مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

الرؤية المنظوماتية للعالم

الإنسان الذي لا يمتلك مفهوم الفيزياء (ليس مفهوم علم الفيزياء حصرا، بل الفكرة الضرورية عن العالم الذي أنشأته الفيزياء) والمفهوم الذي أنتجه التاريخ والبيولوجيا، ومخطط الفلسفة التأملية، هو ليس إنساناً مثقفاً. وما لم يتمتع بمواهب استثنائية فمن غير المرجح أبداً أن مثل هذا الإنسان سيكون، بالمعنى الكامل، طبيباً جيداً أو قاضياً جيداً أو خبيراً تقنياً جيداً.

أورتيغا ي. غاسيت

رسالة الجامعة

يمكن للمرء اقتباس مارك توين في قوله إن الجميع يتحدثون عن رؤية جديدة للعالم لكنَّ أحدا لا يعرف بالضبط ما هي. لاريب في أنه ليس ثمة كثير من الناس يقومون باستكشاف هذه الرؤية وتوضيحها. ومع ذلك فإن فهمها أمر مهمّ. إذا أردتَ تغيير العالم أو على الأقل التأكد من أنه لايسير بشكل أعمى نحو الهلاك فينبغي عليك فهم طبيعة هذا العالم. وإذا أردت فهمه فعليك أن تفسر ما تَخْبَر وتعرف عنه مستخدماً بعض الفرضيات المعقولة. وما لم يكن متاحاً لك الوصول إلى الواقع المطلق عبر الحدس أو الاستنارة فيجب أن تختار مفهوماً تجريبياً لفهمك- مفهوماً يستند إلى كيفية تفاعل الكائن البشري مع العالم الذي حوله.

ثمة كثير من هذه المفاهيم التجريبية؛ وجميعنا يتبنى واحداً أو أكثر منها، وغالباً بشكل ضمني وليس صراحة. يزودنا الحس المشترك المعتاد بتنوع من المفاهيم التجريبية، وهذا يتغير بحسب الحساسيات الفكرية والانفعالية للشخص وبحسب دوره الاجتماعي وشخصية ثقافته. إن نظرة الفنانين والزعماء الدينيين تتيح مفاهيم بديلة أكثر بعداً عن التجربة اليومية المعاشة. لكن المفهوم عن العالم التجريبي والوحيد الذي يخضع باستمرار للاختبار والبناء النقدي يأتي من العلوم التجريبية المعاصرة. وإذا أردنا فهم العالم الذي حولنا، سواء من أجل تغييره أو الحفاظ عليه أو لمجرد إرضاء فضولنا المعرفي، فإن أفضل خيار لنا هو التوجه نحو العلوم المعاصرة  من أجل الوضوح.

لكن العلوم المعاصرة تطرح أمام الغرِّ رياضيات معقدة وكلمات مقطَّعة. إن معنى النظريات يحتجب وراء تقنيات وإجراءات فحصها وتطويرها. وحتى العالِم المجرِّب يدع نظرياته عادة غير مفسَّرة عن قصد. إنه يلتمس إجابات خاصة كميَّة على مشكلات معينة تتولد في إطار إجابات سابقة متعددة على مشكلات سابقة. مع ذلك، وكما يعترف الآن بوضوح أبرز العلماء في كل ميدان، ليس ثمة نظرية تخلو من رؤية للعالم مبطونة في داخلها توجِّه انتباه العالِم. وليس ثمة تجربة بدون فرضية ولا علم بدون توقّعٍ ما حول طبيعة موضوعه. إن الفرضيات المبطونة توجِّه صوغ النظرية وتجريبها وهي بدورها تواصَف عبر نتائج التجارب المصمَّمة لاختبار النظريات. والمشكلة التي تواجه كلاً من العلم ومجتمعات الأشخاص المعنيين الأوسع تكمن في شرح وتوضيح الرؤية الضمنية وتسديدها إلى القضايا التي تهيمن حاليا على عقولنا والتي سوف تقرِّر مستقبلنا.

إن رؤية جديدة للعالم تتشكل في عقول أكثر المفكرين العلميين تقدماً في جميع أنحاء العالم، وهي تتيح أفضل الآمال بفهم وضبط السيرورات المؤثرة في حياتنا جميعاً. إذن،  دعونا لا نتخلف عن القيام بأفضل ما يمكننا من أجل الوصول إلى فهم واضح لهذه الرؤية.

بقلم: إرفين لاشلو

ترجمة: معين رومية

تصنيف 2.51/5 (50.23%) (88 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟