مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

الآخر في الثقافة العربية

حظي الشرق الأقصى بنظرة إيجابية من العرب، وبموقف يخلو من التعالي والعداء، فإذا استثنينا ما حملوه من صور غائمة عن أطراف هذا الشرق المحاذية للعالم غير المعمور من الأرض، في الشمال بشعوبه الغارقة في المجهول، وفي الجنوب في أعماق المحيط وجزره الغائمة، فقد تراءت الهند والصين للعرب، على أنهما في صدارة هذا الشرق وواجهته، والمملكتان الراسختان الموحدتان والمستقرتان منذ زمن بعيد، وهو ما أهلهما لتصبحا، من وجهة نظرهم، من أهم مراكز العمران والحضارة في العالم، فلم يبخلوا عليهما بشتى صنوف الإطراء، إذ ميّزوا ما بين هذين المركزين الحضاريين وجيرانهما في الشمال، أو في عرض المحيط الهندي في الجنوب.
 نظروا إلى «الشرق الأقصى» من الزاوية الجغرافية والحضارية، كمنطقة تحتل الزاوية الشرقية من العالم المعمور تحيطها البحار من الشرق والجنوب، والبراري القفراء، التي تسكنها شعوب مجهولة في الشمال، ويحدّها من الغرب دار الإسلام، وعلى هذا تبدو مقسمة إلى ثلاث مناطق كبرى، تحتل الصين والهند منطقة القلب الجغرافي والحضاري، وشعوب يأجوج ومأجوج، والترك في المنطقة الشمالية، أما الثالثة فتحتلها عوالم المحيط الهندي وجزره المتناثرة حتى نهايات الربع المعمور من الأرض، فكلٌ من الصين والهند وما يحيطهما من عوالم، باستثناء الحدود  مع دار الإسلام، يلفّه بعض الغموض، الناجم أكثر الأحيان، عن حدود «المعرفة العربية» بتلك العوالم، وهو ما أفسح المجال لتحليق المخيلة - لملء هذا الفراغ المعرفي، أو لاقتباس الأحكام الجاهزة ممن سبقهم، ولا سيما التصورات البطليموسية، وفكرة الأقاليم الفلكية ومُتخيّلها عن حدود العالم المعمور، وتأثيرات تدرج الحرارة والبرودة تبعاً لبعد البلدان وقربها من خط الاستواء.
وعلى هذا الأساس، فإننا سنتعرف على المُتخيل العربي لأناس الشرق الأقصى استناداً على الحدود الذهنية والتخيلية والتقسيمات الجغرو - حضارية الثلاثة التي أخضعوا (الشرق الأقصى) لها، فهناك المسرح الحضاري الصيني والهندي المترامي الأطراف في قلب هذا الشرق، وفي نقطة ارتكازه الكبرى، ويتبع ذلك عالم المحيط الهندي وجزره المترامية الأطراف، الممتد جنوب الهند والصين كبرزخ يفصل بين الهند والصين والعالم المغمور، وهناك شعوب الشمال جيران البلدين الكبيرين، والحد الفاصل ما بينهما وبين الأرض اليباب للعالم المغمور.

بقلم: شمس الدين الكيلاني

تصنيف 2.68/5 (53.59%) (153 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟