مكتبة الهيئة »  الكتاب الإلكتروني »

سدَنَةُ الاغتراب

سدَنَةُ الاغتراب رسـائل متبادلـة
 مسّدتُ برفقٍ آخر رسالة كتبها بخط يده المرتعشة، وقد رافقني صوته بكل حيويته طوال المـدة التي استغرقها ترحيل الرسـائل من الورق إلى الطابعة، وحين انتهيت من آخر نقطة فيها رأيتني أمسّد على رأسه المتعب، وأُسبِلُ عينيه ليغفو بسلامٍ افتقَدَه منذ أن شُرِّد طفلاً حتى آخر يوم في حياته، وكذلك لأغفو أنــا بسلام وقد أدّيتُ الأمانة ونفّـذتُ وصيته، والوصية أمانة. مسّدتُ الرسالة الأخيرة، وطويتُها، وأودعتُها مع سابقاتها حيث أودعُ كنوز أوراقي النفيسة، وقد استوطن لبابُها حيث يليق به في وجداني. وأيقنت ساعتئذٍ بأنه رحل عن عالمٍ كان فيه غريباً. فهل تراه ينبعث في هذه الرسائل؟ أم أن حياة المبدع تنتهي برحيله الجسدي؟ لا... لا أعتقد. بعد أن نشرت أول كتابين: الأول وهو كتاب «رفرفات» ٢٠٠٥، والثاني وهو مجموعة قصصية بعنوان «في العالم السفلي» ٢٠٠٦، وصارا بين أيدي القراء، أدباء ونقاد، وقد حازا على قبول جيد لدى الجميع، إلا أنني وبرغم ذلك بقيت أبحث عن مرآة صافية تريني صورتي الحقيقية، فنبشتْه الذاكرة من عمقها، وهو الذي يقول ما يراه بكل صدق، بلا مَلق، ولا مداهنة، ولا يخشى في قول ما يراه حقاً لومةَ لائم، وذلك بعد انسفاح أكثر من عشرين عاماً على آخر مرة رأيته فيها، حصلت على رقم هاتف بيته، وهاتفتُهُ، وسمعت صوته وكأن الزمن لم يمر عليه، عرفني، وتسربتْ مسرّتُه إليّ، أخبرته بأنني أصدرت كتابين، وأرغب في معرفة رأيه فيما كتبت. كم كان ودوداً، ومبتهجاً حين أبدى استعداده لذلك، وأخبرني بأنه أصدر الجزء الأول من سيرته الذاتية من رباعية «تلك الأيام»، وأنه سوف يرسله لي لقراءته وإبداء رأيي به في رسالة تُدشّنُ هذه المراسلات، وقد أوصاني أن أحتفظ برسائله، وأن أصوّر ما أرسله إليه من رسائل وأحتفظ بالصورة، وحين سألته عن السبب أبدى رغبته في أن أجمع هذه الرسائل ذات يوم في كتاب، كي لا يغيّبها غبارُ الإهمال، تلك الرسائل التي ابتدأت بتاريخ١٥/٦/٢٠٠٦ وانقطعت بتاريخ التاسع من نيسان٢٠١١، بعد أن اضمحلت في السنة الأخيرة تلك، بسبب ما ألمّ بسوريا من فاجعة هذه الحرب الكارثية التي عصفت بالأمن والسلام، وأدخلت السوري وبضمنه السوري الفلسطيني في أتونها قتلاً وتدميراً وتهجيراً وتشريداً. ومخيم اليرموك، وما أدراك ما مخيم اليرموك!! وما الذي حل بمخيم اليرموك، عاصمة الشتات، وقد تشتتَ في كل صوب، وأنا في حمص، وما أدراك ما حمص، وقد تشظت في كل أنحاء الفجيعة في لحظة هاربة من العقل وهي تحمل الجحيم، فدخلتْ المدينة، وكل مدينة في دوامة الدم حتى غرقتْ، وأغرقتْ كل شيء. وكأننا في مشهد من مشاهد يوم القيامة، حيث تذهل كل مرضعة عما أرضعت، فنسيت ما هو أهم من الرسائل التي تداخلت، وتشعّثتْ كما تداخلت الأشياء والقيم والمصائر وكل شيء في فوضى يعجز العقل عن تنظيمها. ذهلتُ عن كل شيء، وصار هاجس سوريا وبقاؤها هو الهمّ الوحيد الأوحد. كانت نعوات الشهداء وأخبار الموت تنداح على جدران سوريا، وعلى جدران التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)، إلى أن رأيت نعوة بجانب صورته على تلك الصفحات: (رحل الأستاذ يوسف سامي اليوسف مهجّراً عن مخيّمه) ٢٠١٣ وخزة في الروح، وغصّة في الوجدان، وأنا أرى إلى عينيه الحزينتين تقولان ما قاله دائماً: «كل شيء أخلّ بواجبـه تجاه روحي» وتسألاني: ماذا فعلت بالرسائل يا غادة؟ هل رميتِها !؟ هرعت إلى أدراجي وما عصف فيها من فوضى اللحظة المجنونة، ورحت أقرؤها.. وقد تداخلت تواريخها، وفقدتُ بعضاً منها في تلك الفوضى التي فقدنا فيها الكثير الكثير، رتبتها بتسلسلها الزمني، وكنت الوفية لأداء الأمانة، وها أنا ذي وقد رحّلتها عن الورق إلى هذه الصفحات بكل أمانة، إلا في موضع عابر وهو اسم إحدى السيدات التي ورد ذكرها في بعض الرسائل ولم تسعفني الظروف لأتواصل معها وأسألها إن كانت ترغب في ذكر اسمها كاملاً، فعمدتُ إلى الإشارة إليها بكتابة الحرف الأول من اسمها وكنيتها (ن.ي) مراعاة للحقوق واللياقة. لماذا تُجمع هذه الرسائل في كتاب؟ وما قيمة هذه الرسائل المتبادلة بين من التقيا منذ سنين لمرّاتٍ قليلة، ثم نأى بهما المكان والزمان، امرأة سورية تقيم في حمص ورجل فلسطيني كان يقيم في دمشق، وقد رحل تاركاً خلفه آثاره النفيسة في الفكر والأدب والفن والفلسفة والنقد الأدبي ؟!* سأترك الجواب لما تكتنزه هذه الرسائل بين سطورها من قيمة فكرية وأدبية، ورؤى تعبّر بكل صدق وشفافية عمّا كان يمور ويضطرم في وجدان يوسف سامي اليوسف في سنوات عمره الأخيرة وهو يكابد اعتلال الجسد، وغربة الروح وعزلة الناس، وجحود الجاحدين، والحنين الذي ما فارقه يوماً إلى غائب حميم يعز حضوره، وإلى حسرة ما ابتردتْ لحظة واحدة منذ خروجه طفلاً مشرّداً عن بلدته «لوبيا» الفلسطينية عام ١٩٤٨إلى لحظة وفاته مشرّداً حتى عن مخيم (اليرموك) عام ٢٠١٣. وبقي، الفلسطيني اللائب على مصبّات حنينٍ لا يرتوي إلا بملاقاة مستحيلَين: حقيقة الوجود التي بحث عنها طويلاً، وعلى الوسامة في كل شيء، بما فيها وجوه الغائبين، إنها غربته الفادحة مكاناً وزماناً، في تغريبة الإنسان الحسّاس، زادتها وجعاً تغريبةُ الفلسطيني التي لم تنته فصولها بعد.

بقلم: غـادة اليـوسـف

تاريخ الإصدار: ٢٠١٦

تصنيف 2.57/5 (51.43%) (147 أصوات)

هل ترغب في التعليق؟