المقالات

الصفحة السابقة »

التوحيدي:سردية التسلط

بقلم: د.وفيق سليطين

بات من المتعين - ولا سيما مع كشوف المعرفة الحديثة- أن نظام اللغة هو من أكثر أنظمة الاتصال والتبادل الاجتماعي تأثيراً، لما له من قوة خاصة في ترسيخ القيمة، وتعميمها، وتأمين سريانها، وحفرها في مساحة التداول الشاملة للجسم الاجتماعي التاريخي. ويرجع ذلك إلى ما تتسم به اللغة من خاصيات الثبات والمحافظة والتكرار في الاستخدام المتواتر للتسمية ومحددات اللسان، بحيث إنها تكتسب استمرارية زمنية تستغرق أجيالاً متعاقبة، وتشكّلها على مقياس القيم المتوارثة التي تولّت حفظها في سجلاتها المتباينة، فأضحت معزّزة بسلطة الشيوع والاعتماد، من حيث هي مضروبة، وهمياً، على مقتضى الطبيعة والأصل.

على هدي ذلك، تحاول هذه القراءة أن تستكشف ضرباً من التشكيل اللغوي لخطاب التسلط، بوصفه واحداً من التجليات الكلامية التي تضطلع بإعادة تنظيم ممكنات اللسان في حقل محدد ينبثق من عمومية النظام اللغوي، ويندرج تحته، ويردّ عليه. وقد تخيّرنا أن نتخذ حديث الليلة الرابعة والثلاثين من كتاب (الإمتاع والمؤانسة) لـ«أبي حيان التوحيدي» موضوعاً لهذا التناول الكيفي المقترح في حدود العنوان المصدَّر للإبانة والتخصيص.

نصّ من حديث الليلة الرابعة والثلاثين:

يسوق «التوحيدي»، في هذا الإطار، قول الوزير «ابن سعدان» لأهل مجلسه: (قد والله ضاق صدري بالغيظ لما يبلغني عن العامة من خوضها في حديثنا، وذكرها أمورنا، وتتبعها لأسرارنا، وتنقيرها عن مكنون أحوالنا ومكتوم شأننا. وما أدري ما أصنع بها، وإني لأهمّ، في الوقت بعد الوقت، بقطع ألسنةٍ وأيدٍ وأرجلٍ وتنكيل شديد. لعلّ ذلك يطرح الهيبة، ويحسم المادة، ويقطع هذه العادة. لحاهم الله، ما لهم لا يقبلون على شؤونهم المهمّة، ومعايشهم النافعة، وفرائضهم الواجبة، ولمَ ينقّبون عمّا ليس لهم، ويرجفون بما لا يجدي عليهم، ولو حققوا ما يقولون ما كان لهم فيه عائدة ولا فائدة. وإني لأعجب من لهجهم وشغفهم بهذا الخلق، حتى كأنه من الفرائض المحتومة والوظائف الملزومة. وقد تكرر منّا الزجر، وشاع الوعيد، وفشا الإنكار بين الصغار والكبار. ولقد تعايى عليّ هذا الأمر، وأغلق دوني بابه، وتكاثف عليّ حجابه)(١).

في الموضعة السردية للقوة:

يبدأ نص «التوحيدي» بتقديم خطاب الوزير في صياغة تتيح لنا إمكانية التلقي المباشر لصوته الغاضب المتوعد، وكأن «أبا حيان» يدفع به إلى مقدمة المسرح، ويجعلنا نتملّى في ملامحه التي ترتسم عبر المنطوق، وتتجسّد بفعل ..... تحميل كامل المقالة

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 1.91/5 (38.18%) (33 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 13 )