مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

العرب والمستقبل إرهاصات وعي نقدي عربي محتمل

لا يدخل التفكير في المستقبل، بالنسبة للإنسان العربي، ضمن الترف الفكري، وهو ليس مجاراة لما تقوم به البلدان المتقدمة بينما ترسم مصائرها، وربما مصائرنا، وتحدد معالم وجودها الأبرز في عالم الغد. التفكير في المستقبل يغدو أكثر إلحاحاً في مجتمعات تشكو من شدة الانهماك في الماضي وثقل الذاكرة التاريخية والحضور القوي والضاغط للتراث. صحيح أن الزمن ثلاثي الأبعاد، وأن معرفة المستقبل تتطلب فهم الماضي وإدراك الحاضر، لكن من الصحيح أيضاً أن الغرق في الماضي، أو التبعثر في الحاضر دون أفقٍ لا يساعد في بناء المستقبل. ومع أن الاهتمام بالمستقبل قد شغل الناس منذ أقدم العصور، فكانت "الكهانة" و"العرافة" وقراءة الكف والطالع والتبؤ بالمجهول، إلا أن ذلك بقي في إطار الوعي الغيبي والاسطوري بالعالم، ولم يتحول إلى ميدان علمي له معارفه وقوانينه، إلا منذ فترة قصيرة نسبياً، حيث يمكننا اليوم الحديث عن "علوم المستقبل" أو "المستقبليات" " Future Studies" التي تعمل على إستشراف المستقبل عبر اجتهاد علمي منظم يهدف إلى صياغة مجموعة من التنبوءات المشروطة والتي تنطلق من بعض الافتراضات، الخاصة حول الماضي والحاضر، لاستكشاف إمكانية دخول عناصر مستقبلية على الظواهر المعنية في التحليل. بهذا المعنى نميّز بين التنبؤ الغيبي والتنبؤ العلمي، فالأخير لا ينبع من فراغ ولا يأتي تلبيةً لميول ورغبات، بل ينجم عن فهم نواميس الكون وأحكامه مستعيناً بالاستنتاج والاستقراء والحدس "Forsight"، وقبل ذلك بالتجربة ونتائجها القابلة للقياس والتعليل.

بقلم: د.كريم أبو حلاوة

تصنيف 2.45/5 (49.07%) (108 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟