مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

ثمن الحرية

هذا الكتاب دراسة استطلاعية لتاريخ أوروبا الوسطى الشرقية الحديث ومحاولة لكتابته. إن العبارة "مقاربة إقليمية" هي عبارة تعني حمل القارئ إلى أبعد من نطاق التواريخ الوطنية التي يمكن أن تكون، ضيقة، ومعزولة وأنانية، وكانت كذلك أحياناً. أما تاريخ إقليمي مقارن فيحاول تذليل هذه العقبة عن طريق إظهار أوجه الشبه والاختلاف ونشر التواريخ القومية على لوحة أكبر.

تركز هذه الدراسة، التي تزودنا بالحد الأدنى الضروري من المعلومات الحقيقية - في النص، والجداول الكرونولوجية، والفهرس، على التيارات الواسعة والقضايا الأساسية. وغالباً لا تستطيع أن تقدم أجوبة مرضية للأسئلة التي تُطرَح؛ وتلحظ القضايا الخلافية ولكن لا تقدم حلاً لها. ومع ذلك، فإن هذا الكتاب، الذي يصلح مدخلاً إلى المشكلات المعقدة في الماضي والحاضر، سيحقق هدفه إذا أثار شهية القارئ، وشجعه على رفض الرواسم والغوص إلى حد أعمق في تعقيدات المنطقة.

نستخدم هنا المصطلح "أوروبا الوسطى الشرقية" في الإشارة إلى بوهيميا/تشيكوسلوفاكيا، وهنغاريا، وبولندا. وفي عرضنا لتواريخ هذه البلدان، نركز على الدول، حتى وإن كان هناك انقطاع في استمرارية كيان الدولة. ومع أن الدول الثلاث كانت تاريخياً متعددة القوميات، فإننا نركز على الدولة أو القومية الحاكمة، بينما نعامل القوميات الأخرى على ضوء علاقتها بتلك الدولة أو القومية.

أدى التعدد الإثني وتغير حدود الدول إلى مشكلات لغوية مزعجة يحتمل أن تربك القارئ. فعلى سبيل المثال، تختلف أسماء البلدات إلى حد بعيد اعتماداً على عصر معلوم. فكيف يدرك المرء أن التسميات بوجوني (هنغارية)، وﭙرسبيرﭺ (ألمانية)، وبراتِسلاﭭﺎ (سلوفاكية) هي أسماء لمدينة واحدة؟ وأي تسمية منها يجب أن نستخدم في كامل هذا الكتاب لكي لا يُتَّهَم بأنه خارج الزمن أو متحيز؟ وهل التسمية فيلنيوس اللتوانية، أو فيلنوالبولندية، أو فيلنا الروسية ملائمة أكثر؟ وتطرح البلدات السكسونية في ترانسلفانيا، بأسمائها المختلفة، الألمانية والرومانية والهنغارية، مشكلة مزعجة بوجه خاص. وفي أكثر الحالات لا نجد حلاً، وبالتالي يكون التضارب حتمياً. هنا حاولنا، على الأقل، العمل ببعض القواعد. فاستخدمنا الشكل الانكليزي أو الذي يحمل صفة انكليزية في حالة وجوده. وهكذا أصبح لدينا كراكو بدلاً من كراكوف، وبراغ بدلاً من براها. واحترمنا إلى أبعد حد ممكن اللغة الرسمية للدولة التي كانت قائمة آنذاك. هذا يعني أنه في بوهيميا اقتضى استخدام الأسماء التشيكية ثم الألمانية للقرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر؛ وفي هنغاريا، الهنغارية واللاتينية؛ وفي كرواتيا، الكرواتية واللاتينية؛ وفي ليتوانيا، البولندية والبيلوروسية/الأوكرانية، واللاتينية. وفي حال كان استخدامنا للاسم الألماني لبلدة أو مكان أقل تكرراً مما يمكن أن تبرره القاعدة أعلاه، فإن السبب يعزى غالباً إلى أن الاسم الألماني أصبح رمزاً لألمنة germanizationمدروسة. ولا بد من الاعتراف بوجود مشكلات، وواحدة منها دانتزيغ أو غدانسك.

وبمعنى ما، تُختصَر المسألة في تاريخ أوروبا الوسطى الشرقية إلى مسألة وجود أو عدم وجود استمرارية. فإذا كانت الانقطاعات مميزة أكثر، كانت الاستمرارية أساسية أكثر. وهناك أيضاً مسألة الجذور. ونقدم فقط مثالاً واحداً. فسلوفاكيا لم تكن موجودة ككيان، أو إدارة أو خلاف ذلك على مدى معظم تاريخها. وكانت تماثل فقط عدداً من المقاطعات في هنغاريا العليا حيث يعيش السلوفاك. ومع ذلك، فإن تجاهل الجذور السلوفاكية عن طريق رفض استخدام المصطلح سلوفاكيا قبل القرن العشرين يبدو غير مقبول.

وأسماء الحكام عموماً تعطى في شكل انكليزي الصفة أو بترجمتها الانكليزية. وهكذا يصبح لدينا جون Johnبدلاً من يان Jan، و ستيفن Stephenبدلاً من استفان István، و ونتزل بدلاً من فاتسلاﭫVáclav. وتبدو في شكلها الأصلي فقط أسماء لا يوجد لها مكافئ انكليزي مثل بوليسواف Boleslaw. وتُكتَب أسماء جميع الأشخاص الآخرين في شكلها وتهجئتها المحليين، مرفقة بالعلامات الصوتية التي توضع فوق أو تحت بعض الأحرف. ومع ذلك تبقى بعض المشكلات قائمة، وخصوصاً مع الشخصيات التاريخية الكرواتية - الهنغارية أو البولندية - الليتوانية مثل زرينسكيZrinski/زريني Zrinyiأو جوجيلا Jogaila/ ياجيلو Jagiełło. هذا كله جعل طباعة المخطوطة أكثر صعوبة، وأنا أقدِّر عالياً خبرة توماس فلورانس وإنجازه في إنتاج النسخة النهائية. وأعبر عن شكري لإعطائه إيه وتني ﭼريسوولد من الجامعة لتغطية كلفة الطباعة.

وأثناء سعيي للتغلب على عديد المشكلات المرتبطة بالتاريخ الإقليمي الذي يشمل عدة قرون، توجهت لطلب المساعدة من عدد من الزملاء المؤرخين الذين كانوا طيبين بما يكفي لقراءة أجزاء عديدة من المخطوطة قراءة نقدية. وأود أن أشكر إيفو باناتس، زميلي في ييل، وجوزيف أندجيه جيروفسكي من الجامعة الياجيلونية في كراكوف، و شين هـفرانيك من جامعة شارل في براغ، وأنتوني مونتشك من جامعة وارسو. وأشعر بأنني مدين بالشكر خصوصاً لاستفانديك من جامعة كولومبيا الذي قرأ بصبر لا يكل المخطوطة بالكامل، وقدم نقداً قيِّماً وتعليقات بعيدة النظر. وأشكر أيضاً ليشيك كوشينسكي من جامعة ألبرتا الذي لولا مساعدته لما كانت الخرائط التاريخية ممكنة. والعمل الخرائطي هو عمل جيف لستر. ومع اعترافي بكل هذه المساعدة، أضيف أنني وحدي أتحمل مسؤولية الأخطاء، والإغفالات، وسوء التفسير.

أهدي هذا الكتاب إلى اثنين من المؤرخين من أوروبا الوسطى الشرقية يستحقان تقديراً خاصاً، هما: أوسكار هاليتسكي، الذي جعل منه أصله الليتواني، ونشأته الفيِينِّية، ووطنيته البولندية مواطناً عظيماً من أوروبا الوسطى الشرقية؛ وهوغو سيتون- واطسن، الذي جعل منه اهتمامه الطبيعي والموروث في المنطقة ليس فقط "مسافراً كشافاً" كأبيه، لكن ترجماناً لأوروبا الوسطى الشرقية لدى الغرب. كان الرجلان مختلفين إلى حد بعيد في وجهة النظر والمزاج، ولكن تشاطرا صفة مشتركة: كانا عالمين وسيدين ماجدين.

                                                   نيو هافن ١٩٩١

بقلم: بيوتر س. فاندِش

ترجمة: أحمـد رمـو

تصنيف 2.67/5 (53.43%) (134 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟