مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

خواطـر وذكريــات إفـريـقـيــة

ما كنت أتوقع أن تتاح لي فرصة التجول في العديد من الدول الإفريقية إلا بعد أن عينت سفيراً لدى جمهورية السودان وتم اعتمادي سفيراً غير مقيم في غضون أشهر من هذا التعيين لدى أربع دول إفريقية متاخمة للسودان هي إثيوبيا وكينيا وأوغندا وإريتريا ومن ثم تم تفويضي مندوباً دائماً لسورية في منظمة الاتحاد الإفريقي بعد أن جرى قبول سورية عضواً مراقباً في هذا الاتحاد الذي يقع مقره في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. اعتبرت أن هذه فرصة ثمينة بالنسبة لي للاطلاع على العالم الإفريقي من بشر وبلاد وحضارات ولغات وعادات وطباع وهموم ومشكلات وأزمات وما أكثرها في القارة السمراء التي تصنف في السلم الأخير من قارات الأرض، ورغم أني تجولت في العديد من بلدان الدنيا بحكم عملي الصحفي المديد وكتبت الكثير عنها من مقالات وزوايا ودراسات من كوبا إلى أوربا إلى تركمانستان إلى الصين التي ألّفت عنها كتاباً أسميته «عملاق يستيقظ» تنبأت فيه بنهوض الصين العظيم قبل عشرين سنة والذي نراه بأم العين هذه الأيام، إلا أني وجدت في إفريقيا نكهة خاصة وطيفاً سحرياً لا يدركه إلا من عاش واختلط مع أناس أفارقة على أرضهم وفي عقر دارهم، فالإفريقي خارج إفريقيا هو غير الإفريقي في داخلها، وعندما يهاجر الإفريقي أو يذهب إلى أوربا أو أي بلد آخر قد يأخذ نمط البلد الذي يعيش فيه تماماً ولكن ما أن يعود إلى بلاده حتى تعود إليه إفريقيته طبعاً وطباعاً وسلوكاً ومسلكاً.

ومن حسن الطالع أني عاركت العمل الصحفي والإعلامي وخبرته ودخلت في خفاياه وأسراره مدة تزيد قليلاً عن عقدين ونصف وأتيح لي بعدها أن أمسك بتلابيب العمل الدبلوماسي الذي يقترب ويبتعد عن العمل الصحفي بل في أحيان كثيرة يتنافر العملان إلى حد القطيعة، فالصحفي يبحث عن المعلومات ليكشفها ويعلنها للناس، والدبلوماسي يبحث عن المعلومة ليشبعها غموضاً ومواربة وتستراً عن أعين الإعلام، وتحقيق الموازنة بين العملين مسألة شاقة عانيت منها كثيراً، إلى أن وجدت صيغة توفيقية بعد جهد واجتهاد وأيقنت أن العملين يهدفان إلى غاية واحدة هي مصلحة الوطن وخير الشعب والأمة، وكنت أتذكر مقولة نابليون حين قال "إن صرير الأقلام يفوق أحياناً صرير المجنزرات ودوي المدافع، وإن ضحكة الدبلوماسي وابتسامته التي تخفي الكثير تعود بمكاسب كبرى لبلده وأبناء وطنه"، وكم من مرة قيل: أرسل حكيماً ولا توصه. وأكثر ما يجب أن يتمتع به السفير الحكمة والهدوء والابتسامة وقد كان يقال للسفير الذي يذهب لإبلاغ رئيس الدولة المعتمد فيها قرار إعلان الحرب مع دولته: اذهب وبلغه هذا القرار وأنت مبتسم وإياك أن تكون عابساً أو متجهماً..

بقلم: الدكتور تركي صقر

تعليقات الزوار

غير ممكن

كمال فريد

سلاما عطرا وتحية طيبة من ربوع الجزائر الخضراء إلى سوريا الجريحة والصامدة، جزاكم الله خيرا على مجهوداتكم في نشر العلم والثقافة عبر الأنترنت، فقد تمكنت بفضلكم من نحميا عدة كتب تاريخية من موقعكم إلا أني لم أتمكن من تحميل البعض الىخر مثل: خواطر وذكريات إفريقية، أرجو مساعدتي في إتمام ذلك ولكم جزيل الشكر والإمتنان والسلام عليكم

تصنيف 2.55/5 (51.01%) (89 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟