مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

وميض الجمر

القيمة والقامة ..

    قد تتشابه الوجوه، وأبداً لا تتشابه النوايا، وقد يكون حجم بعض القطن أكبر من القليل من الذهب، إنما سعر القطن لا يساوي سعر الذهب، وقد تتشابه الألوان، لكن المعنى يختلف، وليس بياض الثلج كبياض اللبن، ولا كفن الميت كثوب العروس، ولا وهج الشمس فوق الوجوه، كوهج الجمر بين الضلوع.

    وليس كل ظهر أحنته السنون بمنحن، ولا كل قامة مستقيمة دليل على رزانة في التعامل، ورجاحة في العقل.

    وقرابة النسب لا تقارن بقرابة الروح ، وصلة الدم والرحم لاتوزن بصلة الإبداع والفكر، وماذنب الشمس إذا كان يستخدم نورها عميان البصيرة لعمي العيون؟ وما ذنب العظماء إذا كان بعض أقربائهم وإخوتهم لا يَفرِقون أبداً في تفكيرهم وسلوكهم عن البهائم والدواب؟ وما ذنب الأرض الغالية إذا كان من يمشي فوقها رخيصاً ولا يعرف قيمتها؟

    كثير من الورق الغالي قد لايساوي ما كُتب فيه شيئاً، ولو بقي أبيض لظلّ أغلى، وبعض الورق الأسمر والخفيف قد يحمل بين طياته حقائق الكون والوجود.

    ومن يداري السفهاء والحمقى فضيل، ومن يضبط نزوات نفسه، ويكبح جنوح عقله أفضل، وسخف أن تُعزم العقارب والبعوض لحضور الولائم والأعراس، وجوع أن ننام وبطوننا متخمة بالطعام وغيرنا جائع، وفقر أن تغني نفوسنا بالحسد وكره الآخرين، ومن الأنانية والحقد أن نفتح عيوننا فقط على عيوب من حولنا ونطبقها حين ننظر إلى عيوبنا.

    وإخوة أعداء، لا خير في أخوتهم، وأرض مالحة لا تُخرج سوى الملوحة، وقد تجفّ الينابيع والأنهار، وأبداً لن يجف الحقد والحسد من الصدور.

ومن الناس شجر سرو، هيئاتهم حسنة، وجميلة، إنما لاثمر طيباً يحملونه، " وبعضهم كالمآذن استقامة في الظاهر، واعوجاج في الباطن" ، والجاهل والسفيه، عدو نفسه، وصديق وفيّ للحمقى والسفهاء، ومهما كانت الكلمة طيبة، فإنها لن تثمر في النفوس المريضة، ولا ينبت القمح إذا زُرع في الرماد، ولا يمطر المطر من الدخان، ولا الفحم يضيء إلاّ إذا كوي بالنار.

    وستبقى بعض الضمائر رخيصة وإن كان من اشتراها قد دفع ثمنها كنوز الأرض.

    ونصبح أقزاماً إذا بخلنا على من نحب، حتى ولو كانت قاماتنا طويلة، وخبث أن نغش من لا يغشنا، والأكثر خبثاً أن نبدأ نحن بغش أنفسنا، وضعف وجبن أن ننتصر دائماً على من هم أضعف وأرق منا.

    والزفت مهما غليناه فسيبقى أسود ولن يجرؤ أحد على شربه، والخل مهما خلطناه بالعسل فسيبقى خلاً وسيفسد العسل.

    وقد يضر الطعام بالمعدة إذا لم يهضم جيداً في الفم، كما أن بعض القيم والمبادئ قد تشل تفكير من يحملها بسبب فهمهم السيء لها.

    وليس كل ضوء بقادر على إنتاج قوس قزح، وما يحرّك العقل غير ذاك الذي يحرك الغريزة، ومايهز الخصر يختلف عن ذلك الذي يهز القلب، ولا يُطرب الروح ويسمو بها إلاّ كل فن سام وعظيم، وهضم الأفكار داخل الرؤوس لايوزن أو يقاس بأكل الطبيخ وهضمه في البطون، وقامة من دون قيمة، هي كومة متحركة من القمامة، تؤذي برائحتها وتضرّ كل من تمر به ، أو تجلس إلى جانبه.

بقلم: سُهيل الشّعار

تصنيف 2.6/5 (51.98%) (177 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟