مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

نثائر المواجهة.. رسائل المقاومة

هذه النثائر مجموعة فياضة من الرسائل الأدبية المضمخة بلغة الغوص في لبّ الأشياء لا في مادتها الوطنية؛ فحسب؛ وإنما في صدق اللوعة الذاتية التي رسمها الزمن الصعب الذي عاشته سورية الحبيبة في السنوات الأربع الماضية منذ (١٥/ ٣/ ٢٠١١م)... يوم أطلّ العبث من تجاويف المال الملوث؛ والنفوس المهترئة بالفساد، أو شهوة السلطة بعد أن تلبس الشيطان دوائر الهيمنة الصهيو/أمريكية لتغتال جمال الحياة في الأرض السورية الخضراء...
لذا انغمست هذه النثائر بروح الألم، وتوق الأمل بلغة تعبيرية شفَّافة حملت من الشعر جوهره، ما يجعل كثيراً من الناس يذهبون إلى تسميتها بقصيدة نَثْر... وكأنهم يقرون في أنفسهم أن كل نثيرة أقلّ جودة فنية؛ أو قيمة فكرية من أي مقطعة شعرية أو قصيدة بديعة..
وإذا كنت أرى الفصل بين الأجناس الإبداعية فإني أذهب إلى أن لكل جنس أدبي سماته الخاصة التي تجعله متفرداً بها عن غيره، وهي التي تثبت أنه منجزٌ إبداعي متكامل يعتز بذاته وتقع النثيرة في مراتب متقدمة من هذا المنجز البهي.
ومن ثم انطلقت هذه النثائر مطبوعة بالصور الشعرية والخيال المجنَّح، وممزوجة بكثير من إيقاعات الشعر وأوزانه... فجرَت معبرة عن ذاتها بذاتها، لتعلن عن روحها السامقة المشبعة بمعاني الرهبة والرغبة التي تطوف في أرجاء الوطن معلنة عن انتمائها المطلق إليه.
ولذلك لا ينتابني أدنى شك في أنها تتجاوز في خصائصها أشكال النثر الأدبي المعروف، وترتقي إلى مرتبة التماهي بجوهر الشعر الأصيل، وكأنهما وجهان لعملة واحدة.. فهي ليست رصفاً للمعنى بالكلمات كما يفعل عدد من شعراء الحداثة هذه الأيام؛ وليست ــ في آن معاً ــ همّاً لغوياً يطارده مُبْدع ما ليصنع تحفة لغوية جميلة، فإذا أراد جمع الدلالة تبعثرت الحقيقة بين يديه... وليست هي طلاسم مُعَمَّاة تغري القارئ بالبحث عما وراء كل طَلْسَمٍ؛ لا يرجع بعد العناء الطويل في تأمله إلا بالخيبة والمرارة...
فهذه النثائر تعزف أوتارها ألحاناً مزجاة إلى الوطن وأبنائه بلغة أدبية شعرية تعبر عن مراحل الإحساس بالمسؤولية الوطنية، وتتداخل فيها لوحات تشكيلية قريبة مثيرة؛ وبعيدة ذات إيحاء يختزن جملة من الأسرار... وكل منهما يثير الهواجس التعبيرية والشعورية لصياغة المعادل الموضوعي لهما في الحياة...
ويمكنني أن أقول - أيضاً -: إن هذه النثائر قطع فنية رؤيوية، تمتح معينها من مفهوم قصيدة (الرؤيا) التي شاع ذكرها في العصر الحديث؛ وكان للشاعر العربي السوري (محمد الماغوط - ١٩٣٤ - ٣/٤/٢٠٠٦م) قصب السبق فيها، نظماً وشهرة.. ثم إنها لوحات نورانية مقاومة تمتح من معين مفاهيم القيم الأصيلة التي صاغت حياة كل سوري وعربي يعتز بهويته؛ وانتمائه وثقافته بوصف الإبداع جمْراً متقداً بالمشاعر اللاهبة؛ والفكرة الشاردة؛ للحفاظ على الكرامة والسيادة.
لذا أرجو لها القبول؛
وإن كان العكس فالعُذْر عند كرام القوم مقبول...

بقلم: أ.د. حسين جمعة

تاريخ الإصدار: ٢٠١٦

تصنيف 2.45/5 (48.98%) (98 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟