مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

تقاليد الرعـي

الرعي من أعرق المهن التي احترفها البشر، بعد مهنة الصيد، وقد بدأت منذ تمكن الإنسان من تدجين بعض الحيوانات البرية العاشبة، كالغنم، والمعز، ولاحقاً البقر، والحمير، والخيل، والإبل.. وكانت البداية بالتقاط بعض جراء الكلاب البرية، التي تآلفت مع الناس، وأثبتت جدارتها في حراسة المنازل ومطاردة الحيوانات في رحلات الصيد. وهذا ما لفت انتباه الإنسان القديم إلى بقية الحيوانات، وفي مقدمتها المعز والغنم ثم البقر..

لم يتم تدجين الحيوانات دفعة واحدة معاً، بل كان متدرجاً خلال فترة من الزمن، وفي مناطق معينة، وما لبثت حركة التدحين أن تسارعت لتشمل مناطق كثيرة من العالم القديم، على حسب شروط البيئة هذه أو تلك، وتراكم الخبرات فيها.

فقد وُجِدَت عظام حيوانات مدجَّنة تشمل المعز والغنم والبقر والكلاب.. ترجع إلى الألف التاسع قبل الميلاد، في مناطق متفرقة من بلاد الشام وبلاد الرافدين، مثل (أريحا) في فلسطين، و(البيضا) في الأردن، و(رأس شمرة) على الساحل السوري.

ويُعتَقَد أن فترة من الزمن مرت بين زمن تدجين الكلاب وبين زمن تدجين المعز الغنم، فقد احتاج الإنسان القديم وقتاً ليتحول من صياد، وجاني ثمار وخضر وحبوب برية، إلى راعٍ يربي الشياه، فحتى ٧٥٠٠ - ٦٥٠٠ قبل الميلاد، لم يدجن في الأناضول مثلاً غير الكلاب، وهناك مناطق في العالم تأخرت عن ذلك التاريخ كثيراً، وهذا يوضح تباين أزمان تدجين الحيوانات في العالم القديم.

وحين بدأت الشياه تتكاثر عند الرعاة الأوائل، اهتدوا إلى حليبها، وعرفوا قيمته الغذائية، وكيفية تجبينه، وترويبه، واستخراج الزبدة منه، وتجفيف اللبن الزائد..، فامتنعوا عن ذبحها وأكل لحومها، بعد أن أمنت لهمتلك المواد الغذائية الأكثر ديمومة من اللحم،وبعد أن كان الإنسان الصياد يجاهد في الحصول على الجلود بالصيد، أصبح لديه وفرة من الجلود، وكميات من الصوف، والشعر.. تتجدد كل سنة، تعلَّم كيفية غزلها ونسجها، وصنع الملابس منها، واستخدام خيوط الصوف والشعر، والسيور الجلدية في صنع الحبال، وشباك الصيد، والأوعية، وبناء البيوت.

بقلم: محمود مفلح البكر

تصنيف 2.55/5 (51.01%) (129 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟