المقالات

الصفحة السابقة »

مَزَايا لَيْسَتْ لغَيْرِ العربيَّة

بقلم: د. محمَّد قاسم

مَزَايا لَيْسَتْ لغَيْرِ العربيَّة

قال ابنُ جنِّي (ت ٣٩٢هـ):

»وكلامُ العربِ لِمَنْ عَرَفَهُ وتَدَرَّبَ بطريقها فيه جارٍ مَجْرَى السِّحر لَطَفاً، وإِنْ جَسَا عَنْهُ أَكْثَرُ مَنْ تَرَى وجَفَا«. الخصائص ١/٢٠٥.

وقال أيضاً:

»ولو أَحَسَّتِ العَجَمُ بلُطْفِ صناعةِ العربِ في هذه اللُّغة وما فيها مِنَ الغُمُوْضِ والرِّقَّة والدِّقَّة، لاعتذرتْ مِن الاعترافِ بلُغَتِها فَضْلاً عَنِ التَّقديمِ لها«. الخصائص ١/٢٤٢.

 

المقدِّمة

لا أُحِبُّ أَنْ يَغْلِبَني هوايَ وأنا أتكلّم على معشوقةٍ استبدَّ حبُّها بين أَضْلُعي، وأَوْقَدَ حُسْنُها ناراً في حشاي، إِذْ يجرُّ عليَّ الهوى ههُنا جَرَائِرَ مختلفةَ الأَلْوَانِ: العصبيَّةُ وتجافي الموضوعيّة ومخالفةُ العقل، ولستُ مُسْتَوْزِراً هذه الجرائر، وحالي حال أبي ذؤيب:

وعيَّرني الواشونَ أَنَّي أحبُّها

 

وتلك شكاةٌ ظاهِرٌ عنك عارُها

هذه الـمَعْشُوْقة فتاةٌ عَذْرَاءُ لا يَتَقَضَّى حُسْنُها، ولا يرتوي العاشقُ من ماءِ جلالها وبهائها، إِنَّها العربيَّةُ لسانُ أُمَّتِنا وأَجَلُّ اللُّغاتِ المحكيَّةِ فوقَ ظَهْرِ هذه المعمورةِ، وأعتقُها، وأَثْرَاها أَلْفَاظاً وأَسَاليبَ ومَعَانيَ، وهي أشبه ما تكون بجنّةٍ دانيةِ القطوف وارفةِ الظّلال مُتَضَوَّعةِ المسك، كلَّما اجتنى ثمرةً مِنْ ثمارها تشهَّى المزيد، وكلّما أراحَ في جنبة مِن جنباتها اشتجر في فؤاده سحرُ المكانِ الذي يستظلُّ به وسحرُ مكانٍ آخر يُناديه ويُغْويه، وكلّما داعبَ النسيمُ مُحيَّاه اجتذبه ماءٌ عذبٌ نميرٌ أَنْ يعبَّ منه، وهكذا يبقى تتخطَّفُه الآلاءُ، وتتنازعُه الأرزاقُ، ويُطْبِقُ عليه السِّحْرُ، ويعلوهُ البُهْرُ مِنْ حكمة صانع هذه الجنَّة: أَنَّى أُوتيَ البراعةَ في الصُّنْعِ في كلِّ موضعٍ موضعٍ فيها؟! عقدٌ منضودٌ أُحسن رَصْفُه، لا تتخلَّفُ فيه لؤلؤةٌ عن أختها، ولا يبلى سلكُه على مرِّ الأزمانِ وتصرُّم الدُّهور.

قال ابن جنِّي: »فهذا ونَحْوُه يدلُّك على قُوَّةِ تداخل هذه اللُّغة وتلامُحها، واتّصالِ أجزائها وتلاحُقِها، وتناسُبِ أَوْضَاعِها، وأَنَّها لم تُقْتَعَثِ اقْتِعَاثاً، ولا هِيْلَتْ هَيْلاً، وأَنَّ وَاضِعَها عُنِيَ بها، وأَحْسَنَ جِوَارَها، وأُمِدَّ بالإصَابَةِ والأصالةِ فيها(١)«اهـ.

وحَسْبُ العربيّة شرفاً لا يتناهى أَنَّ الله اصطفاها دون لغات العالمين، وجَعَلَها لَبُوْسَ كتابه الكريم، ووصفها بأنَّها لغةُ إِبانةٍ وإِشفافٍ وإِفصاحٍ؛ قال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (سورة النحل: ١٠٣)، واللِّسان ههُنا اللُّغة، وعن ابن عبَّاس حَبْرِ الأُمَّة أَنَّه قال: »لمـَّا خُصَّتِ العربيَّةُ بالإبانةِ عُلِمَ أَنَّ غَيْرَها مِنَ اللّغات دُوْنَها في ذلك«.

وفي سبب نزول الآية أنَّ النّبيّ كان يُعَلِّمُ غلاماً أعجميّاً في مكّة اسمه بَلْعام، فقالتْ قريش: هذا يعلِّمُ محمَّداً مِن جهة الأعاجم(٢)، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ المعنى: لسان الرجل الذي يُميلون قَوْلَهم عن الاستقامة إِليه لِسَانٌ أَعجميٌّ غَيْرُ بَيِّنٍ، وهذا القرآنُ لِسَانٌ عربيٌّ مبينٌ ذو بَيَانٍ وفصاحةٍ رَدّاً لقولِهم وإِبْطالاً لطَعْنِهم(٣).

وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا (سورة الشُّورى: ٧)، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (سورة الزُّخرف: ٣)، وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ (سورة فُصِّلَت: ٤٤).

فهذه الآي مُنْبِئَةٌ أنَّ العربيَّة لغةٌ مُبِيْنَةٌ قادرةٌ على الإشفاف والإفصاح والبيان، أفَلا يفخر المرءُ بلُغَتِه حتى لو كانت دون العربيّة، فكيف إذا كانت العربيّةَ سيّدةَ اللُّغات ...

 تحميل كامل المقال

تاريخ الإصدار: ٢٠١٧

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 1.33/5 (26.67%) (3 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 54 )