مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

نذير جعفر... ما يشبه السيرة

أصحيح ما يقوله «رينر ماريا ريلكه»، (١٨٧٥-١٩٢٦): «نبتعد عن اللغة، بقدر ما نقترب من الواقع». ما الثورة؟ هي أن نحقق شيئاً لم يُحقق. الثورة هي إذاً تحديداً: تجريب. إن كان له بيتٌ في قرية فهو محظوظٌ، فكيف بمن لا يملك ذرَّة تراب فيها وله عدة قبور؟ ما يشدّه إليها وجود أربعة قبور من عائلته. كأنّها وطنٌ بالنسبة إليه، رغم إحساسه بأنّ الزمن ليس إلّا دخاناً يتصاعد من مداخن بيوتها كما كان يراها في طفولته. ها هي ذي تتمدّد وتتنهّد بين تلال ووادٍ وسفح جبل.. فلاحين وعمالاً وصغار كسبة. العمل صلاة، لا يخافون الموت، أصواتٌ داخل أصواتهم تخاطب التراب والعشب والأحجار، ويهجسون بفلاحة أرضها وبذارها والحصاد. أشجار زيتون وكرمة وتين ونباتات وعشب، شمسٌ وغيومٌ وأمطارٌ وسربٌ من الفراشات. يشعل القمر شموعه وتتمدّد ريحٌ غامضةٌ على كلِّ شيء، يتخيل أنه يلعب تحت الشباك الذي ولد فيه عام النكبة. خطوطٌ وفراغٌ، انقلاب فصولٍ، ثقوبٌ وشقوق، أفق، أودية ومغاور، ينظر إلى القرية.. لكأنّه يراها تحت سماء لا وطن لها. كان الوقت يشنق المكان، وفي الليل، بدلاً من أن يخبّ حوله حصان، ثمّة حواجز ومتاريس رمل. قرية تجدل شعرها لكي تتسلّق الكواكب، هاهم المارقون يصرخون: للجيوش آلهة ليست للحقول وليست للينابيع فيها من قبل، كان يتبرّك بحجرٍ يتحوّل إلى جبينٍ للكون، وبجدار يصير سُلَّماً للفضاءات، لكن هاهو ذا، يرى المكان موحشاً، ومسلّحين يسجنون الهواء ويحاربون العشب. الهاوية أمامه، رملٌ يهاجم الغيم، والأسلاك الشائكة تغوص في كبد الأرض. خوذة تؤكد أنها ياسمينة، وبندقيةٌ تبشر أنها شجرة من أشجار الجنة.. ووفقاً لهذه المعطيات سنخرج لملاقاة المستقبل في ثياب من القشّ. زمنٌ ضيفٌ على الغبار، يضحك الوقت فيما نبكي. وُلد حاملاً أسئلته، وخرج حاملاً جراحه، وفي طريقه، إذا كان ثمّة طريق بعد لغير المتحاربين، لا يجد سوى أجساد القتلى المتمددة في عراء الكون، وثمّة من لا يموت لا لشيءٍ إلّا تمجيد الموت! هل تعرفون من أين يجيء الموت؟ ومن أين يجيء هذا الليل إلى سورية حاملاً رائحة الأجساد المقتولة، المحروقة، المتفسّخة؟
البداية عرفناها، لكنّ النهاية هنا لا ترسمها المخيّلة وحدها، لا يرسمها التوهم، لا أهمية، لا معنى، لا قيمة لوجود شخص في «الدنيا» يُقتل كأنّه مجرّد «مادة» تافهة، مجرّد لعبة.
لن ينسج لقريته منديلاً للوداع بعد أن كتبت وصيتها وواصلت خصامها مع الهواء والريح وأشعة الشمس وجهات الأرض، الإغواء الأخير ما قبل الجحيم. كان سريرها رغبة، ووقتها امرأة، وقبل أن ينام، تذكّر قبور أهله، ورأى القرية كيف تخلع في الليل قمصانها كلّها، رأى سورية تستيقظ، تنهض، تتلوّى، تنام، كأن شرايين الأرض ترقص في جسدها.
«اسقني واشرب».. لا تشرب..، لنا موعدٌ آخر.. مع شرابٍ آخر.. ليل لا آخر له.. هنا، في قريته حجاب، دم، بنايات، أطفال، رجال، نساء، وأمهات ثكلى..
يجازف الدمع بعينيه، والحسرة تلتهم الحنجرة، تمشي الشمس على رؤوس أصابعها. يوم حرب يرتسم على الجدران كمثل ملاءة سوداء. القرية لوحة ضخمة حيناً ألماً وعذاباً وحيناً قتلاً وتدميراً. فضاء العروبة ورق، الأخوة، الدم، المصير.. غياب أم حضور؟ غيبٌ يزدرد الواقع، واقع يزدرد بعضه بعضاً. معسكرات، مجموعات، سرايا وكتائب، قصف وتدمير، والكون يرسم حدوده بأهدابه، النهار غيبٌ وليل آخر. هو الليل مذ كان طفلاً سار على هذه الطريق، وحاول أن يُعيد أعيادها، ورأى ما رأى، وقرأ كيف «يموت الموت»، كما يعبّر المتنبي، شهد انقلابات كثيرة، وتساءل ماذا يفعل هؤلاء؟ أيبتكرون مزامير ونايات؟
ينظر من جديد إلى قريته فيراها بعيني فجر أسود، أحمر، أصفر.. تحضر كمثل غيمة تكاد أن تمطر، يتذكر قبور أهله، يشعر كأنهم يموتون كل يوم، يردد: لا فراغ في الحياة، والذاكرة هواء التاريخ. هل الأموات ملهِمون إلى هذا الحدّ؟ هل الأموات غرباء؟ من يشبه الغريب؟ يشبه الغريب غريباً مثله اندفع كزفيرٍ من رئة الثلج.. بِمَ نسلّي الغرباء إذا التقيناهم؟ نُغنّي لهم أغنية عن حرب عبثية لتدريب خيالنا على الكمال.
في الفجر الشبيه بمساءٍ متعبٍ، نهض هادئاً، ثم كتب باسم من رحل من أهله وغاب في الجرح.. وصوت «فيروز» «لشو الحكي.. طالِلْ علينا قمر، خلّي النظر للنظر.. يشرح هواه ويشتكي.. لشو الحكي؟ لشو الحكي..؟ عند التلاقي سوا، أهل الهوا بيتفاهمو من دون حكي!».
حقاً لقد قرأ عن حروبٍ، وشارك في حروبٍ.. وحين راح يُسأل عن الحرب في سورية: ما معنى هذه الحرب؟ كان يجيب، وهو شارد الذهن: «الحرب هي الحرب»، «والكلمات هي الكائنات»! السماء في اليد لكنّ وجوه أربعة من أهله غابوا كانوا أحياء في الذاكرة.. كتب لهم: لنذهب على طريق سلكناه، على غير هدى، بلا رغبة في الوصول. ماذا يقول الناي؟ يستدرجك الناي إلى البعيد، وهو لكأنه يبكي كمن يستبق الفاجعة. لا غيم أسود في الأفق، فلماذا تبكي والموت قريب؟ هل خوفكَ من فرح يبكيك؟ حان وقت أماس زرقاء تغسلُ الروح تماماً، حيث نرى الحياة كما لو كانت من دوننا من مكان إلى آخر، يرحل الغيم برفقة قمر لم يحرمنا افتضاح سرّه الصخريّ من تذكّر حبٍّ سابق، حيث يرى المرء نفسه في حرائق البرق. الحنين مسامر الغائب للغائب، والصورة عطشى إلى معنى.
ماذا يقول الناي؟ كلّ شيءٍ يمرّ سريعاً إلا الكلمات. ما الذي يشوقنا إلى هنا غير طواف قَدِمَ من البعيد. إن كان هذا حلماً لآخر، لا يتوق إليه سواه، ولا آلهة للخوف هنا.. بل عدمٌ يتدبّر أمره. هل يجامل الوجود أم يستهزئ به؟ يضرم النار في الحلم، الريح، القرية، المدينة، البلد.. يعود إلى صور من غاب من أهله.. يكتب لهم: إلى النائمين على بزوغ البياض من أبدية، وعلى تلويحة الأبدية ببياض لا لون بعده.. وينهي كلامه: ... ولنترك الغائبين ينامون في الصمت الذي يمسك كلّ شيء حتى الهواء الذي يفصل بيننا، يوحدنا حتى كأننا جسدٌ واحدٌ! .

بقلم: محمد جمعة حمّادة

تاريخ الإصدار: ٢٠١٥

تصنيف 2.87/5 (57.38%) (130 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟