مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

نحو علم عربي للسياسة

ليس سهلاً تقديم تعريف لعلم السياسة، ذلك العلم الذي ابتدأ مع بداية ترتيب الإنسان لشؤونه العامة على كوكبنا هذا. وليس صعباً في الوقت نفسه تقديم تعريف لهذا العلم القديم، لأن ما من حكيم أو عالم تصدى للأمر إلا ترك لنا تعريفاً صالحاً. ولن نخوض في كل ذلك. يكفي هنا أن نلفت النظر إلى تعريف قدمته للفكر السياسي على أنه «التعبير الأعم لتلك الفعالية الذهنية المنظمة التي يقوم بها الإنسان لدى تصديه لمعالجة المسائل الكبرى الناجمة عن التنظيم اليومي للاجتماع البشري». والحق أنه إذا كان ثمة وضوح في صميم ما تتعامل به السياسة. وهو أساساً شؤون الحكم، إلا أن ثمة غموضاً في حدود السياسة. أي تخومها. وفي اعتقادي، يظل أي تعريف منطقي متماسك للسياسة قاصراً عن مجاراة السياسة في حركيتها اليومية، ذلك أن المتابعة اليومية تعلمنا أن السياسة ليست بما هي، بل بما يراها الناس. فما يشتغل به الناس، عامة الناس، هو سياسة وإن لم تستبن سياسيته للوهلة الأولى. وبالمقابل، قد يكون أهم بحث دستوري أو سياسي خارج إطار السياسة، إن لم يحظ في جوهره، وفيما يترتب عليه، باهتمام الناس. هذا التعريف للسياسة، الذي يجاري حركيتها اليومية، يجعل منها، كما هي، قمة العلوم الاجتماعية، أو العلم الذهبي لهذه العلوم التي أفضل أن يطلق عليها اسم علوم السياسة من حيث أن المجتمع، كمجتمع، إنما هو في التحليل المنطقي له، المادة الخام للبشر الذين، بوعيهم لعلاقاتهم، يصبحون مجتمعاً سياسياً، تدرسه علوم السياسة وقمتها علم السياسة.

كيف يكون علم السياسة عربياً؟من حيث أن العلم شمولي فليس ثمة مكان لإضفاء صفة قومية عليه. وهكذا فإن القول بوجود علم عربي يحمل تناقضاً بين حدي التعبير. ولهذه الفكرة البسيطة نظائر لها فيما بحث فيه مفكرونا القوميون بشأن الاشتراكية، حتى انتهى القول، لدى معظم القوميين العرب الاشتراكيين، إلى أن ثمة طريقاً عربياً للاشتراكية وليس ثمة اشتراكية عربية. ولكن ثمة علماً عربياً للسياسة بمقتضى ما قلناه من أن علم السياسة هو علم المسائل الكبرى لمجتمع ما، هو هنا المجتمع العربي. وهكذا يصبح المعنى المشخص للعلم العربي للسياسة، هو علم المسائل الكبرى التي تشغل المجتمع العربي. وهذا المعنى المشخص للعلم العربي للسياسة يصعد بالعلم المقترح إلى مصاف علم السياسة كما تطور في العالم الغربي (أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية) أو كما تطور في العالم الشرقي (أوروبا الشرقية). ذلك أن الحقيقة التي تغرب عن بال كثيرين منا، من الذين تخصصوا في العلوم الاجتماعية سواء في العالم الغربي أو العالم الشرقي، هي أن علم السياسة الذي تلقيناه إنما هو علم سياسة المجتمعات التي درسنا ذلك العلم فيها، وليس علماً شمولياً كما يراد لنا أن نؤمن، مجاراة منا لإيمان معلمينا.

بقلم: الدكتور جورج جبور

تصنيف 2.5/5 (50%) (142 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟