مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

في الشعرية «دراسات نصّيّة في الأدب العربي الحديث»

أُريد لهذا الكتاب تلمس السمة الشعرية في عدد من نصوص الأدب العربي الحديث، وهي نصوص لا رابط بينها سوى أنها تمتاز بعلامات فارقة، من شأنها النهوض بما يميل النقد المعاصر إلى تسميته بالشعرية، من أجل ذلك كان لابد من إثارة سؤال الشعرية من خلال نماذج تطبيقية محددة، وهو سؤال معاصر معناه: دراسة النصوص الأدبية دراسة موضوعية، ومن ثم تلمس مزاياها وخصائصها الفريدة، إذ الشعرية منجز من منجزات النقد الحداثي، ولها أصداء في الأدب العربي قديمه وحديثه، لذا كان من الممكن إجراء مقاربة بين المعرفة العصرية والمعرفة التراثية في هذا الموضوع، ولامتحان صلابة هذه المقارنة آثرنا الربط بين مصطلح الشعرية ومصطلحات أخرى كالأسلوبية والانزياح وغيرهما، محاولين تأكيد هذه العلاقة من خلال نماذج أدبية حديثة ومعاصرة لكل من أبي القاسم الشابي ووجيه البارودي وإبراهيم ناجي والزركلي والبزم ومحمود درويش وسيف الرحبي ومحمد الماغوط وأدونيس والحصني والطيب صالح وطالب عمران، في محاولة لتلمس ما يتفرد به هؤلاء في مجال الشعرية.
إن الشعرية في ضوء المفهوم المشار إليه آنفاً تتراءى في نصوص الأدب غُلالةً رقيقة تلوح من خلال سُجف  من الأضواء تشعُّ جمالاً باهراً وروعة ساحرة، وقد حار النقاد في ضبطها في وصف أو حصرها في تعريف، من أجل ذلك تنوعت مشارب الشعرية في الأدب، فتراها تارة تبدو من خلال الأسلوب الشعري، وتارة من خلال اللغة وتارة من خلال المعنى، وفي جميع أحوالها لا تنضبط في ناحية مما ذكرنا؛ لأنها في حقيقة أمرها انزياح واسع عن كل ما هو مألوف وثابت .
سيجد القارئ الكريم أنّ المباحث التي يقدمها هذا الكتاب تنزع فيما تنزع إليه، إلى ناحيتين اثنتين: الأولى تتمثل في محاولة إدراك خصوصية النّص وما ينفرد به، ومن ثم الوقوف عند سماته التي تستحيل علامات فارقة عند صاحب النص، ذلك أننا نعتقد أن نصاً أو طائفة قليلة من النصوص تشير إلى  شعرية النتاج الأدبي، إذ الأديب مختلف في كل نص ينتجه، فهو في لحظة شعرية ما يختلف عنه في لحظة أخرى، والشعرية نهر مياهه لا تتوقف، والمرء لا يستطيع أن يشرب من النهر مرتين، والثانية تختص بالإفادة من إنجازات النقد قديمه وحديثه، شرقيه وغربيه، وهو ما تهيأ لنا أنه يندرج تحت مسمى علمية النقد أو موضوعيته، وهو أمر يتسق وفهمنا الذي شرحناه آنفاً، ونكرره هنا لإزالة اللبس  فحواه: أن للنقد جانبين: أحدهما خاص فيه طوابع الهوية، والآخر عام فيه سيماء الموضوعية، فالخاص ينبثق من إدراك خصوصية النصوص مادة التحليل ومنطلق النقد، والعام ينبع من صميم الأفكار الجديدة التي تسعف بإدراك جواهر النصوص، وهي من ثم تمكن من التعبير عن حضور العقل الحالي والثقافة المعاصرة في النتاج النقدي؛ لأن الممارسة النقدية الجديدة تقتضي ألا نلغي ثقافتنا مع محاولتنا التمسك بالأصالة والهوية.
ثمة نقطة أخيرة يمكن أن نغلق بها الكلام في هذه المقدمة، وهي نقطة تبدأ بمحاورة المصطلح الحديث، ومن ثم إجراء مقاربات لتحويله أداة بحثية، والمسألة كما تبدو لكل دارس في غاية الخطورة وفي غاية الأهمية، إذ لا يزال قوم من النقاد يتحللون من المصطلح ويهربون من المنهج، ويمعنون في قراءة نتاجات الأدب قراءة ذوقية، وهي مسألة لم تعد مركزية في البحث النقدي؛ لأن للمصطلح غاياتٍ كثيرةً يمكن من خلالها تحديد أهداف الدراسات وخططها ومناهجها، فضلاً عن كونها أداة لتنظيم التفكير، ولا أدري بعد كل الذي قلت كيف يستقيم درس نقدي من دون مصطلح، وما أدري كيف تقوم معالجة من غير تعلق بالمصطلح، إذ المصطلح مفتاح كل بحث وأداة كل علم، وهو ما يحدد المنهج ويمهر الخطط البحثية بخاتمه، لهذا لم نلج في هذه الدراسة نصاً من دون أداة مفتاحية أعني المصطلح، والمصطلحات متنوعة والمفاتيح مختلفة من أجل ذلك بدت المعالجات مختلفة؛ لأنها تدرس نصوصاً مختلفة، وفي ضوء ثقافة الاختلاف والتنوع والتميز كانت الروابط الأساسية التي آذنت بجمع هذه المباحث بين أطواء هذا الكتاب، وغاية المأمول فيه التوفيق والصواب والله الموفق.

بقلم: أ.د. أحمد علي محمّد

تاريخ الإصدار: ٢٠١٦

تصنيف 2.38/5 (47.69%) (91 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟