المقالات

الصفحة السابقة »

إدواردو غاليانو، وقّاد النار... العلوم الاجتماعية ووضع الحقيقة

بقلم: دوني ميركلين

لا يقول التاريخ: وداعاً أبداً، التاريخ يقول: أراك لاحقاً  ـــ  غاليانو

«عزيزي إدواردو، وددت لو أقرأ اليوم الرسالة التي لم أكتبها يوماً. ولكني لن أكشف هنا أمورنا الحميمية، لأني لا أريد أن أكتب لك رسالة مفتوحة. لقد رغبت ألف مرة في كتابة رسالة إليك، في مغلف مغلق، وأن أرميها في علبة البريد وأنتظر بعدها، على أمل أن تفتح هذه الرسالة وأن تقرأها في «برازيليرو» (Brasilero) مقهاك في مونتيفيديو القديمة، في صباح مشمس، وبعد أن تقرأها، ترفع بصرك صوب شارع إيتوزينغو (Ituzaingo) وتفكّر في الأورغواني الذي تجاوز عمر الشباب، والضائع في باريس، شأنه شأن كثيرين.» (أورد الكاتب نص الرسالة باللغة الإسبانية ثم ترجمه إلى الفرنسية في حاشية أسفل الصفحة)

«لن تكون هناك أيُّ رسالة. يجب أن أتحدث اليوم باللغة الفرنسية وأمام الحضور، وإدواردو غاليانو (Eduardo Galeano)، وقّاد النار (fogonero)(*)، ليس في «بريشا» (Brecha)، المجلة الأسبوعية حيث كنا ننتظره في الأورغواي، أو في جريدة «باجينا ١٢/» (Pagina/١٢) الأرجنتينية. لن يُعرض بعد الآن كتابه الجديد في المكتبات، ولا يمكننا أن نأمل ذلك، لأنه لم يعد موجوداً. لا يمكننا بعد الآن أن نعتمد عليه لكي يقرأ لنا في الاجتماع المقبل للدفاع عن الأرض، أو عن النساء، أو عن شعوب أميركا الأصليين، أو لكي يرافق أهالي المفقودين أو أمهات «ساحة مايو/أيار». ولستُ هنا لأقول لكم إنه هنا في داخلنا وبيننا كالمسيح أو مثل تشي غيفارا «الآن ودائماً» (ahora y siempre)، كما تقول أُسرُ المفقودين في الأرجنتين، وفي الأورغواي، وفي التشيلي. لا يستمر الأموات في الحياة لأن الموت غير موجود. وحدها نهاية الحياة حقيقية. نهاية الحياة الرهيبة والمأساوية. الطقس بارد في مونتيفيديو، وفي بيونس آيرس، وفي كل مكان في أمريكا اللاتينية. حتى في ريو دي جانيرو أو في مكسيكو، الطقس بارد منذ ١٣ نيسان ٢٠١٥، وأخشى أن يستمر البرد طويلاً.

ويمكن الشعور بالريح التي هبت مع وفاة هذا المثقف الهائل في باريس، وفي برشلونة، وفي برلين.» 

أنا على يقين أن إدواردو غاليانو لن يتفق معي. لقد كان مقتنعاً بأن أميركا اللاتينية نبع لا ينضب من المواهب ومن الحياة. ألم يحكِ لنا مرة وألف مرة، كيف أن ميغيل مارمول (Miguel Marmol)، ودارسي ريبييرو (Darcy Ribeiro)، وروك دالتون (Roque Dalton)[١]، و«عُنّداً» آخرين كانوا ضحايا لاغتيال أو لحوادث قبل أن يعودوا ليولدوا من جديد مرات ومرات؟ كان ليقول لي بصوته الهادئ، والرزين والحميمي: « No creo, Fijate» «لا أعتقد، انظر»، في زوايا القارة، يكفي أن تشاهد مباراة كرة قدم تجري على أيَّ أرض شاغرة...، أو اذهب إلى بار ليلي، أو إلى مقهى صغير، وتابع بعينيك اليدين المذهلتين لعازف الغيتار الشاب هذا. أو ابق قليلاً وأنت تحبس أنفاسك، مذهولاً تنظر إلى تلك الطفلة الأخرى وهي ترقص في الهواء دون أن تلمس الأرض ولو لمرة واحدة. انظر إليها جيداً، لأنك لو نظرت إليها بتمعن ودون أن تتنفس لرأيت أنها لا تطأ الأرض، بل تكاد تلامسها وهذا يكفيها لكي تعاود الطيران من جديد. ولكن احبس أنفاسك، هذا هو الشرط الوحيد لكي تراها. المشكلة ربما، هي أنك تبحث كثيراً في الجامعة وفي الصحافة، أو أنك تبحث بعيني الباحث، التي تسمح لك دون شك بأن ترى بعيداً، وبأن ترى بدقة وبتفصيل، ولكن، ربما،

هي ليست العيون التي نحتاجها لكي نبقى دافئين.»

وأنا متأكد فعلاً أن إدواردو غاليانو لن يتفق معي في نقطة جوهرية أخرى. لم يكن ليرتكب مطلقاً هذا العمل المهين، أن يأتي ليقول في مناسبة تأبين أنَّ المتوفى الذي نحتفي بذكراه، قد مات تماماً، وإنه لا يمكن أن نرتجي منه أي شيء، وإنه لن يكتب بعد الآن أو يقول شيئاً ما. ألم يكن يخبرنا على الدوام عن تلك اللحظات السحرية في التاريخ الأميركي-اللاتيني، «الاحتفال بالولادة المستمرة» (Celebracion del nacer incesante) أو في القصص الكثيرة الأخرى التي كان يسميها «القيامات» (Resurrecciones[١] ففي عمله «كتاب المعانقات» يحكي لنا كيف أن كُتبَ المكتبة تقع بشكل سحري على جهاز التلفاز الذي يحوّل الحقيقة إلى أكاذيب ويعرضها على شاشته طوال النهار. بل ربما، بين لحظة وأخرى، سوف تسقط هذه اللوحة المعلقة خلفي على جدار هذا المُدرّج المهيب، فتقع على ظهري وتُسكتني وتثبت لي أن الأموات لا يموتون  بالطريقة نفسها، وأنني أنا دوني ميركلين، يمكن أن أموت بسبب التفاهات التي أقولها، ولكن ثمة أموات يموتون لكي يعودوا إلى الحياة من جديد «ومن لا يصدق فليذهب ويسأل تشي غيفارا، لا أكثر». ربما كان غاليانو على حق، ففي النهاية، لقد عرفت أميركا اللاتينية دائماً كيف تحمي أطفالها من عار النسيان، وأن هذه القضية يجب أن تُدرس عن كثب. لا بد أنه كان واعياً لهذه المسألة حين اقترح على ميغيل مارمول - الذي كان يحتفل عام ١٩٨٧ في هافانا، بالذكرى الخامسة والخمسين لإعدامه، وقد نجا منه عام ١٩٣٢- بأن يؤسسا معاً «الماركسية السحرية : نصفها عقل، ونصفها شَغَف، والنصف الثالث غموض»[٢] (marxismo mágico : mitad razón, mitad pasión, y una tercera mitad de misterio).

صحيح أن الأموات لا يعودون إلى الحياة أبداً. ولكنه صحيح أيضاً، أننا إذا أردنا أن نبقيهم أحياء وأن نطيل عملهم وفكرهم، يجب علينا ألا نترك أنفسنا تنهار أمام الموت، وخاصة أن موقفنا هذا، هو بمنزلة استهزاء بالمجرمين الذين قتلوا الصالحين، وهذا ينطبق - كما يحلو لغاليانو أن يذكّرنا به - وبدقة شبه علمية، على قتل كل ما هو جميل ومُبهج. إن حقيقة الكلمة المكتوبة، وبالأخص حقيقة الكلمة التي تُعلن للملأ، لا تتعلق تماماً بإيجاد الحقائق، على عكس العلوم الاجتماعية. لقد علّمنا إدواردو غاليانو أن جزءاً من الحقيقة يكمن في ما تستطيع هذه الكلمة أن تفعله بالشخص الذي يستمع إليها، بسبب خاصيتها ...

 

ترجمة: د. ميساء السيوفي

تاريخ الإصدار: ٢٠١٧

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 2.22/5 (44.32%) (37 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 56 )