مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

أنطون مقدسي الأستاذ

لقد كان "الأستاذ" أنطون مقدسي، كما قال عنه سعد الله ونوس: "فاعل في تاريخه، وشاهد عليه في آن واحد، ولهذا فإن الأفكار المجردة لا تستغرقه، وسرعان ما يتجاوزها إلى الوقائع، إلى ذكرياته، والآلية الخفية التي صاغت تاريخنا المعاصر، وواقعنا".

من عرف "الأستاذ" عن قرب، يدرك جيداً، أنه كان متجدداً في أفكاره وآرائه وطروحاته وآفاقه في مختلف الشؤون الفكرية والثقافية والحياتية.. لقد أمضى حياة سقراطية في الكتابة والقراءة والتفكير والنقاش والسؤال والجواب.. مشروعه الثقافي، كما قال عنه، عباس بيضون: "كان الثقافة نفسها بلا حاجز، ولم يضع المقدسي كتاباً، كان كتابه مكنوزاً فيه، بل كان في نفسه كتاباً مفتوحاً، ومن حضره قرأ واستزاد وسأل وتلقى جواباً، من حضر وسمع فكتاب المقدسي في رأسه، بل إن رأسه كتاب الكتب، وأما وقد رحل فإن التراب الذي يحويه سيحوي مكتبة ومحاكمات وخرائط فكرية وعوالم وخطابات.. سيحوي مشروعاً، بل مشاريع ثقافية كاملة، فالرجل كان يجمع في حديث واحد أفلاطون وهيديغر بارب وبيكاسو وشوينبرغ وأدونيس، والذي كان ليله ونهاره يعلّم حق التعليم، ويمنح أفكاره لكل طالب".

   كانت الثقافة بالنسبة له عقل المجتمع وسلوكه ومساره، لذلك آثر الطريقة السقراطية، أن يعلِّم ويتعلّم ويتساءل ويفكر في الهواء الطلق، والعلن والملأ.. لقد فعل ذلك بوفرة وزرع أسئلته وأفكاره حيث استطاع، ففتح بذلك أمام الفكر آفاقاً وإمكانات للتحليل والتأمل واستجلاء الأفكار.. الفكر بالنسبة إليه لا شرق ولا غرب، فثمة فكر أو لا فكر، صحيح إن الفكر ينبثق من الواقع ليجيب عنأسئلته، ولكن سرعان ما يتخطاه ليفتح أمام مشكلاته آفاقاً جديدة، ويشق للعمل طرقاً غير معبدّة، ولولا هذا لما كان علينا اليوم أن نقيم حواراً مع ماضينا ومع ماضي الأمم الأخرى، فنطلب من أرسطو وابن خلدون، ومن أفلاطون وابن رشد الجواب عنتساؤلاتنا..

بقلم: د. علي القيم

تصنيف 2.48/5 (49.5%) (120 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟