مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

عبد الكريم اليافي الباحث عن مجد الإنسان

ودَّعت الثقافة العربية والإسلامية آخر علمائها الموسوعيين البروفيسور العلاّمة عبد الكريم اليافي، الذي رحل عن دنيانا يوم السبت الحادي عشر من شهر تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٨م عن عمر يناهز التسعين عاماً، وهو الرجل الذي اشتهر بكونه مجموعة علماء في عالم واحد، فقد درس منذ الثلاثينيات من القرن الماضي عدة اختصاصات علمية وأدبية في وقت واحد، درس الطب في الجامعة السورية، ثم انتقل موفداً في بعثة علمية لدراسة الرياضيات والعلوم الطبيعية والفيزياء في جامعة السوربون أواخر الثلاثينيات، وقد انتسب إلى كلية الآداب فيها ليتخرج من الكليتين معاً عام ١٩٤١، وحيث نشبت الحرب العالمية الثانية انقطعت عنه المعونة الدراسية، وصارت العودة إلى سورية صعبة المنال، فذاق المرارة والفقر، ولم يكن أمامه سوى أن يغرق في بحر العلم ويصطاد منه النفائس، فقد انتسب في وقت واحد إلى عدد من كليات الجامعات الفرنسية، فدرس علم المنطق، ثم علم النفس، ثم علم الاجتماع والأخلاق واختص في علم السكان ثم في تاريخ العلوم، ثم انكب على دراسة الفلسفة، وتخصص في علم الجمال والفن، ونال في هذه العلوم المتنوعة أعلى الشهادات الجامعية، وعدد منها شهادات دكتوراه دولة، وعاد إلى بلده سورية ليعمل أستاذًا في الجامعة فينهل آلاف الطلاب من علومه المتنوعة ومعارفه الغزيرة.
ولقد عرفت أستاذنا اليافي منذ ثلاثين عاماً ونيف، وكانت لي صلة خاصة به حين كنت أعمل في التلفزيون، وأعدّ وأقدّم البرامج الثقافية، فقد استضفته وحاورته في عدد كبير من تلك البرامج التلفزيونية، ولكن الطريف في صلتي معه أنني كنت ألجأ إليه حين تواجهني مشكلة اعتذار ضيف حلقة ما قبيل البث على الهواء بوقت قصير، فلا أجد منقذاً أفضل من اليافي، فكنت أتصل به وأقول له بما بيني وبينه من مودة: كم دقيقة تحتاج كي تكون عندي في التلفزيون؟ ويفهم أنني بحاجة إلى من يسد غياباً، فيضحك ويقول: متى موعد البرنامج؟ أقول معنا نصف ساعة، ولايسألني اليافي (رحمه الله) عن موضوع الحلقة فهو جاهز ومستعد ولا يحتاج إلى أي تحضير ولا سيما في موضوعات الأدب والنقد والتاريخ، وتصدق عليه مقولة القدامى: (العلم في الصدور وليس في السطور).


د. رياض نعسان آغا

بقلم: الإعداد والتوثيق الدكتور علي القيّم

تصنيف 2.63/5 (52.65%) (98 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟