مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

الحـوار أولاً.. الحوار دائماً..

لعل من أبرز ما ميز أكثر المجتمعات العربية عموماً في نصف القرن الأخير اشتداد وتسارع تغييب الناس عن المصير العام للوطن والأمة إلى مدى غير مسبوق، على الرغم من مظاهر خادعة مفتعلة تزعم العكس. لقد تفاقم الأمر في العديد من المجتمعات العربية فأفرز هذا التغييب الذي كثيراً ما كان متعمدا ضمورا شديداً في الإحساس بالانتماء أو الاستعداد للالتزام بتبعاته. وقد تلاحق افتعال أزمات معيشية تحصر همّ المواطن بلقمة خبز، وإطلاق حملات غسل أدمغة تتضافر فيها غواية ورشوة مع قمع وامتهان كرامة، بحيث يحصر خيار العامة بين نفي أو موت جوعاً أو ولاء أعمى!
برع كثيرون في صفوفنا باستسهال إلقاء المسؤولية على عدو خارجي معلن أو خفي، بينما يستسهل آخرون إلقاء المسؤولية على أجداد ماتوا منذ قرون، وكأنما قد توقفت الحياة عند هؤلاء، أو كأنما هم لم يرحلوا عن عالمنا إلا بعدما  أخذوا معهم إرادتنا وفاعليتنا وفرص التصويب والتطور لدينا. من ذلك مثلا رد معظم هزائمنا وتقصيرنا وفشلنا إلى ما فرضه سلاطين منذ قرون طويلة من وقف الاجتهاد لصرف العامة عن محاسبتهم ومساءلتهم عبر تحويل الدين إلى فرع صغير في مؤسستهم السلطوية يتولاها موظفون معممون بارعون في إطلاق فتاوى معلبة جاهزة تناسب مزاج السلطان وتقلباته ومصالحه، وتبرر ما يرتكب هو وحاشيته والمنافقين المنتفعين حوله من جرائم وموبقات وتفريط وتقصير. وهكذا تناقلنا تحريم الاجتهاد جيلا في إثر جيل، أو تذرعنا به، وتوارث محتكرو الوصاية السلطوية على الدين بدورهم هذا السلاح يشهرونه في وجه كل صاحب رأي لا يريح أولياء نعمتهم من أولياء الأمر الواقع. جوهر المشكلة هنا هو خفة استسهال هذا التذرع بديلا للتصدي لمن يعطلون العقل الفردي والجمعي، والالتزام بآيات القرآن الكريم التي حض معظمها كل الناس على التفكر والتدبر والتبصر وتحمل المسؤولية الفردية والجمعية، وطرح الآراء المناقضة لما توارثه خدم السلاطين، والتي تعتبر الاجتهاد فريضة كفائية دائمة مفتوحة إلى يوم الدين، وواجبا على كل مسلم، بحيث يجتهد في حدود طاقته وقدراته لفهم الشريعة، ولترك التقليد الأعمى لأي كان، عملا بتكليف إلهي واضح متكرر في نصوص آيات القرآن الكريم جعل الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها، وهو ما أكده النبي محمد (ص) بقوله "من اجتهد رأيه فأصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد ". قال الإمام ابن حزم في هذا الصدد مثلاً: "لا يحل لأحد أن يقلد أحداً، حياً ولا ميتاً، وكل أحد له من الاجتهاد حسب طاقته... من ادعى تقليد العامي للمفتي فقد ادعى الباطل وقال قولاً لم يأت به نص قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل لأنه قول بلا دليل.. وليعلم كل من قلد صاحباً [ من الصحابة ] أو تابعاً [ من التابعين ] أو مالكاً أو أبا حنيفة أو الشافعي أو سفيان أو الأوزاعي أو أحمد ابن حنبل أو داوود رضي الله عنهم، أنهم يتبرءون منه في الدنيا والآخرة ". هذا قول ينسجم تماماً مع ما ذهب إليه القرآن من حض على حسن استخدام قوى الوعي الذاتي الفردي (السمع والإبصار والأفئدة) وتحمل المسؤولية الفردية والجمعية ونفي دور الوسطاء بين المرء وخالقه.

بقلم: د. خير الدين عبد الرحمن

تصنيف 2.56/5 (51.19%) (168 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟