مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

تلك المرأة .. تلك النار

في البدء كان الصوت... وكان يأمرني بالكتابة. أُمسك بالقلم، ولأول مرّة أكتب غير فروضي المدرسية. كنت في الرابعة عشرة. كان الصوت الآمر ملحّاً، مخيفاً، ومخجلاً. ولن أنسى ما حييت كيف اختفيت بين الورود العالية، قرب البيت، ورحت أكتب. كم غبت؟ لا أعلم. لم أُفق إلاّ على قلق أمي وهي تبحث عني، فأخفيت أوراقي وغضبي في كتابي المدرسي. غير أني لم أنم ليلتها حتى كتبت اثنتي عشرة صفحة... كانت قصّة. كنت أقرأ. لكن الكتب لم تكن ملاذي الوحيد. كان حضن جدّتي يتلقفني هو الآخر لأفور مع الحكاية. جدتي كانت أمية, عمياء, لطالما قتلتْ وِحدتَها وعتمتَها بالحكاية. صرتُ وريثتَها. ما الذي ودَدْتُ وأودُّ قتلَه بالحكاية، وبالقصّة القصيرة على وجه التحديد ؟

أقرأُ, أكتبُ, أخبئ أوراقي، خجولةً, منعزلةً, ووحيدةً. والصوتُ لا يزالُ يلحُّ عليَّ ويأمرني. كنتُ أسـيرةَ الروايات, أسرتني شخصياتُها. أذكرُ, مثلاً, كم جعلتْني «سكارليت أوهارا» أنتظرُ بفارغِ الصبرِ أن أصيرَ في مثلِ سنِّها, عشرين عاماً, كي أذهبَ مع الرِّيح. ومع بداية العشرين كانت جدَّتي هي التي ذهبتْ.

كنْتُ محاصَرَةً باقْتِناصِ لحْظةٍ للكتابةِ, لكنَّ تلْكَ اللّحْظةِ كانتْ تفِرُّ دائماً. فأنْتَظر الّليْلَ بِفارغِ الصَّبْرِ. الغروبُ كانَ يعْني لي عتَبَةَ الّليْل, صَمْتَ عَرَقِ الأجسادِ البشَريَّةِ عنْ الانصِبابِ. هو وقتُهم للاغتِسالِ والرّاحةِ والتّهيُّؤِ للنَّومِ. لكنّه وقتي لانْصبابِ عرَقي. أخْرجُ, أطوفُ حوْلَ البيت أحْتمي بالخضْرةِ الدّاكنة وأهْرعُ إلى أطْرافِ المقْبرة القريبة. أقِفُ على حدود حاكورتنا, أرنو إلى المقبرة العاتمة, وإلى قبّعتها السّنديانيةِ الضخمة. أستمعُ, كالعادة, لِهمْسِ الموت والحياة. أظلُّ على الأطراف ولا أجرؤ على اختراقها في الّليل. تلك الغابة السنديانية الشامخة والعتيقة, كانتْ تحتضنُ في النهار عزلتي ووحدتي. لمْ أفكر بالموت هناك. كنتُ أحاور الموْتى وأسمعُ طقطقةَ عظامهم وهي تبوحُ بالذكريات. كنتُ أصادقُ الشّجر.

بقلم: ربـاب هـلال

تصنيف 2.6/5 (52%) (180 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟