كلمة العدد

بقلم: رئيس التحرير: حسام الدين خضور

الــرقـــابـــة

 

 

لمحة تاريخية

تاريخياً، تحدى الفيلسوف اليوناني، سقراط، في عام ٣٩٩ ق م، محاولات الدولة اليونانية مراقبة تعاليمه الفلسفية، وحُكم عليه بالموت بشرب سم الشوكران. أما تلميذه أفلاطون (٤٢٨ ـــ ٣٤٨)، فقد دافع عن الرقابة في كتابه الجمهورية. وبعكس أفلاطون، دافع الكاتب المسرحي اليوناني، يوريبيدس (٤٨٠ ـــ ٤٠٦) عن حرية الناس الأحرار، بما في ذلك حق التكلم بحرية. وفي عام ١٧٦٦، غدت السويد البلد الأول الذي يلغي الرقابة بالقانون.

تعريف الرقابة

بالتعريف، تعني الرقابة كبت حرية التعبير أو التواصل الاجتماعي أو نشر المعلومات على أساس أن مثل هذه المواد مستهجنة أو مؤذية أو حساسة أو غير صحيحة سياسياً أو غير مناسبة وفقاً لما تقرره السلطات الحكومية أو الإجماع المجتمعي.

يختلف الأساس المنطقي للرقابة حسب نمط الرقابة. فثمة رقابة أخلاقية، ورقابة عسكرية، ورقابة سياسية، ورقابة دينية، ورقابة الشركات والمؤسسات.

ما يهم الكتّاب من أنواع الرقابة هو الرقابة على المطبوعات. هذه الرقابة مذمومة لدى الرأي العام؛ لأنها، في التطبيق، تأخذ منحى منع نشر ما يمكن أن يُفسَّر بأنه ينتقد أداء الحكومة أو يسيء إلى أعراف وتقاليد مجتمعية.

في الممارسة، في بلدنا، أسهم تطبيق ذلك في ركود حياتنا الثقافية، كما يشهد على ذلك واقع الحال الفكرية الراهن.

طرق ممارسة الرقابة

ثمة طريقتان لممارسة الرقابة على المطبوعات، الأولى مسبقة، وهي ما مارسناه منذ عقود ونطبقه في الوقت الحاضر. والثانية لاحقة، تحكم على المنتج الثقافي بعد اكتمال إنتاجه وعرضه في السوق الثقافية.

أزعم أن الرقابة اللاحقة تنشط الحياة الثقافية لأنها تضع كل الجهات المعنية بالمنتج الثقافي أمام مسؤولياتها، وفي المقدمة الكتّاب أنفسهم. يدرسون القوانين التي تحكم عملهم، ورد فعل المجتمع على أطروحاتهم، ومستوى منتجهم الفكري والفني. سيكونون وجهاً لوجه مع القانون والمجتمع والقارئ.

أما الرقابة المسبقة، فتحرر الكاتب من المسؤولية القانونية والمجتمعية، وفي الوقت نفسه، تحرم القارئ من الاطلاع على ما منعته مسبقاً والحكم عليه، بالإضافة إلى الانطباع السلبي الذي تخلفه على المشهد الثقافي برمته.

الرقابة اللاحقة تعطي جميع الأطراف أدوارها كاملة: الكاتب والقارئ والمجتمع والقضاء، وتشرك وسائل الإعلام في تسليط الضوء على القضايا المثارة. إنها آلية شديدة الفاعلية في تنشيط الحياة الثقافية.

في هذا العالم، الذي لم يعد فيه، بفعل الثورة الرقمية، أشياء يمكن حجبها، تعود للجهات المعنية بالثقافة أدوارها المسؤولة كاملة.

وفي هذا السياق نقول: إن الجهات المعنية بصناعة النشر العامة والخاصة تمارس عملية الرقابة المسبقة بحكم عملها، ولا تفعل الرقابة اللاحقة شيئاً إلا أن تحررها من أحكام رقيبين أو ثلاثة، وتنقل دورهما/ دورهم إلى قاعدة عريضة من الرقباء الأكثر دراية الذين ستخضع أحكامهم للقانون المعمول به في الدولة.

ربما حان الوقت للانتقال إلى هذا المستوى الأكثر تطوراً للرقابة الذي تعمل به معظم المجتمعات المتقدمة في الغرب والشرق لأنه يحرر الثقافة من كوابح مفروضة عليها من خارجها، ويحول الرقابة بذاتها إلى عملية ثقافية حية تتفاعل فيها جميع الأطراف المعنية بالثقافة.