مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

سُلَيْمَان الحَلَبِي (العين والمخرز)

كان الخبر الذي قرأه في الصحيفة، هو السبب المباشر لإعادة قصَّة سليمان الحلبي إلى ساحة الذاكرة العربية يُتحدَّث الخبر عن قيام حركة شعبية عربية تقوم بتحركات للمطالبة باستعادة رفات وجمجمة سليمان الحلبي من فرنسا، وقد وقَّع عددٌ من المثقفين العرب طلباً لاستعادة الجثَّة، كما أشار إلى أنَّ الكاتب والمترجم (محمَّد غريب جودة) من الإسكندرية أرسل رسالة يؤكد فيها وقوفه والمثقفين القوميين في مصر إلى جانب إخوتهم السوريين في هذه الحملة، معتذراً بالنيابة عن الذين أساؤوا إلى البطل سليمان الحلبي حين نفوا صفة الشهادة والبطولة عنه, وقد ذكر الكاتب جودة في رسالته قائلاً:‏
 «نحن في مصر- المثقفين القوميين - نتفاعل بشدة مع هذه القضية وننظر دائماً بعين الإجلال والإكبار لكل أبطال وشهداء الأمة ومنهم السوريان (سليمان الحلبي) و(جول جمال) اللذان استشهدا دفاعاً عن الأمة وبصفة خاصة دفاعاً عن مصر وشعبها, ومن ثم فلدينا الرغبة للمساهمة في أي موقف وطني موحد يمكن أن يسفر عن عودة رفات البطل الشهيد إلى تراب الوطن السوري العزيز ليدفن بكل مظاهر التكريم اللائقة ببطل عظيم مثله, وفي احتفال قومي شامل يؤدي أثره في تعميق مفاهيم الوطنية وحب الوطن والأمة في نفوس الأجيال الشابة»... مسفِّهاً آراء من ذهبوا إلى أن قضية سليمان الحلبي لغز من ألغاز التاريخ تكتنفه علامات الاستفهام، ومنهم من يعتبر سليمان الحلبي خائناً وعميلاً للعثمانيين، مع أنهم سجنوا أباه، وشتَّتوا أسرته، وأفقروها، ومنهم من يشير إلى أن انتقامه كان بدافع الحب.
وأكدت الرسالة أن تلك الإشارات مغرضة وخبيثة وتهدف إلى محو الدافع القومي الوطني الذي كان سبيلاً لتقديم الحلبي روحه من أجل هذا الوطن، وأن هذا البطل قد ظلم على المستويين الرسمي والتاريخي، إذ لم ينصفه من كتب تاريخ تلك الحقبة من الزمن وخاصة الجبرتي، فمروا على ذكره في عبارة تاريخية موجزة تلصق به صفات لا تليق بمن حمل في فكره لواء الدفاع عن أرض بلاده.
وكتب عبد الهادي البكار في صحيفة أخرى يندِّد بمحاولة تجريد اسم الحلبي من شرف البطولة، ويشير إلى ما يقضي به الوفاء من انضمام الجهود المصرية إلى الجهود السورية لرد  الاعتبار إلى الحلبي، فيقول:  «وما يحزن القلب حقاً، أن تأتي محاولة تجريد سليمان الحلبي من شرف البطولة والاستشهاد في ذكرى استشهاده المئوية الثانية، من أرض مصر الغالية الحبيبة التي أحبها سليمان الحلبي حتى الموت، ووهبها حياته دون أي تردُّد تلفظه الجسارة وتتناقض معه. وإذا كانت أطراف سورية غير رسمية قد سعت خلال السنتين المنصرمتين لدى فرنسا معبرة عن رغبتها برد الاعتبار إلى اسم سليمان الحلبي وتطهيره من صفة المجرم اللصيقة بجمجمته في متحف أنفاليد، وبالموافقة على أن تسترد سورية رفاته من فرنسا لإعادة دفنها في مصر أو في مسقط رأسه بصفته بطلاً من شهداء الكفاح من أجل الحرية والاستقلال، فإن العدل وفضيلة الوفاء يقضيان بضم جهود مصر إلى الجهود السورية في هذا السبيل، خاصة أن مصر ملتزمة بفضيلة الوفاء التاريخي في كل العصور، ومن حق روح سليمان الحلبي عليها، أن يكون له نصيب من هذا الوفاء المصري التاريخي الشهير المضاد لكل ألوان الإجحاف والظلم والجحود». 
لكن ما يسترعي الانتباه والنظر هو ما كتبه المؤرخون المستشرقون عن الحملة الفرنسية على مصر وعن الشجاعة والإقدام اللذين قابل بهما سليمان الحلبي مصيره بعد أن ألقي القبض عليه، وفي ذلك نقرأ ما كتبه لوتسكي عن بطولته: «وقد قابل سليمان الموت ببسالة، إذ وضع يده بجرأة في النار الملتهبة، ولم ينبس ببنت شفة حينما كانت تحترق، كما كان باسلاً طيلة الساعات الأربع والنصف التي قضى من بعدها نحبه وهو مخوزق».
ويلفت الخبر إلى أن وجود حركة شعبية عربية حالياً تطالب باستعادة رفات وجمجمة سليمان الحلبي من فرنسا. وقدم العديد من المثقفين العرب طلباً لاستعادة الجثة.
وأضافت الصحيفة قائلةً: وينوي المثقفون السوريون والمصريون، توجيه رسالة إلى الرئيس الفرنسي تتضمن احتجاجاً على أنَّ وصف سليمان الحلبي بالإجرام فيه انتهاك لكل قيم الحق والخير والعدالة التي عرفها البشر، أو هو أشبه بوصف جان دارك وديجول وجورج واشنطن بالإجرام، لأنهم تحركوا للدفاع عن بلادهم ضد الغزاة. والمجرم الحقيقي هو القوات الفرنسية الغازية التي هدمت ونهبت وقتلت وأشعلت الحرائق في المناطق التي وقعت تحت سيطرتها من مصر من دون وازع.
وتتضمن الرسالة طلباً باسترداد جمجمة البطل سليمان الحلبي متضمِّنة بعض الأسئلة حول بعض الشخصيات الوطنية الفرنسية التي ضحت في سبيل بلاده، والنظر إلى قضية سليمان، تماماً كما ينظر إلى قضية (جان دارك)، وأن للتاريخ أحكامه، ومن هذه الأحكام أن جان دارك لم تحرك الجيوش الفرنسية خارج بلادها، ولم تأمرها باحتلال بلاد الآخرين، وديغول تزعم المقاومة فوق أرض بلاده التي وجب الدفاع شرعا عنها، مالاً وعرضاً وتراباً، ولذلك نظر التاريخ إليهما باعتبارهما بطلين لا مجرمين، واعتبرهما قدوة لمن تتعرض بلاده لغزو من جانب قوات احتلال غاصبة.

وستتضمن الرسالة في نهايتها سؤالاً: عندما دخل العدو الأراضي الفرنسية، بماذا واجهتموه؟ بالورود؟ ... أم بالبارود؟ وبتضحيات الأبطال حتى الاستقلال؟!
*  *  *
طوى الصحيفة، بعد أن نظف عنها آثار الطعام، وقام يبحث عن مخطوطته التي أعطاه إياها والده في ستينات القرن الماضي، ثمَّ شَرَعَ بصياغة قصة (سليمان الحلبي) لعلَّها تكون جزءاً من الحملة، وتسهم في استعادة رفاته ليلقى التكريم الذي يستحقُّه في وطنه الذي ضحَّى بنفسه من أجله ... وتستقر الهامة في قبر سليمان، وتتوقف عن القول:
اسقوني ... اسقوني ... اسقوني ...

بقلم: داوُد أبو شقرة

تاريخ الإصدار: ٢٠١٦

تصنيف 2.53/5 (50.6%) (151 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟