المقالات

الصفحة السابقة »

الشجرة

بقلم: ماريّا لويزا بومبال

يجلس عازف البيانو، يتنحنح ثم يركّز لحظةً. تنيرُ الأضواء العنقوديّة الصالة وتميل ببطءٍ إلى أن تنتهي بتألقِ جمرٍ خافت، في حين تبدأ جملةٌ موسيقيّةٌ بملء الصمت، لتنتشر صافيةً، مضيئةً ومزاجية تماماً.

فكّرت بريخيدا التي نسيت ــ كعادتها ــ أن تطلب البرنامج: «ربما موزار» «ربما موزار أو سكارلاتي». ما أقلّ ما كانت تعرفه عن الموسيقا! ليس لأنّها لم تكن تميل إليها، فهي قد طالبت ــ منذ طفولتها ــ بدروس البيانو مع أنّ أحداً لم يرغمها، كما الأمر بالنسبة لأخواتها اللواتي كنّ يعزفن بشكل صحيح ويفهمن من المرة الأولى... أمّا هي، فقد تركت دراساتها الموسيقيّة في السنة التي بدأتها فيها.

كان سبب انقطاعها بسيطاً بمقدار ما يجلبهُ من عار: لم تنجح قط في تعلّم مفتاح الـ «فا».

أبداً. «إنّني لا أفهم، فالذاكرة لا تسعفني في تذكّر أكثر من مفتاح الـ «صول». يا لسخطِ والدها عليها! «لقد ألقيتِ بحملِ هذا الأرمل التعس على إحداهن لتعليمها! يا للمسكينة كارمن! كم توجّبَ عليها من معاناة من أجل بريخيدا، هذه المخلوقة المتخلّفة.»

كانت بريخيدا صغرى أخواتها الست، مختلفات الطباع، وكان الأب محتاراً ومنهكاً من بناته الخمس الأوليات، فلما أصبح له ابنةٌ سادسة، أخذ يهوّن على  نفسه الأمر ويصفها بالمتخلّفة. «لن أناضل أكثر، فهذا لن يجدي نفعاً. سأدعها وشأنها، إن كانت لا تريد الدراسة، فلها ما تريد. وإذا كان يطيبُ لها البقاء في المطبخ وهي تسمع قصصاً عن الأرواح، فلتبقَ فيه. وإذا كانت تعجبها الدمى، وها هي ذي قد أصبحت في السابعة عشرة من عمرها، فلتلعب بها.» وقد احتفظت بالدمى وبقيت جاهلةً تماماً.

كم هو ممتعٌ أن يكون المرءُ جاهلاً! وألَّا يعرف بالضبط من هو موزار، وأن يجهل أصوله وتأثيراته، وخصوصيات تقنيّته! بل يترك نفسه مأخوذاً به كما الآن.

في الواقع، إنّ موزار يمسك بيدها، يسير بها عبر جسر معلق فوق مياه من كريستال تجري في أخدود على هيئة سرير في الرمال الورديّة. إنّها ترتدي ثيابها البيضاء، ومعها مظلتها المطرّزة كثيرة التقاطعات، الناعمة كنسيج العنكبوت، وهي مفتوحة فوق كتفيها.

- إنّك تزدادين شباباً، يا بريخيدا. لقد التقيت البارحة بزوجك. أقصد زوجك السابق. كان شعره يكسوه البياض.

لكنها لا تجيب ولا تتوقف. بل تتابع وتجتاز الجسر الذي بسطه لها موزار حتى حديقة سنواتها الفتيّة.

يصدحُ الماءُ في نوافير عالية. سنواتها الثماني عشرة، وضفائرها الكستنائيّة المحلولة تصل إلى أخمص قدميها. بشرتها الذهبيّة، وعيناها المظلمتان واسعتان كأنهما تستفسران. ثغرٌ باسمٌ لشفتين مكتنزتين، وابتسامةٌ عذبةٌ لجسدٍ خفيفٍ ورشيق. بماذا كانت تفكّر وهي جالسةٌ على طرف النبع؟ في لا شيء. كانوا يقولون عنها، إنّها «غبيّةٌ بمقدار ما هي جميلة.» أمّا بالنسبة لها، فلم يكن يهمها أن تكونَ غبيّة. واحداً تلو الآخر كانوا يذهبون لطلب أيدي أخواتها للزواج، أمّا هي فلم يكن أحدٌ ليطلبها.

ها هو ذا موزار يقدّم لها درجاً من الرخام الأزرق حيث تنزل بين صفين من زنبق الثلج. إنّه يفتح لها الآن باباً من القضبان المذهبة كي تلقِي بنفسها على عنق لويس، صديق والدها الحميم. فمنذ أن كانت صغيرةً، ولمَّا كان يهجرها الجميعُ كانت تركض نحو لويس. كان يرفعها عالياً، وكانت تحيط عنقهُ بذراعيها وهي تمطره بقبلها الطائشة على جبهته وعينيه، بينما تتعالى ضحكاتها كتغاريدِ عصافير صغيرة. كان لويس يقول لها: «أنتِ طوقٌ. إنّك طوقُ عصافير.»

ولهذا فقد تزوجته، فهي لم تكن تشعر بقرب هذا الرجل الوقور، قليل الكلام، بالذنب لِما كانت عليه من كسلٍ ولهوٍ وغباء. أمّا الآن وقد مضت سنونٌ عدّة فهي تفهم أنّ زواجها منه لم يكن بدافع الحب، غير أنّها لم تفلح بمعرفة لماذا مضت في حال سبيلها ذات يوم وبهذه السرعة...

لكن ها هنا، موزار يأخذها بعصبيّة من يدها ويسحبها بلحنٍ متسارعٍ خطوة خطوة، ويجبرها على اجتياز الحديقة بالاتجاه المعاكس، وعبور الجسر بطريقةٍ تكاد تكون هروباً. وبعد أن ينزع عنها تنورتها الشفّافة ويضع مظلتها جانباً، يغلق عليها باب ماضيها بتوافقٍ عذبٍ وقاسٍ بآنٍ معاً، ويتركها في واحدةٍ من صالات الحفلات الموسيقيّة مرتديّة السواد، وهي تصفّق بشكل آلي فيما يتوهج نور الأضواء الصناعية.

يحلُّ من جديد شبه ظلٍّ وصمتٌ نذير.

ويبدأ الآن بتهوفن تحرّك الموجة الفاترة لنوطته تحت قمرٍ ربيعي. ما أبعدَ ما انسحب البحرُ إليه! لقد توغلت بريخيدا في الشاطئ نحو البحر المنكمش إلى الوراء بعيداً، مضيئاً ومقدّساً، لكن ينهض البحر عندئذٍ، يمتدُّ ببطءٍ، ويأتي لملاقاتها فيطويها، وتدفعها أمواجه العذبة؛ تدفعها من الخلف حتى يجعلها مسندةً خدّها على جسد رجلٍ، ويرتحلُ البحرُ تاركاً إياها منسيةً على صدر لويس.

لقد اعتادت أن تقول للويس: «أنتَ بلا قلب. أنتَ بلا قلب.» وفي الداخل عميقاً كان يخفقُ قلبُ زوجها الذي لم يستطع سماعَهُ إلّا أوقاتاً نادرة وغير متوقعة. وكانت تحتجُ في مخدعها عندما كان يقرأ جرائدَ المساءِ كعادته قبل النوم: «أنت لستَ معي أبداً عندما تكون إلى جانبي. لماذا تزوجتني؟»

وكان يجيبها: «لأنّ لك عيني ظبي جفول ثم يقبّلها، وسرعان ما كانت تستسلم مسرورةً وفخورةً وهي تتلقى ثقل رأسه الشائب على كتفيها. آهٍ، يا لشعر لويس الفضّي واللامع.

- لويس، لم تقلْ لي قط ما كان لون شعرك بالضبط أيام كنت صبيّاً، ولم تقل لي أيضاً عما قالته لك أمّك عندما بدأت شعراتٌ بيضٌ بالظهور في الخامسة عشرة من عمرك. ماذا قالت؟ هل ضحكت أم بكت؟ وأنتَ؟ هل كنت فخوراً أم خجولاً؟ ثم في المدرسة، ماذا كان يقول أصدقاؤك عنك؟ إحكِ لي، يا لويس، احكِ لي...

- غداً أحكي لك، فأنا نعسان، يا بريخيدا، ومتعبٌ جدّاً. أطفئي النور.

ومن غير وعيٍ يتنحّى عنها لينام، وهي من دون وعيٍ وفي أثناء الليل بطوله تلاحق بأصابعها ظهر زوجها باحثةً عن تنفسه، ومحاولةً العيشَ في ظلِّ تنفسه، كنبتةٍ حبيسةٍ ظمأى تمد أغصانها بحثاً عن مناخ أكثر ملاءمة.

في الصباح، لا يكون لويس إلى جانبها عندما تزيح الخادمة الستائر، بل يكون قد نهض بخفةٍ من دون أن يقول لها، صباح الخير، خشية إصرار طوق العصافير على شدّه بقوّة من كتفيه: «خمسُ دقائق، خمس دقائق لا أكثر. فمكتبك لن يختفي ببقائك خمس دقائق زيادة معي، يا لويس».

وعن استيقاظاتها، ما أحزنها عند استيقاظها! لكنها – يا للغرابة – ما إنْ تصل غرفة ارتداء الملابس، حتى يتبدّد حزنها ويستحيل سحراً.

موجةٌ بعيدةٌ جدّاً تتمتم كأنّها بحرٌ من الأوراق. هل هو بيتهوفن؟ كلا.

إنّها الشجرة المتكئة على نافذة غرفة الملابس. كان كافياً أن تدخل إليها ليسري في أوصالها إحساسٌ رائعٌ. يا للحرّ الدائم في غرفة النوم صباحاً! وكم هو جافٌّ الضوء! بالمقابل هنا في غرفة الملابس، الأمر مختلفٌ تماماً، فحتى النظر يريحُ وينعشُ: الأقمشة القطنيّة الشفّافة، والشجرة التي تنشر ظلالها على الجدران كمياهٍ هائجة وباردة، والمرايا التي تضاعف الأوراق فيخيّل للناظر أنّها غابةٌ لا متناهية وخضراء. كم كانت ممتعة تلك الغرفة! كانت تبدو عالماً غارقاً في حوضٍ مائي. كانت تلك الشجرة العملاقة تزقزق! لقد التجأت كل عصافير الحيّ إليها. كانت الشجرة الوحيدة في ذلك الشارع الضيق المائل الذي ينحدر من طرف المدينة باتجاه النهر.

- أنا مشغولٌ. لا أستطيع مرافقتك... لديّ كثير من الأعباء، لن أستطيع المجيء وقت الغداء... مرحباً، نعم، إنّني في النادي. التزامات العمل. كلي ونامي... لا، لا أعلم، من الأفضل ألّا تنتظريني، يا بريخيدا.

كانت تتحسّر: «فقط لو أنّ لي صديقات!» لكنهن جميعاً يُصبْن بالملل منها، فلو أنّها تحاول أن تكونَ أقل غباءً! لكن كيف السبيل إلى ذلك وقد فات الأوان؟ فلكي يكونَ المرءُ ذكيّاً، يجب أن يبدأ منذ الصغر، أليست تلك حقيقة؟

بالنسبة لأخواتها، فقد كان أزواجهن يصطحبونهن إلى كل الأماكن، أمّا لويس – لماذا لم تعترف بذلك لنفسها؟ - فقد كان يشعر بالعار منها، من جهلها ومن خجلها وحتى من سنواتها الثماني عشرة. أفلم يكن قد طلب إليها أن تقول إنّها في الحادية والعشرين من العمر، كما لو أنّ سن الفتوة بالنسبة إليهم له حدٌّ معين؟

وفي الليل، كان يضطجع متعباً دوماً! لم يكن يستمع إليها قط. كان يبتسم لها، هذا نعم، كان يبتسم لها ابتسامةً تعلم أنّها آليّة. كان يغدق عليها مداعباته التي هو نفسه كان بعيداً عنها. لماذا تزوّجها؟ ربما من أجل استمراريّة الأعراف، أو لتمتين علاقة الصداقة القديمة التي تربطه بأبيها...

ربما كانت الحياة تتضمن بالنسبة للرجال مجموعة من العادات المتّبعة والمستمرّة. ومن المحتمل أن يؤدي تحطّم واحدة منها إلى الفشل والفوضى، فيبدأ الرجال يهيمون على وجوههم في شوارع المدينة، ويجلسون على مقاعد الساحات، وقد بليت ثيابهم يوماً بعد يوم، وطالت لحاهم. بالنسبة للويس، فإنّ حياته – في معظمها – تشتمل على ملء كل دقيقة في اليوم. كيف لم تفهم ذلك من قبل. لقد كان والدها على حقٍّ حين نعتها بالمتخلّفة.

- لويس، لديّ رغبةٌ في أن أراها تثلج ولو لمرة.

- سأصطحبك إلى أوروبا هذا الصيف، وبما أنّه الشتاء هناك، فستتمكنين من رؤيتها وهي تثلج.

- إنّني أعرف أنّه الشتاء في أوروبا عندما يكون الطقس صيفاً هنا. لست جاهلةً إلى هذا الحد.

لإيقاظه على نشوة الحب الحقيقي، كانت أحياناً تلقي بنفسها على زوجها وتغطيه بالقبل، باكية وهي تناديه: «لويس، لويس، لويس...»

- ماذا؟ ماذا بك؟ ماذا تريدين؟

- لا شيء.

- لماذا تنادينني بهذه الطريقة إذن؟

- لا لشيء. فقط لأناديك، فمناداتك تطيبُ لي.

ويبتسم هو راضياً منها – ومُحسناً إليها – على تلك اللعبة الجديدة.

جاء الصيف، أول صيفٍ بعد زواجها، لكن انشغالات جديدة أعاقت لويس عن تنفيذ رحلته الموعودة.

- بريخيدا، سيكون الحرّ شديداً هذا الصيف في بوينس آيريس، لماذا لا تذهبين إلى مزرعة أبيك؟

- وحدي؟

- سأذهب لرؤيتك كل أسبوع من السبت حتى الاثنين.

كانت قد جلست على السرير، متأهبةً للشتم، ولكن عبثاً بحثت عن كلمات جارحة تطلقها في وجهه. لم تكن تعرف شيئاً، أيّ شيء، حتى أن تشتم.

- ما بكِ؟ بماذا تفكرين، يا بريخيدا؟

للمرة الأولى كان لويس قد عاد أدراجه، وكان ينحني فوقها، قلقاً تاركاً ساعة الوصول إلى مكتبه تمضي.

وأجابت بريخيدا بطريقة صبيانيّة وهي تخفي وجهها بالمخدّة:

- إنّني نعسانة.

للمرة الأولى كان قد اتصل بها من النادي في وقت الغداء، ولكنها رفضت الردّ على الهاتف مستخدمةً بغضبٍ عارمٍ السلاح الذي لاقته دون أن تفكر به: الصمت.

في الليلة نفسها كانت تتعشى مع زوجها دون أن ترفع وجهها، في حين كانت أعصابها مشدودة.

- أما زلت غاضبةً مني، يا بريخيدا؟

لكنها لم تقطع الصمت.

- حسناً، فاعلمي أنني أحبك، يا طوق العصافير، لكنني لا أستطيع أن أكون معك دائماً. إنّني رجلٌ كثير المشاغل. في مثل سني يصبح المرءُ عبداً لضغوط كثيرة.

- .......

- هل ترغبين بالخروج معاً هذا المساء؟

- .......

- لا تريدين. صبراً. أخبريني، هل اتصل روبرتو من «مونتي فيديو»؟

- .......

- ما أجمل هذه البدلة! أهي جديدة؟

- ........

- أهي جديدة، يا بريخيدا؟ أجيبي، أجيبيني...

بيدَ أنّها لم تقطع الصمت في تلك المرة أيضاً.

يلي ذلك ما هو غير مُنتظر، شيء مدهش وغير معقول. ينهض لويس عن كرسيه، ويسحب غطاء الطاولة بعنف ويخرج من البيت صافقاً الباب خلفه.

كانت قد نهضت بدورها، مذهولةً وهي ترتجف غيظاً لهذا الظلم، وراحت تتمتم مشوشة: «وأنا، وأنا. أنا التي في سنة تقريباً... عندما أسمح لنفسي ولأول مرة بعتاب... آه، سأذهب هذا المساء! ولن تطأ قدمي عتبة هذا البيت ثانيةً...» وفتحت خزانة غرفة الملابس بجنون، وراحت ترمي الملابس على غير هدىً على الأرضية.

في تلك الأثناء، قرع أحدهم بأصابعه، أو شيء ما، زجاج النافذة. هرعت، لا تعلم كيف أو بأي شجاعة غير معهودة، إلى النافذة. فتحتها، كانت الشجرة التي تهزها نسمة رياح قويّة، فتضرب الزجاجَ أغصانها، كأنّها تناديها من الخارج لرؤيتها وقد التفت وأضحت بريقاً أسود تحت السماء المضاءة في ذلك الليل من الصيف.

وسرعان ما هطلت زخاتُ مطرٍ غزيرة تصدّها أوراقها الباردة. أيّ مسرّة! وفي أثناء الليل كله، كانت تستطيع سماع المطر يسقط كالسياط، ويتسرّب عبر أوراق الشجرة كما لو أنّ هناك قنوات تنضح بمياه خياليّة. في أثناء الليل بطوله كانت تسمع طقطقة وأنين جذع الشجرة العتيقة وهي تحكي لها عن قسوة العراء في حين هي مستكينة بإرادتها باردة بين أغطية السرير الواسع، قريبة جدّاً من لويس. حفنات من اللآلئ تنهمر بغزارة فوق السقف الفضي. شوبان. معزوفة موسيقيّة لفيديركو شوبان.

كم مرّ من الأسابيع التي استيقظت فيها باكراً، لتكتشف أنّ زوجها قد انسل أيضاً من السرير وهو صامتٌ بإصرار؟

غرفة الملابس: النافذة مفتوحة، ورائحة النهر تطوف في تلك الغرفة المباركة، في حين تحجب المرايا هالة من الضباب.

شوبان، والمطر المنسكب بصوت شلال غامض من بين أوراق الشجرة مبلّلاً الأزهار، كلاهما يختلط في حنينها الهائج.

ماذا يفعل المرء في الصيف عندما تمطر إلى هذا الحد؟ هل يبقى اليوم بطوله في الغرفة متظاهراً بالشفاء، أو متصنعاً الحزن؟

ذات مساءٍ، كان لويس قد دخل غاضباً وجلس متيبساً، وخيّم الصمت.

- بريخيدا، إذن صحيح، أنت لا تحبينني؟

لقد فرحت بغباء لدى سماعها هذا. كان من الممكن أن تصيح: «لا، لا، إنّي أحبك يا لويس، أحبك» فقط لو أنّه أعطاها وقتاً، لو أنّه لم يضف في الحال بهدوئه المعتاد:

- على أي حال، لا أعتقد أنّ من المناسب أن ننفصل، يا بريخيدا، يجب أن نفكر في الأمر طويلاً.

تسارعت نبضاتها بشكل فجائي، علام يمجّد المرء نفسه بغير جدوى؟ كان لويس يحبها بحنان وحدود ، وإذا كان سيكرهها يوماً ما، فإنّه سيفعل ذلك بعدلٍ وحكمة.

هكذا كانت الحياة، اقتربت من النافذة وأسندت جبهتها إلى الزجاج المثلج، وهناك كانت الشجرة تتلقى بطمأنينة المطر وهو ينهمر عليها بهدوء وانتظام. كانت الغرفة تقبع في شبه الظل مرتبة وصامتة؛ كل شيء يبدو وقوفاً أبديّاً ونبيلاً جدّاً.

تلك كانت الحياة... وكانت هناك عظمة ما في قبولها هكذا، وضيعة كشيء نهائي، ولا يمكن إصلاحها. عندها كان يتبرعم ويصعد لحنٌ لكلمات خطرةٍ وبطيئةٍ من صميم الأشياء، وكانت تسمعها: «دوماً» «أبداً»...

وهكذا تمرّ الساعات، والأيام والسنون. دوماً! أبداً! الحياة، الحياة!

لمَّا تعافت عادت تحسب أنّ زوجها انسلَّ من الغرفة. دوماً! أبداً!... وكان المطر الغامض والمنتظم يهمس بشوبان...

انتزع الصيف أوراق تقويمه الحارة، وسقطت أوراق مضيئة كخناجر ذهبيّة، وأوراق رطبةٍ نتنة كلهاث المستنقعات، سقطت أوراق عاصفة هوجاء وقصيرة، وأوراق ريح حارّة، ريحٌ تحمل «قرنفل الهواء» وتثبته على الشجرة العملاقة.

كان قد خرج بعض الصبية الصغار يلعبون «الاستغماية» بين الجذور الضخمة والمهتزة التي تقتلع بلاط الرصيف، وكانت الشجرة تمتلئ بضحكات ووشوشات. حين أطلت من النافذة وراحت تنقر على الزجاج بأصابعها، تفرّق الصبيّة مذعورين، دون أن يعيروا انتباهاً لضحكتها، هي الطفلة التي تتوق أيضاً إلى مشاركتهم اللعبة.

وحيدة، ولفترة طويلة كانت تبقى متكئة على النافذة ترقب اهتزاز الأوراق – كانت هناك نسمة تجري دوماً في ذلك الشارع المنحدر باتجاه النهر – وكان ذلك كإغراق النظر في مياه متحركة أو في نار مضطربة لمدفأة. كان بمقدورها أن تمضي هكذا الساعات القتيلة، خالية من أيّ فكرة، مذهولةً من نعمة الوجود.

بالكاد كانت الغرفة قد بدأت تمتلئ بضوء الغسق، فأشعلت المصباح الأول الذي كان يتوهّج في المرايا، التي تتكاثر كيراعةٍ تتمنى حلول الظلام.

وليلة بعد أخرى، كانت تغفو – متألمةً – إلى جانب زوجها. ولكن عندما يتعاظم ألمها ليجرحها كالخنجر، وعندما تحاصرها رغبة طاغية في إيقاظ لويس لتستند إليه أو تداعبه، كانت تنسل بخفةٍ على أصابع قدميها حتى غرفة الملابس، ثم تفتح زجاج النافذة. وسرعان ما كانت الغرفة تمتلئ بضجيج حذر وحضور حذر، بخطوات غامضة، وبرفرفات، وطقطقات نباتيّة رقيقة، وبأنين عذب لصرصار مخبأ تحت لحاء الشجرة الغارقة في نجوم ليلٍ صيفي حار.

كانت تنخر فيها الحمّى إلى درجة أنّ قدميها العاريتين كانتا تتجمدان على الحصير شيئاً فشيئاً، ولم تكن تعلم لماذا كانت تسهل المعاناة عليها في تلك الغرفة.

كانت سوداوية شوبان تجرّ معزوفة إثر أخرى، وتجرّ سوداوية إثر أخرى من غير تأثير.

وجاء الخريف، كانت الأوراق اليابسة ترفرف لحظة قبل أن تتدحرج على خضير الحديقة الضيّقة، فوق رصيف الشارع المنحدر. كانت الأوراق تنفصل وتتساقط... فيما تبقى قمة الشجرة مخضرّة، أمّا من الأسفل فتحمر، وتُظلم كبطانة مستهلكة لرداء رقص ثمين، وكانت الغرفة تبدو غارقة في كأس ذهبية حزينة.

متمددة فوق الديوان، كانت تنتظر بصبر ساعة العشاء: وصول لويس غير المحتمل. لقد عادت إلى محادثته؛ عادت إلى أن تكون زوجته، من دون حماس ومن دون غضب. إنّها لا تحبّه الآن، بيد أنّها لا تتألم. على العكس، لقد تمكنت من امتلاك إحساس بالامتلاء غير منتظر، وبالهدوء. لا أحد ولا شيء يستطيع أن يجرحها الآن. قد تكمن السعادة الحقيقيّة في الاقتناع بأنّ السعادة قد ولت إلى الأبد. فلنتحرك إذاً من أجل الحياة من دون خوف أو آلام، قادرين على نهب الملذات بكل ما فيها من متعٍ صغيرة هي الأكثر ديمومة.

ضجيج وحشي، يعقبه لمعان أبيض يدفعها مذعورة إلى الوراء.

أهي الاستراحة بين مشهدين؟ لا، إنّها الشجرة، هي تعرف ذلك.

كانوا قد ضربوها بالفأس. إنّها لم تتمكن من سماع الأعمال التي بدؤوها في الصباح الباكر:

«كانت الجذور تقتلع بلاط الرصيف، وعندئذٍ، بالطبع، فإنّ لجنة الجيران...»

مدهوشةً، رفعت يديها إلى عينيها، ولمَّا أزاحتهما نظرت إلى الجوار. إلامَ تنظر؟

إلى صالة الموسيقى التي أضيئت فجأة، إلى الناس المتفرقين؟

لا. لقد بقيت حبيسةً في شراك ماضيها، لا تستطيع الخروج من غرفة الملابس، من غرفة الملابس التي يجتاحها ضوء أبيض مفزع. حدث ذلك كما لو أنّهم كانوا قد اقتلعوا السقف من جذوره، كان الضوء الجاف يدخل من كل الأطراف، عبر مساماتها فكان يحرقها من شدة البرد. وكانت ترى كل شيء على ضوء أبيض مفزع. وكانت ترى كل شيء على ضوء هذا الضوء البارد: لويس، وجهه المتغضن ويديه اللتين أحدثت فيهما الشرايين الغليظة الشاحبة أثلاماً.

ركضت مذعورة إلى النافذة. تطل النافذة الآن مباشرة على شارع ضيق، ضيق إلى درجة أن غرفتها تلمع تقريباً مقابل واجهة ناطحة سحاب تبهر الأبصار. وفي الطابق الأرضي واجهات زجاجية كثيرة ملأى بالزجاجات. في زاوية الشارع، صف من السيارات المتراصة أمام محطة بنزين مطليّة بالأحمر. بعض الصبية بقمصان طويلة يلعبون كرة القدم وسط الطريق العام.

كانت هذه البشاعة كلها قد تسللت إلى مراياها. كان يوجد داخل مراياها الآن شرفات مطليّة بالنيكل وقطع قماش معلقة وأقفاص سرطانات.

لقد جردوها من حميميتها، ومن سرّها. كانت توجد عارية في منتصف الشارع، عارية إلى جانب زوجها الهرم الذي كان يدير لها ظهره لينام، الذي لم يكن قد أنجب منها أولاداً.

هي لا تفهم كيف أنّها – حتى ذلك الحين – لم تكن قد رغبت في إنجاب الأولاد، كيف تقبلت فكرة أنّها ستحيا من دون أولاد! لا تفهم كيف استطاعت أن تتحمل ضحكة لويس طوال عام! تلك الضحكة البشوش، الضحكة المصطنعة لرجل برع في الضحك، لأنّه من الضروري أن يبتسم المرء في مناسبات معينة.

كذبة! كلها كانت أكاذيب: استسلامها واطمئنانها. كانت تريد الحب، نعم الحب، ورحلات وجنون، والحب، الحب...

كان لويس قد سألها:

- ولكن، يا بريخيدا، لماذا لم تذهبي؟ ما الذي كان يبقيك؟

وقتئذٍ عرفت كيف تجيب:

- الشجرة، يا لويس، الشجرة! لقد اقتلعوا شجرة المطاط.

ترجمة: دريد ميهوب

تاريخ الإصدار: ٢٠١٧

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 2.33/5 (46.67%) (3 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 100 )