مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

محمد الماغوط العاشق المتمرد

في عام ١٩٦٠، كنت عاطلاً عن العمل. وكانت العروبة نفسها عاطلة عن العمل، ويا ليتها ظلت كذلك.. وكنت حينذاك ضيفاً على مجلة "شعر" وأسرة التحرير كلها ضيفة على صاحبها يوسف الخال. ويوسف الخال ضيفاً على شارع السادات في رأس بيروت. في هذه الأثناء حل بدر شاكر السياب (بأناقته المعروفة) ضيفاً على الجميع، وهو يمشي قدماً في الشرق وقدماً في الغرب بسبب تباشير الروماتيزم في ركبته ولما كان بريئاً وساذجاً ولا يعرف أن يتحرك بمفرده فقد كلفني يوسف الخال بمرافقته طول إقامته هناك، وأوصاني وهو يسلمني إياه: لا تعذبه، إنه شاعر كبير.

ومن أول المشوار توطدت عرا الصداقة فيما بيننا، خاصة بعد أن أهداني في لحظة انفعال "كرافيت" من نوع سيلكا أو سمكا، لم أعد أذكر، عربوناً على صداقتنا الأبدية، وبدأت مهمتي في اطّلاعه على الحياة الثقافية في بيروت فأخذته من ذراعه وقلت له: هذا هو الشارع الفلاني، وهذه هي السينما الفلانية. في هذا المطعم يجلس أركان الناصريين ليهاجموا القوميين. وفي هذا المطعم يجلس أركان القوميين ليهاجموا الناصريين والشيوعيين. وفي هذا المقهى يجلس أركان مجلة "شعر" ليهاجموا الجميع، متخذاً كل واحد منهم أفضل طاولة وأفضل واجهة من الصباح إلى المساء على فنجان قهوة وخمسين كأس ماء بنصف ليرة. وعند هذه الزاوية بالذات سحبني صاحب المقهى من يدي وقال لي: إما أن تخلصني منهم، وإما أهدم المقهى وأحوله إلى محل لبيع الشاورما، كرمى ليوسف الخال وشعره الحديث.

وكان بدر يضحك كالأطفال من هذه المعلومات، وكنت بدوري أكثر سعادةً منه وأنا أقوم بمهمتي خير قيام لصالح الشعر والحرية حسب مفهومي. ولكن ما إن انتهينا من الشوارع العريضة والمناطق السكنية، وبلغنا منطقة الأسواق التجارية والشوارع المزدحمة بالواجهات والمتفرجين، حتى أخذت بعض المتاعب تواجهني في مرافقته.. فقد اكتشفت أن المسكين لا يستطيع التسكع كالمراهقين أكثر من عشر دقائق أو ربع ساعة.. بعدها يأخذ في الترنّح والدوران حول نفسه وحول مرافقه، ولذلك كنت أجده في لحظة على يميني وفي اللحظة التالية على يساري. وعندما لا يجد مرافقه إلى جواره، يدور حول أي شيء، حول عمود كهرباء أو شرطي سير، أو حول نفسه. ويتابع طريقه وحديثه عن الشعر الحديث والشعر القديم. وفي باب إدريس حيث رافقته لشراء بعض الهدايا "لأم غيلان" أتعبني أكثر من ثلاثة صفوف في سن الحضانة، إذ ما إن يمر بزقاق أو زاروب فرعي حتى يترك طريقه الأصلي ويسلكه، وما إن يرى أي باب مفتوح حتى يدخله. باب دكان أو باب مستودع، ويتابع حديثه عن صلاح عبد الصبور وعمر أبو ريشة.

لكن في الأمسية الشعرية التي أحياها مساء في بيروت، انقلب إلى شخص آخر لم أعرفه ولم أرافقه خطوة واحدة من قبل. حتى أنني عندما رأيته يحدق بالحضور فرداً فرداً بكل ثقة وثبات، خفت منه، وانتقلت من الصف الأول إلى الصف الثامن أو التاسع. ومن هناك أخذت أراقبه، كان كل ما فيه كبيراً. قلبه، موهبته...

بقلم: د. علي القيّم

تصنيف 2.41/5 (48.17%) (93 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟