مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

الشعر العباسي والفن التشكيلي

استطاعت القصيدة العربية أن تنقل ملامح الفن والأدب في صورة نتاجٍ رائعٍ يسعى إلى تمثيل الأشياء المرئية والمفهومات المجرّدة أيّما تمثيل، وعبّرت بذلك عن الفن الذي يتمكّن بوسائله اللغوية والفنية أن ينقل إلى المتلقي الصور المرئية والعقلية، وكل ما ينتج عن تداخلها وتفاعلها موضوعياً وذاتياً، فيُرسَم النص كمشهدٍ مكوّنٍ من لوحاتٍ شعريةٍ متعددةٍ تثير الخيال كما تثير الذوق عن طريق أدواتٍ وآلياتٍ محدّدةٍ تقوم مقام الآليات والأدوات الفنية التي تلزم الفنون التشكيلية المختلفة.

ومحاولة الكشف عن بُنَى الصور الشعرية المكوّنة لهذه المشاهد الفنية في النص الشعري تظهر التكوينات اللغوية والإيقاعية والدلالية التي اعتمد عليها؛ تلك التي تُنْتج إشارات أو دلالات أو رموزاً أو إيحاءات أو تلوينات تمنح هذه الصور خصوصيتها الفنية والجمالية، وتجمعها مع الفنون الأخرى بعلاقاتها بالذات المبدعة ومحيطها، أو بصيغها الجمالية، أو بأساليبها الفنية، كي تكون شيئاً جميلاً، فأهمّ مقوّمات الشيء كي يكون جميلاً هو النظام الداخلي الذي بُنيَ عليه، وجعل أجزاءه وعناصره متّسقة منظّمة التفاصيل ضمن نسقٍ باطني متوائمٍ في دقائقه وأطرافه، وأجزائه وكلّياته.

ولكي تظهر القصيدة إلى الوجود لابد لها من أساسيات تنظّم تشكيلها، فالنص الشعري الذي يفتقد التشكيل يفتقد الكثير من مسوّغات وجوده، ولعلّ القدرة على إدراك فكرة التشكيل عند الناقد أو المتلقي لا تنبع من قراءة الشعر فحسب، إنما من مجموع المعارف التي خبرها هذا أو ذاك، كما لا بدّ له من امتلاك القدرة على تذوّق فنون أخرى لأنّ الخطوط الكبرى متشابهة في تطوّر الفنون، والعوامل الثقافية والفكرية والاجتماعية لكل مدرسة فنية أو شعرية تنتمي إلى عصرٍ من العصور هي ذاتها، وعليه تكون المقاربة الفنية بينها أمراً ربما يكشف شيئاً من مراحل تطوّر فن الشعر العربي؛ ذلك الفن الإنساني الضخم، وعلاقاته بالفنون والمعارف الإنسانية الأخرى.

بقلم: د. وجدان المقداد

تصنيف 2.59/5 (51.85%) (157 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟