مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

حُـلـمُ المُثقَّف العَربيّ

وَصَلَ المُثقَّفُ العربيّ من خِلال تَجربتَه النَّظريَّة والعَمليَّة إلى مستويات مُتقدِّمة ورَائِدة في مجال العَمل الثَّقافيّ, وأن تَجربتَه تَستَحقُّ الدِّراسة والتَّحليل من كافَّة الجَوانب, لتَكشفَ للنَّاقد والدَّارس والمُتابع حَقيقة ما وَصَل إليه المُثقَّف العربيّ من مَواقف مَبدئيَّة ثابتة تجاه وَطنه ومُجتَمعه ومَوقِعه الحَضاريّ المُتَميِّز, وتَفَاعُلِه مع كَافَّة الثَّقافَات والعُلوم والتَّجارب العَالميّة. وانطلاقاً من الواقع المَرير والصَّعب الذي وُلِدَ فيه المُثقَّف العربيّ, وبالتَّحديد في النِّصف الثَّاني مِنَ القَرن التَّاسع عَشر, حيث كانت البِلاد العربيَّة تَعيشُ تحت سَيطرة الاحتِلال العُثماني في المَشرق العربيّ, والاحتِلال الأوربيّ في المَغرب العربيّ. وقَبلَ أن تَبدأَ ذِهنيَّة أفكار الاستعمار بَدلاً من مُصطَلح كلمة الاحتلال التي بَدأت في العَقد الأوَّل من القَرن العِشرين, عِلماً أنَّ النَّتيجَةَ واحدةٌ بالنسبة للإنسان العربيِّ, فهي سَيطرةٌ واستِغلال وسَرِقَةٌ للمَواردِ وتَجهيلٍ للنَّاس.
هذه المُعاناةُ خَلَقت عندَ الإنسان العربيّ بشكلٍ عام, ولدى المُثقَّف العربيّ على وجه الخُصوص, حالةَ تَحَفُّزٍ وقُوّةٍ لتَغيير الوَاقع والانطلاقِ نحو التَّحرُّر والانعِتَاق من كلِّ أشكالِ السَّيطرةِ والاستِغلال وأمراضِ الجَّهل والتَّخلُّف. الأمرُ الذي فَرض على المُثقَّف العربيّ البَحثَ عن وسَائل وأدوات عمل, لأَخذِ النَّاس إلى حالةِ التَّحرُّر والوَعي والإدرَاك لواقعِهم, وكيفيَّة الخَلاص منه بوسَائلِ العِلم والمَعرفة والعَلاقات الإنسانيَّة الصَّحيحة المَبنيَّة على التَّعاون وعدم الاستغلال.
وقد كانت بِدايَةُ الانطلاقِ مع العَمل الأَدبيّ, وعَبرَ أجناسِه المُختلِفة, من شِعر ونَثر ومَسرح, ثم تَطوَّر العَملُ الأدبيّ وأصبَح له جُمهورُه وكُتَّابُه وأُدباؤه والمُهتَمون بكلِّ جوانبِه, الذين حَملوا مَشاعِلَ التَّنويرِ وحَشَدوا النَّاس في جَمعيَّات وأحزاب تَعمل على تأديَةِ مَهام كبرى, منها تَعبئة النَّاس بالمَفاهيم الوَطنيَّة والقوميَّة, ومُتَابعة هذا النَّشاط بشكلٍ دَؤُوب.
هذه المُعطيَاتُ بما فيها, نَجَاحَاتُ لمُقدِّمات العمل, وما كان يُحيطُ بها من نَشاطٍ أدبيٍّ وعِلميٍّ وسياسيّ, بدَأَت تُكَوِّنُ حَلقات تَفاعُل في المَسائل الثَّقافيَّة والسِّياسيَّة, وتُؤسِّس إلى تَوسيع قاعِدة الجَّماهير المُؤمنة بالتَّغيير والانعِتاقِ من كلِّ مَظاهر وظُروف القَهر والاستِغلال التي فَرَضَت على الإنسان العربيّ قُروناً طَويلة من العَذاب والألم.
وهكذا حَقَّق المُثقَّف العربيُّ منذ مُنتَصفِ القَرن التَّاسع عَشر ومَطلعِ الَقرن العِشرين دَوراً مُتَميِّزاً في القِيادَة والتَّوجيه والإنتاج في حَقل العِلم والأدب, أسَّس ذلك لهَيبةَ وَوَقارَ واحتَرامِ المُثقَّف العربيّ بين أهلَه ومُجتَمعَه لحَملِ رايةِ العِلمِ والوَعي, وبذلك أصبَح المُثقَّف مَقصد النَّاس وحَامِل هُمومِهم وهُمومِ وآمال المُجتمع.
وفي الفَترةِ التي دَخلَت فيها البِلادُ العربيَّةُ العَقد السَّادس والسَّابع من القَرن العِشرين, أصبَحت أعدادُ المُنادين بتَحقيق الثَّورة الثَّقافيَّة بكلِّ جَوانبِها, العِلميَّة والأدبيَّة والفِكريَّة, تَفوق مُستوى التَّوقُّع, وهذه الحَالةُ فَرضَت على بَرامِجِ الأحزابِ تَطويرَ تَوجُّهاتِها الفِكريَّة والسِّياسيَّة, وبذلك غَدت رُوح الثَّورة الثَّقافيَّة مَوجودةً في كلِّ مَنَاحي الحَياة الأدبيَّة والفِكريَّة والعِلميَّة والفنيَّة, وأصبحت آمَال النَّاس وتَطلُّعاتِهم هي مِعيار الالتِزام لكلِّ الفَصائل والقوى السِّياسيَّة التي تَنشُد هَدف بِنَاءِ دولةِ الوحدَةِ العربيَّة التَّقدُّميَّة.
وبهذا أصبحَ المُثقَّف العربيّ يَمتلك هُويَّةً فِكريَّةً تُحدِّدُ انتمَاءه والتزامَه ونُضجَه التَّنظيمي, لبِنَاء الهَيكل الأَساسيِّ لكلِّ فَصيلٍ سِياسيّ, والتي بمَجموعِها مَثَّلَت جِسمَ حَركةِ التَّحرُّر العربيَّة الحَامل الأسَاسي لتَحرير الإنسان العربي من كلِّ أنواعِ الاستِغلال والتَّسلُّط, وتَحرير الأجزَاء العربيَّة المُغتصَبة من بَراثِن الاحتِلال الأجنبيّ والصّهيونيّ.
وكما كانت فترةُ بِناء المُثقَّف العربي قَصيرة إلى حَدٍّ ما, وأفكَار نظريَّاته وإبداعَاته خَلقتها التَّجربة والدُّروس التي مَرَّ فيها المُثقَّفُ المُفَكِّرُ العربيّ, فإنَّه وإنّ كان قد استَطاع فَرض موضُوعيَّته وأفكارِه في وسَط مُجتمعه, إلا أنَّه لن يَصلَ إلى حَدِّ الشَّفافيَّة والمَوضُوعيّة اللَّازمة التي تَجعلُه قادراً على تَحليل المَسائل السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة بلُغَة المَنهج التَّفصيليّ, وذلك لأسبابٍ ذاتيَّةٍ وموضُوعيَّةٍ جديدة.
لقد وَقع البَعضُ بفَرضِ أفكارِهم بمنطِقِ الوِصايَة وأُسلوب التَّلقين وعَادات الوَعظ, وبجانب آخر أجادَ قواعد سياسَات التَبرير عن حالات التَّقصير في أداء الواجِبات. هذه الحالةُ أثَّرت بطريقة غير مسبوقة على سُمعة المُثقَّف وهيبتِه التي تَكوَّنَت خلال عُقود في هذا البَحث, رغبة بتقديم بعض الإجابات عن دورِ المُثقَّف في تكوين الثَّقافة العربيَّة, وعَمله في الجَوانب الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة . ورغم ثَراءِ المَكتبة العربيَّة بالكُتب والدَّوريَّات والبُحوث التي تَحدَّثت عن الواقع الثَّقافيّ والسِّياسيّ للمُجتمعات العربيَّة, إلا أنَّها من وجهة نَظري, لم تَصلْ إلى حَدِّ الوَفاء اللَّازم بدورِ المُثقَّف العربيّ في بنَاء مُجتمعه وتَحرُّر إنسانِه من تَبِعات التَّخلُّف والاستِغلال.
لذا, سأحاول من خلال هذا البَحث المُتواضِع أن أُجيبَ عن أكثرِ التَّساؤلات التي اعترضَت حياةَ المُثقَّف ومَواقفه. ورغم خُطورة البَحث من رَدَّاتِ الفِعل المُتعدِّدة من بعض أقطَاب الفعاليّات الحَاسِدة لشَخص المُثقَّف ودورِه, إلَّا أنَّني من مُنطلق الإيمان والاحترامِ لعَقل المُثقَّف وفِكرِه وقَلمِه ورِسالتِه الخَيِّرَةِ, صَمَّمتُ على تقديمِ هذا البَحث وكُلّي أملٌ أن أُضيءَ بنورِ شَمعةٍ على مَوَاقعِ انتصاراتِ المُثقَّف وإنجازاتِه التي لا تُحصى, وبنفس الوقت أن أوضِّحَ بكلِّ مَوضوعيَّة نِقاطَ الضَّعف والتَّراجُع.
وكونُ المُثقَّف العربيّ خَاضَ العديدَ من المَعارك المُركَّبة الألوان الفِكرية والثَّقافيَّة على السَّاحة العربيَّة, وعلى كلِّ الصُّعُد السِّياسيَّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة, وبَقيتْ لديه إمكانيَّات الطُّموح في تَطوير الثَّقافة العربيَّة, لتكونَ الحَامل الرئيسيَّ في تَخليص الشَّعب العربيّ من كلِّ أنواع الاستِغلال والتَّسلُّطِ وأمراضِ الجَّهل, من قَبَليَّة وعَشائريَّة وطَائفية.
فهو (أي المثقَّف العربي) يستَحقُّ منَّا التَقييم المَوضُوعيّ الذي يُوَصِّفُ حالتَه الإيجابيَّة تُجاه وطنِه وشعبه, وإرادتَه الصُّلبة التي وَقَفتْ في وجه العَواصف التي استهدَفت ثَقافة الأُمَّة وحَالات تَطوُّرها. ويكونُ المُثقّف العربيّ هو أوَّلُ من أَشَار إلى مَوَاقع الثَّورة المُضَادَّة في المُجتمعات العربيَّة وإلى دَورِها المَفضُوح في علاقتِها مع الإمبرياليَّة والصّهيونيَّة, لهذا هو تَحمَّلَ من حِقدِهم وتَسلُّطِهم كلَّ أنواع القَهر والتَّشويه.
وما نراهُ الآن في عَالمِنا العربيّ من تَشويهٍ للحَقائق والبَديهيَّات, وتَجنيدِ الجَهَلَة والمُرتَزِقَة السَّارقين والمَارقين للنيل من الثَّقافَة والفِكر, وطَمس الإيجابيَّات والإنجازات والانتصَارات, لِتَغدو السَّاحةُ العربيَّة سَهلة المَنَال في السَّيطرة والاستغلال, وخَلق ثَقافاتٍ بَديلَة مِعيارُها وهَدفُها الانقسام والتَّشتُّت والضَّياع في الأفكار والرُّؤى للإنسان العربيَ, وتُحقق أهدافَهم في التَّشويه والتَّجهيل وتَدمير الوَطنِ العربيَّ, و إعادتِه بأفكارِه وثَقافتِه ونَاسه إلى القُرون الوُسطى.
لهذا تأتي أهميَّة البَحث في أنَّه يُبيِّن أهميَّة المُثقَّف ودورَه الأساسيَّ في صَدِّ الهَجمة البَربريَّة الظَّالمة على الإنسان العربيِّ, ودورَه في بِناء إستراتيجيَّةٍ فكريَّةٍ تُعيدُ القُوَّةَ والتَّجدُّدَ والإبداع إلى فَصائل حركة التَّحرُّر العربيَّة.

بقلم: حمود علي خير

تاريخ الإصدار: ٢٠١٦

تصنيف 2.68/5 (53.51%) (154 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟