المقالات

الصفحة السابقة »

في ثقافةِ المُترجِم

بقلم: د. جمال شحيد

لم تكن الترجمة في يوم من الأيّام نقلاً لغويّاً من لغة إلى أخرى فحسب، ذلك أنَّ النصَّ المصدر يتضمَّن مجموعة من الأفكار والتوصيفات والعبارات الخاصَّة، والتلميحات والموضوعات التي لها علاقة بالحياة الماديَّة والفكريَّة والسياسيَّة والأخلاقيَّة والدينيَّة والأنسابيَّة... والتي ترتبط بصنوف الأطعمة والأشربة والملابس والأزياء ورموز الألوان والأوزان والمسافات والأنواع الموسيقيَّة والفنيَّة والأدبيَّة. وهذه تختلف من مجتمع لآخر، وتشكّل بالتالي عقبة لدى المترجم غير المتأنِّي. يُضاف إلى ذلك أنَّ العادات قد تختلف من مجتمع لآخر، ومن منطقة لأخرى، كما يظهر ذلك في طرق الاحتفال بالأعراس وإقامة المآتم والتعامل مع الحيوان والنبات وعناصر الطبيعة والتفاعل مع الزمان والمكان.

بكلام آخر، قد تكون هناك فجوة بين الرؤية التي يكوّنها الكاتب عن عالمه، وبين استيعاب المترجم هذه الرؤية. فالمترجم غير الضليع في الحضارة الرومانيَّة قد لا يرى فرقاً بين consul و praetor وimperator، كما قد تفوته مطابقة المراتب العسكريَّة الرومانيَّة والمراتب الشائعة في أيَّامنا. والمترجم غير العربيّ قد لا يرى فرقاً بين الكلمات الدينيَّة التالية: مُفتي، إمام، آية الله، حجَّة الإسلام.

يُفترض في المترجم المكين أن يكون رجلَ انفتاح بين لغتين وثقافتين متباينتين. ولتبيان ذلك سأتوقَّف عند ظاهرة الاختلافات الثقافيَّة الاجتماعيَّة، وما أكثرها! لذا سأكتفي ببعض الأمثلة :

من الملاحظ أنَّ اللغات الأوروبيَّة تأثَّرت بالحضارتين اليونانيَّة والرومانيَّة، أكثر من تأثُّر العرب بهما، وبخاصَّة في مجالي الأدب والأساطير. فعندما يتكلَّم الكاتب الفرنسيُّ عن «تفاحة الشقاق» (pomme de la discorde) يعود إلى تلك الحادثة التي أوردها هوميروس في الإلياذة، والتي دفعت بالإلهة إيريس (Eris) إلى إلقاء تفَّاحة ذهبيَّة أمام هيرا (زوجة زوس) وأثينا (ابنته) وأفروديت الجميلة، كُتبت عليها العبارة التالية: «إلى أجمل امرأة» ( καλὴ λαβέτω Hê kalê labétô)، فنشب نزاع مستميت بينهنَّ، ما حدا بزوس أن يختار باريسَ (ابن الملك بريام) حكَماً، فوقع اختياره على أفروديت التي سهّلت له الاستحواذ على قلب الجميلة هيلانة زوجة مينيلاس، فخطفها إلى طروادة واندلعت الحرب. والآن، عندما تقول الصحافة الغربيَّة: إنَّ مسألة حقوق الإنسان هي «تفَّاحة الشقاق» بين الولايات المتحدة والصين، يفهم القارئ الأوروبيُّ المعنى المقصود. وتعبّر عنه الصحافة العربيَّة بقولها: «أصل البلاء»، «مثار الشقاق». والإلهة التي تزرع الشقاق هي Eris (إيريس)؛ ومن اسمها انحدرت كلمة eristique التي تعني «فنّ المجادلة والمشاققة».

قصدتْ أسبوعيَّة الإكسبريس الفرنسيَّة بعنوانها «Un Tirésias sur la Tamise» الذي ظهر في ٢٣/١١/٢٠٠٩، الكاتبَ البريطانيَّ جيمس غراهام بالارد الذي توفي في ١٩/٣/٢٠٠٩. وربطت المجلَّة بين تيزيزياس عرّاف مدينة ثيبة الأعمى الذي كشف هوية أوديب، وبين بالارد الذي تنبَّأ بنزاعات العالم المعاصر وأزماته. وإذا لم يشأ المترجم العربيُّ في نقله هذه المقالة أن يحافظ  على اسم تيريزياس - الذي يحتاج إلى حاشية شرحيَّة – لأمكنه القول «عرّاف شؤم (أو نذير شؤم) على ضفاف التايمز».

لو رجعنا إلى كلمة Sibylla، وهي العرّافة الإغريقيَّة الشهيرة، لوجدنا أنَّ اللغة الفرنسيَّة اشتقَّت من اسمها صفة Sibyllin(e) التي يمكننا الإبقاء عليها في العربيَّة «سيبيلّي (ـة)» (مع حاشية شرحيَّة ضروريَّة)، أو تعريبها إلى «لغزي» أو «تعزيمي».

في الفاتيكان، عندما يلتئم جَمْع البطاركة والكرادلة الكاثوليك في العالم لانتخاب بابا جديد للكنيسة الكاثوليكيَّة، يترقَّب الجمهور في ساحة القديس بطرس انبعاث دخان أسود (إنْ لم يفلحوا في انتخابه) أو أبيض (إنْ أفلحوا) فيهتفون Viva il Papa، وانتقلت هذه العادة إلى الحياة العامَّة: فالدُّخان الأبيض يعني النجاح، والدُّخان الأسود يعني الفشل.

أحياناً، يقع المترجم في «حيص بيص» عندما لا يجد المعادلَ المناسب في اللغة التي يترجم إليها. ذكر جورج مونان في كتابه «المشكلات النظريَّة للتَّرجمة»[١]، نحو ٢٠ مفردة في اللغة الفرنسيَّة ولغة الأسكيمو للدلالة على أنواع الثلج والجليد، ومنها la tôle du printemps (جليد الربيع) و la poudreuse (ثلج الرصاصيَّة) و la fondante (ثلج الذائبة). ولكنَّ اللغة العربيَّة المتأثّرة بمناخ الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربيَّة فقيرة في هذا المجال البعيد عن طبيعة المنطقة.

يجب على المترجم أن يكون ساحراً كي يجدَ معادلاً لكلِّ نوع من أنواع الخبز الفرنسيِّ (٤٠ نوعاً) أو أنواع التمور الـ٤٠٠، أو ١٥٠ مفردة عربيَّة وإسبانيَّة للحصان أو ٤٠ حركة من حركات لعبة الشيش... هذا بالإضافة إلى التسميات الخاصَّة لأجزاء البيوت والمكاتب وتفاصيل الحياة اليوميَّة المتباينة لدى الشعوب.

وليس للألوان دلالة فيزيائيَّة فحسب، بل اجتماعيَّة أيضاً. ففي تعليق أمبرتو إيكو على جدل الألوان الذي ورد في الفصل ٢٦ من كتاب Notti Attiche للكاتب اللاتينيّ أولو جيليو Aulo Gellio، يذكر أنَّ جمعيَّة البصريَّات الأمريكيَّة Optical Society of America قالت بوجود ١٠ ملايين لون يمكن تمييزها[٢] ولكنَّ الألوان الشائعة تبقى تلك الواردة في قوس قزح، وهي ثمانية. وارتبطت الألوان بعبارات عديدة ينبغي على المترجم إدراكها. فعندما نقول في الفرنسيَّة Les hommes en blanc نعني بذلك الأطبَّاء والجرَّاحين والممرضات، Une nuit blanche ليلة أرقٍ، Voix blanche صوت دون نبرة، La matière blanche البنزين والمازوت، L'or blanc القطن أو الثلج ومحطَّات التزلّج، في حين أنَّ L'or noir تعني النفط. يضاف إلى ذلك أنَّ الزواج الأبيض هو زواج خُلَّبيّ دون معاشرة جنسيَّة، وغالباً ما يلجأ إليه المهاجرون إلى البلدان الغربيَّة بغية الحصول على الجنسيَّة. وعندما نتكلَّم عن ثورة بيضاء أي «لم يُسفَك فيها دم»... عند بعض الشعوب، اللون الأبيض هو لون الطهارة والكفن والعرائس والملائكة، والعَلَم الأبيض هو عَلَمُ السَّلام. وأعجب الأقدمون باللون الأحمر، لأنَّه يرمز إلى حرارة الحياة واللهيب؛ ولكنَّ دلالاته في العالم الحديث متباينة. ففي الشرق الأوسط يدلُّ على الشهوانيَّة والجنس (ليلة حمراء)؛ أمَّا عند اليابانيين فيدلُّ على العدوانيَّة، في حين أنَّه في الصين يدلُّ على الفرح والسعادة. وتبنّت بعض الأحزاب والطوائف الدينيَّة ألواناً لأعلامها: الأحمر للشيوعيين، الأسود للقراصنة، الأخضر للسنَّة، الأسود للشيعة... وغالباً ما تصوَّر الجنَّة في الأديان الإبراهيميَّة على أنَّها خضراء، وعلى أنَّ جهنم حمراء، وذهب بعضهم إلى الرَّبط بين الألوان والعلامات الموسيقيَّة، كما فعل نيوتن: دو= أحمر، ري = برتقاليّ، مي = أصفر، فا = أخضر، صول = أزرق، لا = نيلي، سي = زهريّ. وغالباً ما عُدَّ اللون الأسود لونَ الليل والشيطان والخطأ والعدم واليأس والحزن والشؤم والحِداد والموت عند الشرقيين. فيجدر بالمترجم، إذاً، ألَّا يُغفلَ هذه الفروق كي يؤدّي المعاني التي يتطلّبها النصّ الأصليّ.  

بما أنَّ اللغة تسبح في بحور من العلوم والفنون والعادات والتقاليد، يجدر بي كمترجم أن أتوقَّف عند بعض المجالات غير الحصريَّة:

١) المجال التاريخيّ:

أحياناً، يفهم المترجم جميع كلمات الجملة، ولكنَّه لا يصل إلى المعنى، لأنَّه يفتقر إلى معلومة تاريخيَّة محدَّدة، فإذا وقع على العبارة التالية:

Louis XVI a été obligé de convoquer le tiers-état

قد تحدِّثه نفسه أن يترجم: «اضطرَّ لويس السادس عشر أن يستدعي الدَّولة الثالثة» (ترجمة حرفية)، كما لو أنَّ فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر كانت مقسَّمة إلى ثلاث دول مستقلّة أو متحالفة؛ وهذا خطأ تاريخيّ جسيم. والمعلومة التاريخيَّة التي ينبغي عليه اكتشافها (عن طريق الموسوعات والمعاجم والإنترنت) تقول إنَّ الطبقات الاجتماعيَّة الفرنسيَّة في تلك الفترة كانت مؤلَّفة من: الأشراف (الأرستقراطيَّة) ورجال الدين (الإكليروس) وممثلي الشعب (le tiers-état) الذين، في ١٧ حزيران / يونيو ١٧٨٩، فرضوا على ممثّلي الطبقتين الأوليين الاقتراع الشخصيّ الذي أفرز «الجمعيَّة التأسيسيَّة» التي أدارت شؤون البلاد رغم معارضة الملك وأعوانه. بكلام آخر، يمكن القول: إنَّ كلمة le tiers-état تعني «ممثلي الأمَّة أو الشعب».

إنَّ عبارة La garde prétorienne– عندما ترد في الصحافة المعاصرة عن زعيم سلطويّ أو دكتاتور-  تحيل إلى تلك الكتيبة الخاصَّة والعالية التدريب التي أسَّسها عام ٢٧ – ٢٦ ق.م الإمبراطور أُغسطس قيصر (٦٣ ق.م– ١٤ ق.م) لتسهر على حمايته الشخصيَّة. ويمكن ترجمتها بـ«الحراسة المشدَّدة».

وعندما كان جان بول سارتر يقذف نظام الجنرال ديغول بصواعقه في أثناء ثورة ١٩٦٨ الطلابيَّة، تكلَّمت الصحافة الفرنسيَّة عن les philippiques de Sartre (حرفياً: فيليبيَّات سارتر). وما المقصود بذلك؟ تعود الكلمة إلى الخطيب ذيموسثينوس (٣٨٤ - ٣٢٢) الذي هاجم الملك فيليب المقدونيّ (أبا الإسكندر الأكبر) لسوء قدرته على الحكم. ونستطيع أن نترجمها – في حالة سارتر – بـ«الانتقادات اللاذعة» أو «النوازل».

٢) المجال الجغرافيّ:

على المترجم النبيه أن يكون على جانب كبير من المعرفة الجغرافيَّة لينقل أسماء العَلَم الجغرافيَّة دون خطأ. كما ينبغي عليه أن يراعي التغيُّرات التي طرأت على بعض الأماكن الجغرافيَّة، ومنها: بحر القلزم (البحر الأحمر)، بحر الظلمات (المحيط الأطلسي)، بحيرة جنيسارت (بحيرة طبريا)، نهر أوكسوس (نهر أموداريا). وعليه أن يدرك أن التطابق اللفظيَّ في الأماكن الجغرافيَّة غير متوفّر دائماً، فمدينة «الرَّها» هي في الفرنسيَّة Edesse، وعكَّا هي Saint Jean d'Arc، ونهر العاصي هو l'Oronte، والاتّحاد السويسريّ هو la confédération helvétique، وبلاد الرّافدين هي la Mésopotamie (بلاد ما بين النهرين). كما عليه أن يعرف أنَّ لبعض الأماكن إحالة أسطوريَّة، كما في «بلاد الواق واق»، أو Cythère، أو «إرم ذات العماد»، والمدينتين الملعونتين «سادوم» و«عمورة».

٣) المجال الدينيّ والأسطوريّ:

عندما يتكلَّم المترجم عن la loi martiale «الأحكام العُرْفيَّة»، عليه أن يتوقَّف عند كلمة Mars (وهو إله الحرب عند الرُّومان). وعندما يصادف كلمة كرنفال عليه أن ينظر في خلفيّتها الدينيّة[٣] وكيف أنَّ المفردة انتقلت من القاموس الدينيّ إلى القاموس الدنيويّ، كما نشاهد اليوم في كرنفال الرّيو مثلاً. في اللّغة العامَّة، تحيل عبارة le talon d'Achille «عرقوب آخيل» بطل الإلياذة إلى نقطة الضعف، ولم يعد لها بالضرورة وقعها الأسطوريّ الهوميريّ، كما في الأصل. وكذلك الأمر بالنسبة لعبارة Il en a fait le cheval de Troie «جعل من هذه القضيَّة حصان طروادة» التي صارت تعني «نهاية النهايات»، ولم تعد ترتبط حكماً بقصَّة الحصان الذهبيّ الذي خدع به أوليس الطرواديين وأنهى به حرباً طاحنة استمرَّت عشرَ سنوات. والملاحظ أنَّ هناك مجموعة من المفردات انتقلت من القاموس الدينيّ إلى القاموس الدنيويّ، ومنها: le calvaire du célibat «معاناة العزوبيَّة»، une éolienne «محرِّك هوائيّ» (نسبة إلى Eole إله الريح عند الإغريق)، Strada اللاتينيَّة أو «الطريق» التي أصبحت ربَّما «الصراط» في العربيَّة، وbaptiser une rue أطلق اسماً على شارع ما» (وليس عمّده، كما يشير المعنى الأوَّل للكلمة)، وbenjamin المأخوذة من اسم Benjamen (بنيامين أصغر أبناء النبي يعقوب)، وصارت تعني «الابن الأصغر المدلّل».

٤) مجال العادات والتقاليد:

في العادات الشرقيَّة يُدار تابوت الميت ثلاث مرَّات أمام دار أهله، كأنَّه يودّعها. وهذه عادة غير معروفة في فرنسا؛ لذا ينبغي على المترجم الفرنسيّ أن يضع لها حاشية شرحيَّة. ومن العادات التي يستهجنها الأوروبيّون، ذبح خروف وغمس الكفّ في دمه ثمَّ طبعها فوق مقدّمة السيَّارة الجديدة أو مدخل البيت الجديد. وكان الزوج الشرقيّ المفتول الشاربين يقطع رأس قطّ أمامَ عروسه قبل أن تدخل بيته، ليُعْلمها أنَّ مصيرَها مصيره، إن خالفت أوامره وتمرَّدت.

وتختلف علاقات القُربى بين الفرنسيَّة والعربيَّة. فكلمة oncle قد تعني العمَّ أو الخال على السواء، وcousin تعني ابن العمِّ والعمَّة أو ابن الخال والخالة، وكلمة «عديل» لا معادل لها في الفرنسيَّة. وكلمة «وُلْد العمّ والعمَّة» في المجتمع القبليّ تعني «الزوج»، و»بنت العمّ» تعني «الزوجة»، بسبب أحقيَّة ابن العمِّ ببنت العمِّ سابقاً. في الفرنسيَّة نقول mon ami et moi، أمَّا في العربيَّة فنقول «أنا وصديقي...» (تقديم الأنا على الآخر).

والمترجم المتابع لأسماء العَلَم العربيَّة يلاحظ أنَّ هناك أسماء تطلَق على الذكور والإناث في آن، مثل: «صباح»، «زين»، «إحسان»، «نور» في حين أنَّ الفرنسيَّة تميّز بين Georges وGeorge (المؤنثة)، وبين Michel وMichèle. أمَّا Claude فتُطلَق على الرجل والمرأة دون تمييز.

والمعروف عند بعض الكتّاب ولعهم بالمسبَّات والشتائم، كما هو الحال عند الكاتب الفرنسيّ Louis-Ferdinand Céline في روايته الشهيرة Voyage aubout de la nuit (رحلة في أقاصي الليل). والملاحظ أنَّ بعض اللغات محتشمة، مقارنةً بغيرها؛ في حين أنَّ اللهجات العامّيَّة تعجُّ بعبارات السبِّ والقدح والذمِّ. وهناك تمييزات معجميَّة يجب على المترجم ألَّا يجهلها: فكلمة

تاريخ الإصدار: ٢٠١٧

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 2.11/5 (42.22%) (18 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 90 )