مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

التوأمان (أمـي وسورية)

تجربةً واقعيةً تظهِرُ تلازمَ القيمِ

 الأخلاقية الفردية مع القيمِ الوطنية

 

أضافت الكاتبة سهام يوسف إلى مكتبتنا السورية والعربية كتاباً تربوياً جديداً روت فيه معاناتها الشخصية، وهي في بلد الاغتراب، من محنتين جاءتا معاً، الأولى قضية شخصية هي مرض والدتها التي فارقت الحياة، رحمها الله، والثانية قضيةٌ وطنية هي المأساة التي ألمت بوطنها سورية، وأصابت نسيجه الاجتماعي وبنيته التحتية وهويته الحضارية بضررٍ كبيرٍ، وقد تداخلت هاتان المحنتان معاً وكأنهما توأمان لا ينفصلان من وجهة نظرها.

وتروي لنا الكاتبة الأحداث الواقعية التي مرت عليها في هذه المواجهة، وسمات الأشخاص الحقيقيين الذين قابلتهم وسلوكهم، وذلك بأسلوب واقعي عاطفي يجعل القارئ يعيش الحدث معها ويذرف الدمع متأثراً في عدد من المواقف. مثل هذا الأسلوب في التركيز على كل ما هو مضيء يجعل القارئ يرغب في تبني كل ما هو إيجابيٌ وصحيحٌ في هذه الرواية، وهذا هو بيت القصيد من كتابة الرواية الواقعية وفق المنهج التاريخي الاجتماعي الذي يعد من أفضل  المناهج التربوية المتبعة في كتابة الرواية، لأن هدفه هو تمثل شخصية المواطن القدوة الذي يحب أسرته وأقرباءه وأصدقاءه وموطنه ويضحي من أجلهم إذا ما تطلب الموقف ذلك .

وليست هذه هي المرة الأولى التي أتحفتنا فيها الكاتبة في اختيار هذا المنهج وهذا الأسلوب الواقعي في الكتابة، فقد استخدمته عدة مرات في مقالاتها ورواياتها، وكانت أبرزها الرواية التي نشرتها في موقع «الرأي السوري» بعنوان «جدتي خاتون... حكاية الشجون»، والتي ضربت رقماً قياسياً في عدد زوار الموقع الإلكتروني «الرأي السوري»، حيث وصل عدد هؤلاء إلى خمسين ألف زائر مع تعليقاتهم ، وبهذه المناسبة يهدي الموقع الحضور الكرام نسخة من هذه المقالة مع التعليقات عليها.

ففي كتابها الحالي «التوأمان أمي وسورية» قدمت لنا الكاتبة والدتها المرحومة كما كانت تراها بسمات الكمال «سيدة الأناقة، وملكة النظافة، وأميرة المطبخ... هي كنحلة معطاء.. تنظّم الأوقات... ترتّب الأشياء.. تغمرها سعادة الحياة»، وهي بهذا الوصف الجميل تفجّر في ذات كل امرأة تقرأها رغبة كامنة في أن تكون أماً بالصفات نفسها، وهكذا تكون الكاتبة قد حققت غرضها التربوي الشخصي.

وفي التوجه الواقعي نفسه قدمت لنا إخوتها الستة، وهم، على الرغم من ظروف الحياة الصعبة التي جعلتهم موزعين على ثلاث قارات في أمريكا وأوروبا وآسيا، على تواصل دائم وتعاون وتآزر وطيدين وكأنهم لا يزالون في أسرة واحدة، مولّدة في نفس القراء رغبة الاقتداء بهؤلاء الإخوة، وبذلك تكون الرواية قد حققت غرضها التربوي العائلي.

كما قدمت لنا أصدقاءها الحقيقيين بسمات التعاون والإخلاص إلى حد اعتبارهم إخوة لها، وذكرت على سبيل المثال أختها د. بثينة شعبان، وأخاها أبو نورس الذي وصفه أخوها الأكبر بقوله «نحن ستة إخوة وسابعنا أبو نورس سمير وسوف»، وهذا الأسلوب في التعامل مع الأصدقاء يحرض فينا نحن القراء الرغبة الكامنة في الحفاظ على أصدقائنا وتمتين صداقتنا معهم، وبذلك تكون الرواية قد حققت أيضاً غرضها التربوي الاجتماعي.

ومن خلال سلوك المؤلفة، كما جاء في صفحات الكتاب، رأينا فيها الابنة المحبة والوفية والمطيعة لوالدتها، فهي تقبّل يدها، وتنفذ لها رغبتها من دون نقاش، وتقدم لها كل مساعدة شخصية ممكنة، وتسعى إلى تنفيذ وصيتها، وهكذا حرضت فينا نحن القراء رغبة الاقتداء بها.

أما عن وطنها سورية فقد قدمت لنا صورة ارتباط المواطن بوطنه كما العاشق الذي يتغنى بحبيبته.. فعشق سورية، كما تقول، يسري في الدماء وهو موروث تتناقله الأجيال.. وبسبب أحداث الأم سورية لم تعد الكاتبة تتحدث مع الإخوة والأصدقاء بشؤون عائلية، ولم يعد يخطر لها أن تذهب في إجازة للاستجمام والراحة، فقد صادر وضعُ أمها والحربُ في بلدها تفكيرها تماماً، فهما محور اهتمامها وأفق خيالها حتى أصبحت تحلم بهما.. فسورية العظيمة، كما تقول، يجب أن تبقى حيةً تؤدي رسالتها الإنسانية لجميع البشر.. ألم يدفع هذا القول من يقرأه إلى الاعتزاز بالانتماء إلى وطنه سورية والتضحية بكل غال ورخيص من أجلها، وهذه قيمة وطنية أخلاقية عليا تحاول الكاتبة غرسها في النفوس.

وختمت الكاتبة كتابها بضرورة الاستعانة بالله في المحن بقولها: «رحمك الله يا أمي وحماك الله يا سورية».

أما معارف الكاتبة سهام يوسف فيقولون عنها «إن ما تكتبُه تعيشُه، مجسدةً إياه على أرض الواقع، فهي كالوردة الشامية يفوح عبق أريجها في البستان الذي تنبت فيه».

د. رزق الياس

 

بقلم: سـهام يوسـف

تاريخ الإصدار: ٢٠١٦

تصنيف 1.75/5 (35%) (16 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟