأغزر على جهة الشعر، على هذه التلة، يقفُ الشاعر واضعاً كفه مُتقاطعة مع جبهته كواقية شمس خلال النظر لغسقٍ يكادُ يغيب - على عادة المُتعبين في الساحل السوري - مُفتحاً عيناً، وأخرى بنصف إغماضة لاستيضاح رؤية لمسافة قطعها، وصارت خلفه متروكة لحضور الغياب.‏‏

من هنا، فإن المجموعة - أناشيد لسمو الزنبقة - الصادرة مؤخراً عن الهيئة العامة للكتاب - وزارة الثقافة، تهزّ الأعشاب الهادئة لسفوح الذاكرة، لنسمع حفيفها قصائد، وهنا - على ما تبدو - الفاعلية الشعرية للقصائد؛ فهي لا تتعب متحاً وقطافاً من مناهل وينابيع ذاكرة وبساتينها المتخمة بالحكايا، ومن التأمل البعيد، وذلك بعد تجربةٍ غنيةٍ في الحياة، وفي الشعر، إذ تأتي المجموعة بعد سبع مجموعاتٍ شقيقات سبقتها بالصدور، إحداها يسردها بالمحكي من اللغة، كما نوّع في إبداعاتٍ أخرى، فكتب للمسرح أربعة نصوص، ومجموعةً قصصيةً واحدة.‏‏

تأتي «ثمانية» غسان حنا مشغولةً بالتفاصيل البعيدة من بيادر الذاكرة، من البيت القديم، إلى ذكريات السفر، ليُماهي كل ذلك بمفردات الطبيعة وعناصرها، في حالة انجدالٍ جبرانية، قلّ أن نجد نظيراتها إلا عند بشارة الخوري، وبعص الرومانسيين والرومانتكيين، الذين كانت الطبيعة ملاذهم الأشهى، وكانت الطبيعة المشتهاة المغمورة بسلامٍ كلحافٍ يحمي كلّ من يدب فوقها، حيث يزخمُ كلّ ذلك ليسفحه على مدى البياض قصائد أقرب إلى تعبد المتصوفة.‏‏

وأذكر تلك البيوتَ القديمة‏‏

واحدةٌ.. غرفةٌ.. لا اثنتانٍْ.. عديدُ إناثٍ.. ذكورٍ‏‏

ووالدةٌ.. والدٌ.. بارتياحٍ.. كفقاسةٍ يُنجبان‏‏

الذاكرة التي تفرض حفيف أعشابها هنا، يُرافقها، أو بالأحرى باعثها «احتجاب» أمّ الشاعر، الذي يُهدي قصائد المجموعة لعينيها بعد أن تخلت عن جسدٍ مرهقٍ بالعذاب، وبحضور الأم، تحضر تنويعات الحكايا كأسفارٍ في كتابٍ للتاريخ، ومن هنا أيضاً، يُمكن أن نُفسر «سرّ» هذه «الحكائية» الطاغية على نصوص المجموعة، لتأتي قصصاً حكائية مفعمة بالوجدانيات، يروي حيناً، يُقدم تأملاته طوراً، يصفُ، يُفصلّ في أسباب لجوئه إلى القصيدة ملاذاً من مرارةٍ تغيرُ على شفافية هذه الإنسانية، وتُخوّض بجمالياتها في الوحول.‏‏

وهكذا كان على الشاعر أن يُنخّلّ قاموس الندامة على اسم النازفين لتكون اللغةُ مطهرةً «من حروف الجر والتعليل والنفي «ومن ثمّ يستبدلها بالأحلام، علّه يُضيف عمراً إضافياً من الجمال المفتقد. يختار غسان حنا القصيدة لسرد الحكايا كملاذٍ للمتعبين، مختاراً من البيئة الحميمية عمارةً لبنائها، محلية بيئية تفرض حضورها على المشاعر، لتكتب بإعادة صياغتها على مرمى الحلم، يسرد خلالها مسيرةً طويلةً، كان الشاعرُ يظنُ نفسه خلاله راسخاً كسنديان، وإذا به ريشةً في مهب رياح الزمن، «يا كم.. وجدتُ بأنني كالقشة العجفاء/ كنتُ أظنّ مُختالاً بأني السنديان»، هنا أيضاً يُمكن تفسير؛ كيف تكون القصيدة ملاذاً من كل مرارات الكون، وذلك في هروبه الطويل من أنهار العذاب إلى بساتين الشعر، يتزود بها روحياً كإيمان، تماماً كامرأة ريفيةٍ في سعيها لتأمين مونة البيت تحسباً لليالي الشتاء الطويلة والقاسية.‏‏

أضيفُ من الشعر رُكناً إلى كل بيت‏‏

وأسلمُ مفتاحهُ للضيوف‏‏

لمن يطلبون على غربة العمر.. سُكنى الهناء‏‏

ولستُ لأنسى مؤنتهم برغلاً‏‏

وخوابي الزيت، ومعقود تينٍٍٍ.. إلى ما أراه يُناسبُ‏‏

سوف أركّبُ بعض القصائد أدويةً للشفاء‏‏

أحاولُ شعراً لأزرعه في الكروم‏‏

إلى جانب التين واللوز والبرتقال‏‏

وأطعّمَ بعض فروع الدوالي‏‏

على مدى البياض، يُحاول غسان حنا أن يُكوّن المشتهى من الجمالين الطبيعي والإنساني، حدّ التماهي و من ثمّ الانجدال بين الجمالين، حيث يفرد متسعاً من البياض ليشرح عناصر الطبيعة بصياغة وخلقٍ شعري جديد، فيحكي سيرة الينابيع والجبال والشجر والكروم والغابات، في «أناشيد «يُحاول ما استطاع على ذلك سبيلا أن يُجمّع المشاعر الإنسانية الأكثر دفئاً ومحبةً لأجل سلامٍ ينعمُ به الجميع.‏‏

تلك الحالات الجبرانية - كما ذكرت - سيفعمُ بها حنا مجموعته متوحداً ومتماهياً مع مفردات الطبيعة وعناصرها، لتأتي القصائد تراتيل وترانيم، حتى يظن المتلقي أنه يقرأ في كتاب ابتهالات لسائحٍ مُتعبّد حافياً في البراري وسفوح الجبال بحثاً عن تأملٍّ طويل وصولاً للمعرفة الحقة.‏‏

أحاولُ شعراً أرى كلّ هذا الوجود‏‏

بما فيه من بشرٍ.. عاشقين‏‏

فلا امرأة رُجمت بالحجارة،‏‏

أو رجلٌ في هواهُ أُدين،‏‏

وتغدو الطبيعةُ مسرح حبٍّ‏‏

ترقُّ بعنفٍ، وتقسو بلين‏‏

في هذا التماهي والانجدال بين الشاعر والطبيعة، أو بين الجمالين الإنساني والطبيعي؛ ثمة أكثر من بوح يبثه غسان حنّا إلى مدنٍ بعينها، ورسائل يبعثها لأشخاص بعينهم، وثمة بوحٌ ثالث للمرأة، وكان الأجمل في ثالثة بوح الشاعر، تلك المرأة التي اقتنصت من الشاعر أجمل أوصافه: سارقة حيناً، عدّاء حيناً آخر، وهي «رُبع للأخت، ونصف الأم، وكلّ المرأة في عشق الرجل الخلاق».‏‏

تصنيف 2.49/5 (49.71%) (35 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟