مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

مجاز العلم

يرى خورخي لويس بورخيس "Jorge Luis Borges" أن تاريخ الأدب هو تاريخ قراءة الأدب، ففي القراءة اهتمام جمالي، ومتعة أدبية؛ لذا كان يفتخر بالصفحات التي قرأها، لا الصفحات التي كتبها. فلا يتحقق وجود الأدب إلا بالقراءة. إنها تُخرج الأدب من مرحلة التكوّن إلى مرحلة التحقق.

ويعدّ فعل القراءة الأدبية فعلاً مسؤولاً، ويمكن أن نقول إن الأدب يتطور في منطقه الداخلي من جهة، ويتفاعل في تطوره مع القراءة من جهة ثانية. فالقارئ صانع للأدب؛ لأن القراءة ليست فعل تلقٍّ فقط.

ونحاول في هذه الدراسة أن نقرأ أدب الخيال العلمي برؤية مختلفة، منطلقين من جملة فرضيات منها: أن بلاغة العلم تقابل بلاغة الأدب، وأن الخيال هو الذي يصنع العلم، والمجاز طريقة تفكير، فالعالِم والأديب يفكران بالمجاز، لكنَّ الأديب يجدد آفاق البحث العلمي، ويوسّعها. وقد تقاربت المسافة بين العلمي والأدبي في عصرنا الحالي، وتغير مفهوم العلم، وأصبح لزاماً علينا إعادة تأسيس مفهوم الشعرية انطلاقاً من روح العصر، فكان اختيار عنوان «مجاز العلم» توسيعاً لهذا المفهوم، وتأكيداً لإلغاء فكرة الحد العلمي الصارم، والحد الأدبي، ودمجاً للحقول العلمية بالحقول الفنية؛ إزالة للفجوة المعرفية، والجمالية بين العلم والأدب؛ لأن كليهما يمثل تصوراً تخييلياً منزاحاً عن العلاقات المعهودة سابقاً. فالأدب والعلم رياضيات، الأول رياضيات وجدانية، والثاني رياضيات تجريبية، مما يعني أن الميدان الذي يعمل فيه العلماء والأدباء ظاهره العلم، وباطنه الخيال؛ لذا قال الشاعر ويليام وردزورث "Willia Wordsworth" إن الشعر هو المنظور النفسي لحقائق العلم، فقد قدّم الواقع العلمي الجديد تصورات متعددة ومختلفة للكون، والزمن، والمكان، والمادة، والطاقة، وطبيعة الإنسان، والفضاء، والكائنات غير المرئية، فتقلصت المسافة بين المجهول السابق، والمجهول الحالي؛ لذا نحن في حاجة إلى تأسيس مجاز علم، ونظرة جديدة إلى الخيال، تستوعب الوعيين الأدبي والعلمي على حد سواء. ويطالب بعض الفلاسفة في عصرنا الحالي بضرورة إدخال تاريخ العلم، ووجدانات العلماء ضمن نظريات العلوم المعاصرة كالفيلسوف الأمريكي المعاصر «بول كارل فيرابند» "Paul Karl eyerabend".

  وقد اعترضتنا مشكلة في سياق البحث في أدب الخيال العلمي، فالذائقة العربية لم تهتم بأدب الخيال العلمي، ولم ينل حقه من أقلام النقاد، فكثير منهم يعرض عنه، ويوجّه إليه سهام النقد؛ لأنهم يعاملون رواية الخيال العلمي بأدوات نقد الرواية الأدبية العادية. كما أن الوعي بضرورة تأسيس وعي علمي، وتكنولوجي، وفلسفي في بنية الثقافة العربية لا يزال محدوداً.

إننا في حاجة إلى مناهج تجمع بين معطيات المنهج العلمي والتكنولوجي والفلسفي من جهة، وتداخل العلوم والآداب من جهة أخرى، فلا نزال إلى الآن نفتقد تأصيلاً نقدياً عربياً لمصطلح الخيال العلمي، وأدبه.

  ولم تتوقف الدراسات السابقة التي تناولت أدب الخيال العلمي -في حدود ما توصلنا إليه- عند البحث في شعرية هذا الأدب، وثقافة الصورة، وتداخل العلم والأدب بطريقتين: نظرية، وتطبيقية. فيتجاوز مجاز العلم رواية الخيال العلمي؛ ليصل إلى الشعر والقصة والمسرح، لكننا آثرنا تضييق ميدان العمل إلى أدب الخيال العلمي: رواية، وقصة.

وأدب الخيال العلمي أدب حديث النشأة، يحتاج إلى قراءة فاعلة تكشف جوانب الإبداع، والجمال فيه بغض النظر عن إعراض كثير من النقاد عنه بحجة الضعف الذي يعتور بنيته، وسطحية لغته، وشخصياته. فقراءتنا أدب َالخيال العلمي من منظور مجاز العلم تؤكد خصوصية خطاب هذا الأدب، وتعاليه. وقراءتنا لغوية، لا تبتعد عن الصياغة اللغوية بقدر ما تعود إليها كاشفة عن ظواهرها الإبداعية، محاولين الابتعاد قدر الإمكان عن الأحكام الانطباعية، والتقييم الذي يمكن أن يدخل في قراءات أخرى تعتمد القيمة وسيلة في تقديم الخطاب إلى المتلقي.

إننا في عصر الانفتاح على التيارات الغربية النقدية أمام واقع نقدي جديد، فيه وحدة في التركيز على الخطاب الأدبي، وفي الوقت نفسه فيه تنوع في المقاربات النقدية، وتعدد المداخل إلى هذا الخطاب.

واختيار مجاز العلم لمقاربة أدب الخيال العلمي ينجم عن فرضية حاول البحث إثباتها، تقوم على أن تمازج الخطاب العلمي بالخطاب الأدبي في أدب الخيال العلمي أدّى إلى تكامل المتضادين، فاتسمت الرواية العلمية بالمجاز، فالعلم قائم في أساسه على المجاز.

وقد وجدنا أننا أمام تشابك مصطلحات مثل: مصطلح الخطاب، والعلم، والمجاز، والشعرية. وهذه المصطلحات -على الرغم من اختلافها- تفرض توفيقاً بينها. فمصطلح الخطاب يفترض وجود مبدع، ومتلقّ، وحضور المبدع في أدب الخيال العلمي حضور قوي لدرجة أن الشخصية الأساسية تقول على لسانها ما يريد المبدع أن يقول، وكأنه حوّل نفسه إلى شخصية في روايته. أما المتلقي فوجوده أساسي في قراءة أي عمل أدبي، وبه نقيس رد الفعل.

ووجدنا أن هذا الخطاب قد اتسم بالشعرية، وتعني دراسة الشعرية تتبع الأمور التي تؤدي إلى ولادة عمل أدبي، وهي أمور تنجم عن داخل العمل الأدبي، تتحرك في الخطاب بطريقة واعية، فتكون اللغة في هذه الحال وسيلة، وغاية.

وقد عمدنا إلى القراءة التأويلية إيماناً منا أن المناهج كلها تفضي إلى التأويل في النهاية، وبخاصة أن أدب الخيال العلمي مثقل بالعجائبيات التي تحتاج إلى تأويل، وبالبعد السياسي، والإسقاطات، وهو أمر يسمح للدوال بالتخلص من دلالاتها المعجمية، والأخذ بدلالات جديدة تناسب تجربة الكتابة الخاصة في هذا الأدب.

وتترافق هذه العملية بقصد من قبل المبدع، منشئ الخطاب، الأمر الذي يحوّل المتلقي إلى متذوق للأدب، وناقد له، فيخلق حواراً بين النص ومجموعة التقاليد النقدية الموروثة، ويستمتع باكتشاف الفريد، والجديد في هذا الأدب.

إن اتسام أدب الخيال العلمي ببعض سمات الشعرية يؤكد التحام العلم بالمجاز، وخصب هذا الأدب، وامتلاءه بالمظاهر التي تضفي عليه خصوصية يحقق بها استقلالاً مضمونياً وشكلياً عن غيره، ونحن بحاجة إلى أدوات نقدية جديدة نتعامل بها معه بعيداً عن قدح الرافضين، وإنشاء المعجبين. ولا يتم ذلك إلا بالانفتاح على التيارات النقدية الوافدة مع عقد مصالحة بينها وبين موروثنا النقدي؛ لكي يتم التوافق مع خصوصية الخطاب في أدب الخيال العلمي.

-٢-

وتبدأ القراءة النقدية بباب نظري، قسّمناه إلى ثلاثة فصول. تحدثنا فيه عن مجاز العلم في روايات الخيال العلمي نظرياً. وكان الفصل الأول بعنوان «أدب الخيال العلمي ومجاز العلم» رصدنا فيه تاريخ الكتابة في أدب الخيال العلمي، ثم بحثنا في حدود هذا الأدب، وركائزه، ووجدنا أنه يتحرك في مستويين: مستوى صياغة المعلومات العلمية، ومستوى الصياغة الأدبية المنحرفة بطاقاتها الإيحائية؛ لذا انطلقنا من فكرة أن أدب الخيال العلمي يتجاوز المصالحة بين العلم والأدب، ثم بحثنا في اتجاهات أدب الخيال العلمي، وثيماته، وفرضياته، والتقائه الأدبَ العجائبي والغرائبي والبعد الأسطوري، ووصلنا إلى أنه أدب صناعة الأحلام، أدب اغتراب تأملي، له جملة وظائف، وبحثنا في علاقته بالثقافة العربية، ثم كان حديثنا عن العلم والمجاز تحقيقاً للفرضية الأساسية، وهي أن العلم ذو طبيعة مجازية، فبحثنا في طبيعة العلم، وطبيعة الأدب، ووجدنا أن المجاز قاسم مشترك بينهما، فالخيال أول العلم، والعلم على علاقة وثيقة بالخيال، فكل اكتشاف علمي سبقه خيال، والحديث عن علاقة العلم بالخيال اعتراف ضمني بعلاقة العلم بالأدب.

ويأتي الفصل الثاني بعنوان «شعرية الكتابة في أدب الخيال العلمي» تأكيداً للحديث عن مجاز العلم، وعلاقة العلم بالخيال. فالحديث عن الشعرية حديث عن تداخل الأجناس الأدبية وغير الأدبية.

وقد بحثنا في علاقة الشعرية بسؤال الجنس الأدبي الذي ينضوي تحته أدب الخيال العلمي، وتحدثنا عن شعرية العلم، فيتجه أدب الخيال العلمي نحو شعرية العلم، ويقدم بلاغة جديدة تقوم على الانعتاق من الالتزام بأية قواعد كتابية، أو لغوية سابقة، موظفاً الحكائي، والرمزي، والإيديولوجي، والسياسي، والعجائبي في خطاب قائم على الاختلاف والتعدد. ويعدّ الخطاب العجائبي أبرز ركائز الشعرية في أدب الخيال العلمي؛ لأنه تحليق في الخيال، لكنه خطاب خيالي له واقعيته الخاصة، فهو يعبر عن هموم الواقع، ومشكلاته بالخيال، ثم كانت مسافة التوتر بين الضدين: العلم/ الأدب التي تحدث فجوة هي شرط أساس للشعرية، ووجدنا أن النسق اللغوي قد اتسم بالمجاز، والإيحاء، والاستعارة، والمفارقة، والصدامات الدرامية، وخصوصية استخدام الضمائر. كما توصلنا إلى أن رواية الخيال العلمي قامت على الوصف والتصوير في تقديمها عالمَ الكواكب، وأعماق البحار، وباطن الأرض، وهي أمور تجنح بالنص إلى الشعرية.

ويقوم الوصف، والتصوير على أساس ثقافة الصورة التي يؤولها كل متلقٍّ على وفق أفقه الفكري، فكان الفصل الثالث بعنوان «ثقافة الصورة وفائض المعنى»، فوجدنا أن أدب الخيال العلمي أدب الصورة، فيؤدي مزج الخيال بالعلم إلى ظهور نص يتمثل الصورة تمثلاً إبداعياً، فيبدو هذا الأدب تفكيراً بالصورة، لغته أيقونية، تقدم تصورات لعوالم خيالية، وتوصّلنا إلى أننا يمكن أن نتحدث عن كاتب أدب خيال علمي، وصانع أدب خيال علمي في الوقت نفسه، فثمة صانع صور ذهنية، وثمة تراسل بين الفنون كالكتابة والرسم والتصوير، وثمة علاقة بين وجهة النظر في الأدب، وفكرة المنظور في التصوير.

ولأننا اعتمدنا المنهج التأويلي منهجاً أساسياً في الدراسة تحدثنا عن فائض المعنى، وتوصلنا إلى أن رواية الخيال العلمي تنتج فائض معنى بتقديمها شبكة من العلاقات البصرية، والخيالية، والنصية في فضاء الرواية.

-٣-

  أما الباب الثاني فاشتمل على دراسات تطبيقية تعزز الفكرة التي قام الكتاب عليها، وهي أن أدب الخيال العلمي قائم على مجاز العلم، فتم اختيار خمسة أعمال أدبية بين رواية وقصة للروائي السوري طالب عمران.

وقد كان انتقاء هذه الأعمال انتقاء قصدياً يؤكد فرضية الدراسة، فلا ننكر وجود أعمال تنضوي تحت أدب الخيال العلمي لا تتحقق فيها هذه الفرضية تحققاً كاملاً، كما لاحظنا وجود خلط بين قصة الخيال العلمي والقصة العلمية، وحاولنا توضيح الفرق بينهما في متن الدراسة النظرية.

وآثرنا اختيار المصطلح النقدي الذي تفرضه طبيعة رواية الخيال العلمي، أو قصة الخيال العلمي، وخرجنا في كل فصل بنتائج تؤكد فرضيتنا، وتنطلق من النص نفسه.

وحمل الفصل الأول عنوان «خصوصية الخطاب في رواية البعد الخامس» وقد حاولنا التفريق بين الخيال العلمي والخيال الأدبي، والعلم والخيال العلمي، ورواية الخيال العلمي والرواية العادية، وأدب الخيال العلمي والخرافة والأدب العجائبي.

ثم تحدثنا عن رواية البعد الخامس، وتقنيات الخطاب الروائي، ووجدنا أن الراوي شخصية أساسية في الرواية، وقد نظم الراوي السرد برؤيته، وقدم الأحداث والشخصيات مستخدماً تقنيات سردية في صياغة الحدث الروائي، وقد يتراجع الراوي لبعض الوقت في هذه الرواية، ويصبح مروياً له، فيذوب السارد في المسرود، ويعبر عن وجهة نظر خاصة.

وقد بني الحدث في هذه الرواية بناء عقلياً واضحاً، يقوم على السببية، وتصاعد الأحداث، ووجدنا أن هذه الرواية رواية فكرة علمية أكثر من كونها رواية بناء، وصورة، ولغة، فثمة بعض ضعف في بنيتها، وبعض شخصياتها غير نامية.

أما زمانها فهو زمان الزمان، زمن له منطقه الخاص، وحساباته الخاصة، ويعني البعد الخامس الانتقال إلى زمان، ومكان لهما منطقهما الخاص.

ودرسنا السرد والوصف والعلاقة بينهما في الرواية، ووجدنا أن المكان فيها ليس له مرجع واقعي معروف، فالبعد الخامس مكان يدخل في علاقة ضدية مع الأمكنة الجغرافية.

واللغة المستخدمة في هذه الرواية تجنح إلى العلمية أكثر من الشعرية، لكنها لم تخل من إثارة العجب، والدهشة. وثمة خطابات متداخلة كالخطاب العلمي الذي حمل المعارف العلمية، والخطاب التأملي الفلسفي الذي يقدّم رؤى الراوي الفلسفية لما يحيط به، والخطاب السياسي؛ إذ تحمل الرواية رسالة سياسية ونقداً سياسياً، والخطاب الديني الذي يتجلى في الحديث عن الحياة والموت، والثواب والعقاب، والخطاب العجائبي الذي يسم الرواية بسمة شعرية، فيتحقق مجاز العلم، وتظهر بوضوح سمة الإدهاش، والتشويق.

وبحثنا في الفصل الثاني في «فضاء الوصف في رواية أحزان السندباد»، ووجدنا أن هذه الرواية تتسم بوفرة الوصف فيها؛ لذا عُدَّ الوصف مدخلاً مناسباً لدراستها. وقد تحدثنا عن الوصف لغة، واصطلاحاً، وفرقنا بين نظرة النقاد القدامى، والمحدثين: العرب، والغربيين للوصف، وتحدثنا عن العتبة النصية، وارتباطها بالوصف. فالسندباد يرحل في الأمكنة المختلفة، ويصف هذه الرحلات، لكنّ لديه أحزاناً، لا حزناً واحداً، وترتبط أحزانه بتنقله عبر الأمكنة.

وتحدثنا عن الشخصية الواصفة، ووظيفتها، وعلاقتها بالراوي، وسيرورة الحدث الروائي، فقد أغفل اسم الشخصية الواصِفة؛ لأنها أدّت وظيفة الراوي، فشاكلت الرواية السيرة الذاتية لسيطرة ضمير المتكلم على الرواية، ووجدنا أن الكتابة بضمير الأنا خاصية شعرية، ترتبط برؤية العالم.

  ووجدنا أن الوصف بصري رؤياوي، يستشرف المستقبل، وقد تحدث الراوي عن جملة ثنائيات لها أبعاد سياسية كثنائية شرق/ غرب التي تحيل على خطاب الاستشراق ذي البعد السياسي. ووجدنا أن للوصف وظائف متعددة في هذه الرواية منها الوظيفة التفسيرية، والتزيينية، والرمزية، والإخبارية.

وثمة وصف تفسيري، يتدخل الواصف؛ ليفسر الوصف، ويسوّغه، فيبدو منطقياً، وثمة وصف صريح أو خارجي مرتبط بالمكان والشخصية، وثمة وصف مرتبط باللون، يعبر عن حال نفسية، أو وضع فكري، ووجدنا أن هنالك وصفاً غير بصري، يتم بدوال تدل على الشعور، أو السمع، أو الشم، وهي دوال مرتبطة بإدراك الواصف لها.

ودرسنا الخطاب الوصفي في علاقته بالسرد من جهة السرعة، والوظيفة، وتحدثنا عن الحدث الوصفي الذي يوازي الحدث السردي، والمشهد الوصفي؛ إذ تترابط الأحداث مشهدياً في بناء مشهدي واحد، ووجدنا أن هنالك أفعالاً سردية، وأفعالاً واصفة، وفرقنا بين سرد الأفعال، ووصفها. وقد أدت هذه الأمور مجتمعة إلى اتسام الرواية بسمة مجاز العلم نتيجة التكامل بين المتضادين: العلم، والأدب.

وقد انطلقنا في الفصل الثالث في دراستنا «البناء الدرامي في رواية فضاء واسع كالحلم» من فكرة أن الخطاب في رواية الخيال العلمي خطاب استشرافي رؤياوي تشويقي، ويولد هذا الأمر فجوات توتر، ومواقف درامية، وتوصلنا إلى أن هذه الرواية قد بنيت بناء درامياً، فتحدثنا عن مصطلح الدراما، وعلاقته بالرؤيا، وبرواية فضاء واسع كالحلم، وبحثنا في الفعل الدرامي، والتوتر الدرامي، والمفارقة الدرامية، كما بحثنا في شعرية الحوار الداخلي، ووظيفة الحوار الخارجي في تصعيد الحدث، وتوتره، كما بحثنا في الحوارية، وهي مرتبطة بالحوار، وتعدد الأصوات، والأساليب، وتعني الحوارية انفتاح النص الأدبي على غيره من النصوص، وقيامه على التعدد والاختلاف، ثم تحدثنا عن شعرية الدراما، ونظرنا في البلاغات الدرامية التي تؤكد تلازم الخطابين العلمي والأدبي في الرواية، وامتلاء هذه الرواية بالمجازات والتصورات الخيالية، وتوصلنا إلى أن الدرامية تنضوي على تصورات مجازية.

وأتى الفصل الرابع حاملاً عنوان «وجهة النظر في قصة الخروج من الزنزانة» فبحثنا في مصطلح وجهة النظر في إطار علاقته بذاتية الناظر، وعمق منظوره، وحجم معارفه، وبينا علاقة وجهة النظر بقصة الخروج من الزنزانة تحديداً، ثم درسنا وجهة النظر في إطار علاقتها بالفضاء النصي، ووظائفها في القصة، وكان أهمها وظيفة بناء الشخصية، ووظيفة الإنباء، والوظيفة الفكرية، والوظيفة الشعرية.

ووجدنا أن الاسم في هذه القصة يحضر بوصفه إشارة سيميائية تؤدي وظيفة، فدرسنا التباس المبدع بالراوي في دائرة السيمياء، وعلاقة ذلك بوجهة النظر، ووجدنا أن عرض وجهة النظر يتم بالوصف الذي يؤدي وظيفة شعرية.

وحمل الفصل الخامس عنوان «الرؤيا في رواية في كوكب شبيه بالأرض»، فبينا علاقة الرؤيا بأدب الخيال العلمي، وبالحلم والمنام؛ ذلك لأن المنام يعدّ بؤرة محورية، لها تأثير في بناء الرواية. وتحدثنا عن جدلية الواقع، والحلم فيها، فيعيد الروائي تشكيل الواقع برحلة حلمية، أما الطيف فيحضر في هذه الرواية بوصفه محاولة تعويضية، ووسيلة راحة للشخصية، وهو يرتبط بالرؤيا.

ويحضر البعد العجائبي في الحلم؛ لذا تم البحث في سؤال النوع الأدبي في إطار علاقته بالرؤيا / الحلم، فدرسنا علاقة الرؤيا بالسرد، والرؤيا العجائبية والغرائبية، ثم بحثنا في وظائف الرؤيا، وقد تجلت في الوظيفة الأخلاقية، والسياسية، والاجتماعية، والإمتاعية، وفصّلنا القول في شعرية خطاب الرؤيا / الحلم، وتوصلنا إلى أن الرواية بنيت على سردية التعجيب، وامتد ذلك إلى لغة النص، وزمانه، ومكانه، وأن حال الحلم توطّد العلاقة بين الواقع والمأمول، فالحلم ميدان رحب للحرية الأدبية مع أنه مبني على معطيات علمية.

وقد أعقبنا كل فصل بقائمة المصادر والمراجع الخاصة به، ونرجو أن تكون هذه الدراسة قد أضافت جديداً إلى ميدان دراسة أدب الخيال العلمي.

بقلم: أ.د. سمر الديوب

تصنيف 2.53/5 (50.54%) (74 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟