المقالات

الصفحة السابقة »

صفات المؤرخ

بقلم: عبد الله يوسف السليمان

كانت جامعة «السوربون» أول جامعةٍ تحدث مقرراً لمنهجية التاريخ, وكان من إعداد الأستاذين «تشارلز فيكتور لانكلوا Langlois، وشارلز سينوبو Seignobos » ودُرِّسَ للمرة الأولى في الفصل الأول أثناء العام الدراسي (١٨٩٦-١٨٩٧م), وكان المقرر يهدف إلى تعليم الطلاب لماذا يُدْرس التاريخ وكيف, فـالتاريخ لا يُدْرس عفواً

ولا يكتب اعتباطاً, وليس كل من يحاول أنْ يكتبَ في التاريخ يصبح مؤرخاً, كما يتصور بعض الناس, أو كما يتخيل بعض الكتّاب حين يسطّرون صفحات طويلة عن حوادث ماضية أو معاصرة, ويعتقدون بذلك أنهم يكتبون تاريخاً, ما داموا قد أمسكوا بالقلم والقرطاس. لا بد من جملة من الصفات الواجب توافرها في الرجل الذي يرغب أن يكون مؤرخاً بالمعنى الحق للكلمة, فالمؤرخ: رجلٌ حساس تنشأ حساسيته من مزيجٍ معقدٍ يجمع بين خصوبة الخيال, والانغماس في الماضي, والتجربة المعاشة, وقدرة البصيرة, وروح الدقة والإثارة والسخاء, والهوى الطوعي, حساسية المؤرخ أمرٌ سري, إنها نداء جاذبية الماضي لفهم الأشياء الميتة, هي القدرة على عشق كائنات زالت قبل مئتين أو ثلاثمئة ألف سنة. ولعل أهم صفات المؤرخ هي:

أولاً- الصبر: يجب على المؤرخ - وعلى كل باحث - أن يكون صبوراً جلداً, حتى إنَّ بعضهم يقول: «البحث صبر», والباحثون الأكثر خبرة يعلمون أن البحث عملية صعبة, وبطيئة, ومؤلمة, ومن النادر أن تكون مظهرية, هم يعلمون أن البحث عن الحقيقة, وحل المشكلات المهمة يستغرق وقتاً طويلاً, وجهداً كبيراً, وكثيراً من التفكير المنطقي العميق, فالباحث يحتاج إلى بعض خصائص النملة كالمثابرة والجِد وتحمل الصعاب, فهذه صفات ضرورية للباحث حتى يستطيع إنجاز بحثه, وكان الإمام علي كرم الله وجهه يقول: «لايعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمان», وبالتالي لا يجوز للمؤرخ أن تمنعه وعورة البحثِ ولا المصاعبُ والعقبات عن مواصلة العمل, ولا توقفه ندرة المصادر, ولا يصرفه غموض الوقائع والحقائق التاريخية واختلاطها أو اضطرابها. لا بل ينبغي عليه أن يقضي الشهور والسنوات وهو يقلّب صفحات الكتب, ويجمع المصادر اللازمة لأبحاثه, وإنْ تطلب ذلك العمل المكوث في المكتبة ومراكز المخطوطات التاريخية والمتاحف لساعاتٍ طوال, أو أنْ يرتحل من بلدٍ لآخر, وإلى كل مكان يمكن أن يعثر به على ما يفيده, كما يجب على الباحث - المؤرخ أن يحافظ على رباطة الجأش عند معالجة إشكاليات البحث التاريخية, ولاسيما طلاب الدراسات العليا فإذا اكتشف الباحث أن ما وصل إليه من تعميماتٍ ليس صحيحاً, سيصاب بالإحباط, وكثير من الباحثين يعتبرون ذلك فشلاً شخصياً لهم, لأنهم يرتبطون عاطفياً بالفرضيات التي وضعوها, ويجب على الطالب - المؤرخ أن يكون صبوراً على أهل المهنة, حيث يُروى أن طالباً من طبقة «بيير ليون P. Leon» كان يتذمرُ من أستاذه المشرف «لابروس Labrousse» لأنه لم يكن يسأله البتة هل هو متزوج وله أولاد, القصة طريفة, ولكن ليس هذا ما أقصد, إن ما أقصده هو أن الطالب المتميز يرفض أن يسلك مسالك المدارس التقليدية, وحتى يبرهن عن صحة وجهة نظره ويثبت للجميع كفاءته يعاني الأمرّين, فجميعنا يعلم مدى قسوة التهم التي وجهها الدكتور «جبرائيل مونود Gabriel Monod» أثناء مناقشته لأطروحة الدكتوراه لأستاذ الثانوية الشاب «هنري بيرّ Henri Berr» المعنونة بــ«L’Avenir de la philosophie» فقط لأنها في فلسفة التاريخ, في وقت لم تكن فيه فلسفة التاريخ محبذة في الدوائر الأكاديمية الفرنسية, لكن ذلك لم يمنع الدكتور «بيرّ» فيما بعد أن يقنع جيل الشباب من المؤرخين الفرنسيين بصحة وجهة نظره, حتى أصبح أستاذ فلسفة التاريخ في فرنسا كلها بعد الحرب العالمية الثانية.

ثانياً: الصدق والأمانة: ينبغي على المؤرخ أن يكون صادقاً أميناً مخلصاً شجاعاً, فلايكذب, ولا ينتحل, ولا ينافق أصحاب الجاه والسلطان, ولا يخفي الوقائع والحقائق التي قد لا يعرفها غيره. ومن يخرج عن ذلك لا يعد مؤرخاً. ولا ريب أن الكشف عن عيوب الماضي وأخطائه تفيد إلى حدٍّ كبير في السعي إلى تجنب عوامل الخطأ في الحاضر, وعدم الكشف عنها يُعدُّ تضليلاً وبعداً عن التبصر والمصلحة الإنسانية. وقد رافق مفهوم الصدق والأمانة التاريخ منذ نشأته الأولى في العصر الكلاسيكي حتى إن المؤرخ الكبير «بوليبيوس Polubios» (٢٠٥ – ١٢٥ ق.م) اعتمدَ في تدوينه للأحداث على صدق الحقائق التاريخية بغية أن تعطي درساً حقيقياً ومجدياً للإنسان... وطلب من المؤرخ أن يقدم الحقائق الخالصة مهما كان نوعها ومضمونها, وكما حدثت دونما تحريف أو تزوير أو مبالغة... فالتاريخ يهدف إلى إبراز الأحداث ليتعلم الإنسان ويكتسب المعرفة على مر العصور.

وكان المؤرخون المسلمون أكثر من تحلى بصفة الصدق والأمانة والأمثلة كثيرة في الجيل الأول, ويعود الفضل لهم في وضع أسس الكتابة التاريخية, وكان هؤلاء أصلاً من المفسرين لكِتاب الله عزّ وجل, أو المحدِّثين بأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم), ثم أضافوا لعملهم كتابة التاريخ وأخبرونا بأهدافه, وتحدثوا عن فوائد مثل ذلك العمل في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة. ولهذا نجد أنفسنا مطمئنين إلى ما كتبوا, ولاسيما من كَتَبَ المغازي وأخبار الجهاد, وهذا الصنف من المؤرخين ظلَّ يعمل عن كثب خلال العصور التاريخية اللاحقة حتى وصل الأمر مع بعضهم فيما بعد للجمع بين التاريخ وفلسفة الأخلاق, حرصاً على توخي الصدق وتحاشي الكذب, كما فعل مسكويه (ت٤٢١ه). كما تتطلب الأمانة من المؤرخ إظهار الحقيقة التاريخية التي قد يكون إخفاؤها عملاً وطنياً في بعض الظروف, كما تفعل كل الأمم, وهذا ما يسمى: «بالمسكوت عنه في التاريخ», إن صياغة العبارة بهذه الكلمات يوحي بأن ثمة أمراً قسرياً قد حدث يفرض إهمال أو تغييب وقائع تاريخية. ولكن لا بد من ظهور الحقيقة بعد زوال الضرورة التي دعت إلى إخفائها حتى نتمكن من استخلاص أكبر قسط من العبر, وربما سنسمع أو نقرأ في يوم من الأيام عن أطروحات للدكتوراه تتناول موضوعات من المسكوت عنه في التاريخ, وسنكتشف أن ذلك المسكوت عنه هو التاريخ الحقيقي, وأن الذي نكتبه هو دوران حول الحقيقة, أو على هامشها.

ثالثاً: فصل التاريخ عن السياسة: إن أهم صفة يجب أن يتحلى بها المؤرخ هي أن يفصل في دماغه بين التاريخ والسياسة وألّا يخلط بينهما, وبما أن البحث في التاريخ لم يكن في العصور الإسلامية يعتبر من العلوم التي يمكن أن تكفل لصاحبها مستوىً من المعيشة بما يحصل عليه, وجدنا عدداً لا بأس به من المؤرخين الذين كانوا يعملون في وظائف الدولة والمناصب الحكومية وخدمة الخلفاء وتألقوا في شؤون الحكم والسياسة, وهذا ما مهد لظهور طبقة من هؤلاء يمكن أن نطلق عليها اصطلاح «مؤرخي البلاط» أو «مؤرخي الدولة» إن صح تعبير الأستاذ «فرانز روزنتال», إلا أن ذلك لم يؤثر على نزاهتهم ورقي كتاباتهم, وإن كان الكثير من المثقفين يعيب على المؤرخ الذي يعمل في السياسة أو وظائف الدولة, نقول: أفلا يكون السياسيون أفضل حظاً من المؤرخين المتفرغين؟!! إن خبرتهم من تجاربهم الشخصية تجعلهم في الغالب أقدَرَ من الإنسان المثقف على فك ألغاز مؤامرات أسلافهم. وغالباً مايسمح لهم موقعهم بالاطلاع على وثائق غير منشورة, لا بل إن الكثير منهم كان شاهداً على أحداث, وكثير منهم شارك في صناعة أحداث, لذلك يجب التمييز بين التاريخ الموجه إيديولوجياً, الذي يسعى رجال السياسة لصناعته خدمةً لأهدافهم, وبين التاريخ الذي عكف رجال السياسة على كتابته بصفحاته البيضاء والسوداء, فبعد أن استقال «إدوارد كار E. H. Carr» (١٨٩٢ – ١٩٨٢م) من عمله في وزارة الخارجية البريطانية سنة (١٩٣٦م), بعد رحلة عمل استمرت عشرين سنة. تفرغ للتدريس في الجامعة, ولكتابة تاريخ المرحلة التي عاصرها وشارك في صناعة أحداثها, فبدأ بسنة (١٩٤٥م) واستمر يكتب ثلاثين سنة, ونتاجه شمل (١٤) مجلداً, تعتبر من أفضل المصادر التاريخية عن القرن العشرين, وفي الطرف المقابل نشاهد «برنارد لويس» المتخصص في الدراسات العربية - الإسلامية, والذي يعتبر من أخطر المؤرخين في الحقبة المعاصرة, فطالما سعى إلى تسييس الأحداث التاريخية لتشويه الصورة العربية – الإسلامية, إن دراسة آراء «لويس» وأحكامه تبيّن العلاقة الوثيقة بين المنهج العلمي الذي يتبعه المستشرقون وبين الصراع الحضاري والسياسي المستمر بين الشرق والغرب, الأول «إدوارد كار» سياسي تفرغ لكتابة التاريخ بإخلاص, والثاني «برنارد لويس» مستشرق تفرغ لتزوير التاريخ عن سبق إصرار وترصد. لذلك يجب استيعاب الفرق الكبير بين ما ترمي له السياسة, وهي في الغالب أهداف براغماتية نفعية مرحلية, سواء كانت قريبة أم بعيدة. وبين عمل المؤرخ الذي لا ينشد سوى الحقيقة.

رابعاً: ملكة النقد: يلزم المؤرخ أن تتوافر له ملكة النقد, فلا يجوز له أن يقبل كل الكلام أو يصدق كل وثيقة أو مصدر بغير الدراسة والفحص والاستقراء, فيأخذ الصدق أو أقرب ما يكون إليه, ويطرح جانباً كل ما عَدَاه. وإذا أعوزت المؤرخ ملكة النقد سقطت عنه صفته, وأصبح مجرد شخص يردد كل ما يبلغه على أنه حقيقة. وهذا ما دفع «البيروني» ليجعل فلسفة التاريخ تقوم على العقل النقدي أولاً, والوجود المادي ثانياً, والفعل البشري أخيراً. وللأسف كثيراً ما ينقل طلاب الدراسات العليا معلوماتهم من مصادر مختلفة دون أدنى نقدٍ علمي, أو تمحيصٍ في الخبر. لذلك تأتي كتاباتهم مشوهة. يجب على المؤرخ الفطن أن يدقق في كل ما يقرأ, وإذا كان القانون يقضي بأن كل مُتهمٍ بريء حتى تثبت إدانته, فإننا عندما نستخدم منهجية التاريخ نعمل بالعكس, فكل معلومةٍ مدانة حتى تثبت صحتها.

وملكة النقد موهبة من الله, فقد لا يتحلى بها كبار الأساتذة, ولا أجدُ مثالاً أفضل للفطنةِ والفراسةِ ولملكةِ النقد من «أبي بكر الخطيب»: فلما أظهر اليهود كتاباً وادعوا أنه كتاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المثبت به إسقاط الجزية عن أهل خيبر, وفيه شهادة الصحابة (رضي الله عنهم), وذكروا أنه بخط «علي» (كرم الله وجهه), حُمل الكتاب إلى «أبي القاسم», وكان وقتها وزيراً للخليفة العباسي القائم بأمر الله, فعرض الوزير الكتاب على الحافظ الحجة «أبي بكر الخطيب», فتأمله ثم قال هذا مزور فقيل له ومن أين لك هذا؟ قال: فيه شهادة «معاوية», وهو قد أسلم عام الفتح, وفتح خيبر كان في سنة السابعة للهجرة. وفيه شهادة «سعد بن معاذ», وهو قد مات يوم «بني قريظة» قبل فتح خيبر بسنتين.

وكان المؤرخ الفيلسوف «مسكويه» ممن عوَّل على النظرة النقدية للروايات التاريخية, واعتمد فيها على ما يقبله العقل, كما اعتمد على حصاد مشاهداته وصلاته واستخلص منها جميعاً مادة كتابه, وحرص أشدَّ الحرص على قياس الأخبار على العقل المنوط بتمحيصها أولاً, ثم تعليلها بعد ذلك.

خامساً: الابتعاد عن الظهور: ينبغي على المؤرخ أن يكون باحثاً محترفاً يقوم بعمله لأنه يحبه, ويقدر المعرفة العلمية لذاتها, كما ينبغي عليه الابتعاد عن أهواء الدنيا, وألا يحفل بالكسب والألقاب والجاه والمناصب وحب الشهرة, وأن يكرس نفسه لعمله العلمي بصمت وسكون, وكما يقال: «ليس مهماً من تكون الآن, بل المهم إلى أين تسعى», فلا داعي للمؤرخ أن يوزع جهده هنا وهناك, إذ إن الحقيقة العلمية التي يمكن أن يتوصل إليها تعادل كل ألوان الكسب وصنوف المناصب أو تزيد عنها.

إنَّ الابتعاد عن الظهور وحب الشهرة هي صفة تلازم المؤرخ منذ بداياته الأولى في البحث والكتابة, ثم تتطور إلى ما يشبه العزلة. فالمؤرخ يحيا عزلة من نوع خاص, هو دائماً لوحده, وإن ما يجنيه من سواه قليل النفع أحياناً, يحيا مع مواده, مع كتبه ومخطوطاته, ومن العسير عليه أنْ يلقى صديقاً يناقشه تطور أبحاثه مناقشةً حقيقيةً, هو دائماً يفكر وحده في تخوم المشروع, يحيا بهدوء, ولعل هذا الهدوء في شخصيته هو سبب غبطته ومعلومٌ أنّ «السعيد جداً من لا ينتظر خيراً من أحد». إن المهنة هي مهنة اعتزال حيث لا نكاد نلقى عون أحد إلا فيما ندر. وكان المؤرخ «ألفونسُ دبون A. Dupont» يقول: «التاريخ باعث العزلة». وماكنا لنرى كتاب «ابن خلدون» لولا عزلته الشهيرة في قلعة بني سلامة طوال أربع سنوات (٧٧٦-٧٨٠م) حيث وفرت له صفاء الذهن والجو المناسب, فعكف يفكر في تاريخ المغرب تحت تأثير الحوادث السياسية التي شارك بها, والسجون التي دخلها, والأمراء الذين خدمهم واستخدموه, ثم شرع في تأليف كتابه.

طبعا أنا لا أدعو للرهبانية, لكن أدعو للتفرغ الحقيقي للعلم, لأن هؤلاء العاكفين المتفرغين للدراسة والبحث في العلوم والفنون كافة – ومنهم المؤرخون– من يقوم على أكتافهم تقدم الإنسانية وازدهار الحضارة.

سادساً: الموضوعية وعدم الانحياز: من صفات المؤرخ أن يكون عادلاً غير منحاز في فكره وضميره, «والعفيف من انتصرت نفسه على رغباته», فمن حق الماضين علينا أن ننقل أفكارهم وأعمالهم كما فهموها وطبقوها. وحتى يتسنى للمؤرخ ذلك عليه أن يحرر نفسه بالقدر المستطاع من الميل أو الإعجاب أو الكراهية لعصر خاص أو لناحية تاريخية معينة, فهو بمثابة القاضي الذي لا يكون حكمه أقرب إلى العدل إلا بقدر المستوى الذي يصل إليه من البعد عن التحيز والهوى, فكيف ننتظر ممن بلغ إعجابه أو كراهيته لعصر ما حد التحيز أن يكتب تاريخاً علمياً, ألن تكون كتاباته ملونة بالتحيز الذي يجعلها تميل إلى جانب دون آخر, مما يبعدها عن بلوغ الحقيقة التاريخية؟. ولعل الموضوعية كانت مطلباً دعا له «بوليبيوس» حرفياً عندما قال: «إنّ التاريخ يجب أن ينزه عن الأغراض التي تشوه الحقائق وإذا ما وقف الإنسان وقفة المؤرخ عليه أن يتخلى فوراً عن جميع الاعتبارات: كحب الإنسان لصديقه وكرهه لعدوه. وعليه في بعض الأحيان ألا يتورع عن مدح أعدائه. وكما أنّ الإنسان يفقد كل أهميته إذا ما انتزعت منه عيناه, كذلك التاريخ يفقد كل أهميته إذا ما انتزعت منه الحقيقة ولا يبقى منه إلا قِصَصٌ لا قيمة لها».

ورغم ذلك نحن نقول إنّ الحيادية في كتابة التاريخ أمرٌ مستحيل لأن الإنسان ابن بيئته يتأثر ويؤثر, وخاصة المثقف, فما بالك بالمؤرخ, ولكنها أمرٌ لا بدَّ منه, فعلى سبيل المثال: إشكالية تعامل السلطان «محمد الفاتح» مع المسيحيين بعد فتح القسطنطينية لا يكاد ينتهي النقاش بها بين المؤرخين المسيحيين والمسلمين, وكل يرى أنه يمتلك الصواب, فالدكتور «سالم الرشيدي» يقول: «سلك السلطان الفاتح نحو أهل القسطنطينية سياسة التسامح والرأفة. وأمر جنوده بحسن معاملة من في أيديهم من الأسرى والرفق بهم, وقد بذل «الفاتح» كل ما كان في وسعه لتخفيف آلامهم وفك أسراهم وفدى عدداً كبيراً من الأسرى بماله الخاص, ويقول «أحمد مختار باشا»: إن السلطان «الفاتح» قد حنا على أهل القسطنطينية حنو الوالد الشفيق العطوف على ولده وكان كثير من السكان قد فروا من المدينة عندما دخلها العثمانيون خوفاً من القتل, فأصدر «الفاتح» بياناً عاماً دعا فيه كل هؤلاء الفارين للعودة إلى مدينتهم كل إلى منزله وآمنهم على حياتهم وأموالهم, ويعود أهل التجارة والحرف إلى أسواقهم ومزاولة أعمالهم مهنهم ووعدهم بحرية العبادة وممارسة شعائر دينهم». وفي المقبل كان المؤرخ الإيطالي «باربارو» (من البندقية) يروي النقيض تماماً, وقد شهد حوادث فتح القسطنطينية, حتى إنه لم يكن ينعت العثمانيين إلا (بالكلاب), ويصف الفاتح بالصفة نفسها, ولا عجب حين نقرأ اليوم في كتابات كثيرٍ من المؤرخين الأوروبيين المعاصرين روايات «باربارو» أو «فرانتزتس», فهم يتبنونها دون أدنى تمحيص علمي.

والمؤرخ الحق الذي يدرك أن حياده سيكون أمراً مستحيلاً في حقل ما, تراه يبتعد عنه, وخير ما نستشهد به هو المؤرخ السوري «بوسيدونيوس Posidonius» (١٣٥ –٥١ق.م) الذي كتب تاريخ روما في اثنين وخمسين كتاباً, من نهاية الحروب البونية (١٤٦ق.م), حتى سقوط دكتاتورية «سولا Sulla» سنة (٧٩ق.م). لكنه (أي بوسيدونيوس) رفض أن يؤرخ قنصلية «شيشرون» (سنة ٦٣ق.م), وهي السنة ذاتها التي حدثت بها مؤامرة كتلينا, اعتذر عندما طلب «شيشرون» منه ذلك, حتى يجنب نفسه الدخول في تنافس القوى المتصارعة زمن الحرب الأهلية.

سابعاً: العقل المرتب: من الضروري أن يكون المؤرخ ذا عقل واع مرتب منظم, وتفكير منطقي سليم, لكي يستطيع أن يميز بجلاء بين الحوادث, وينسق أنواع الحقائق, ويفيد بها في الموضع المناسب, ولكي يكون قادراً على تحديد العلاقة بين حوادث التاريخ في الزمان والمكان, ويربط بينها على اتساق وتوافق, وبغير ذلك تختلط الحوادث أمام المؤرخ وتضطرب تفصيلاتها ويعجز عن الربط بينها ويفقد صفته. والتفكير المنطقي إجمالاً يستند إلى قواعد المنطق وأحكامه, وهو نوعان: تفكير منطقي استقرائي, وتفكير منطقي استنباطي. في المنطق الاستقرائي ينطلق الباحث من عبارات وأحكام خاصة إلى تعاميم أو أحكام عامة. أما في التفكير المنطقي الاستنباطي ينطلق الباحث من عبارة عامة أو تعميم إلى استنتاج خاص, أي الوصول إلى معرفة جزئية من معرفة كلية عامة, فإذا كانت المقدمات في التفكير الاستنتاجي صحيحة, تكون النتائج تلقائياً صحيحة. في المنطق الاستقرائي يتوصل المؤرخ إلى النتيجة من خلال ملاحظات خاصة, ومن ثم يعمم ما توصل إليه من هذه الحالات ليشمل مجموع الحالات المشابهة بأكملها, كقول «ابن خلدون»: «الترف مؤذن بخراب الدولة». أو القول إنَّ الجوع والقمع يولدان الثورة, فالأول أبوها والثاني أمها, فلولا هذين السببين لما ثارت باريس على «لويس السادس عشر». أما التفكير الاستقرائي- الاستنتاجي, نستخدمه في حال غياب الوثائق والشواهد التاريخية, أو أثناء صياغة النظريات التاريخية, فالمؤرخ «مسكويه» يفسر حركات العيارين وثورات العوام بالسياسات والإجراءات الاقتصادية المشتطة, ووفق الرؤية نفسها فسر استقرار الأحوال السياسية وازدهار العمران بالسياسات الاقتصادية الرشيدة.

ثامناً: الخيال المبدع: ينبغي على المؤرخ أن يكون صاحب إحساس وذوق وعاطفة وتسامح وخيال بالقدر الذي يتيح له أن يدرك آراء الآخرين ونوازعهم, وهذا يفرض علينا تمثل روح كل عصر, لأن الحكم على عصر مهما بلغ من القدم من خلال فكر معاصر لا يوصلنا إلى فهم حقيقي, فلكل عصر تجلٍّ خاص به, لذلك ينبغي على المؤرخ أن يشارك رجال الأمس مواقفهم في ساعات التاريخ الفاصلة, وفي فترات الانقلابات, وفي عهود المقاومة, وفي ظروف النجاح والفشل ويحس ما جاش في صدورهم من شتى العواطف, ويفهم بقدر المستطاع الدوافع التي حركتهم لاتخاذ سلوك معين في الزمن الماضي حتى يتمكن من تلمس أخبار «شاروكين الأكادي, وحمورابي البابلي, وزمري ليم (ملك ماري), والإسكندر المقدوني, ويوليوس قيصر, ونابليون, وعمر بن الخطاب, وخالد بن الوليد, ومحمد علي باشا, وأحمد عرابي, وجمال عبد الناصر», يمكننا أن نسجل حركات المدارات والنجوم وحياة الحشرات دون أن نشعر بالحب أو الكره تجاههم, لكن في التاريخ, كما يقول «جيبون Gibbon», لدينا فرصة - بناءً على المغريات - لصعود جبال الألب مع «هانيبال», نحن نحلم بالشخص الذي ندرس سيرة حياته, فالحلم يوسع التخوم ويؤخرها, يتيح اكتشاف علاقات جديدة, اختراع آفاق, يعمق الفارق بين المعرفة المكتسبة وما يبقى من الواجب اكتشافه, وهو يرمم ما يظل خفياً, ويمسك بتلابيب ما يتوارى, والمؤرخ يميز دائماً بين تخيلاته وبين الأدلة المثبتة, ولايوظف الوقائع لخدمة مصالحه الشخصية ويجعلها مناسبة لنظرياته. هو يستخدم الخيال فقط ليدرك الكتيم الضمني, لكل ما لم يقل, يحلم به, يحلم بما كان أو بما كان يمكن أن يكون, يحيا على حدسه, على رؤاه التي تبدو ضرورية, يراكم ظنونه, إن جمع الجذاذات لم يكن البتة بأفضل الطرق: لا بد من تعميق الشعور المسبق وإبراز الأفكار الغامضة, والاهتمام باللامرئي, بما لم يُقَل ولم يكتب.

تاسعاً: قوة الشخصية: تعتبر الشخصية عاملاً حاسماً في حياة المؤرخ العلمية منذ اليوم الأول للتخصص, فالمؤرخ الناجح يختار موضوعاً مميزاً, واختياره له يتطلب قوة شخصيةٍ كافية ليقنع أساتذته به, فالأساتذة أمثال «لو كوف Le Goff، ودوبي Duby واكيلهون Aguilhon، ورينيه ريمون R. Remond، وميشيل برو  Michelle Perrot وبيير شونو P. Chaunu» رفضوا الموضوعات التي فرضت عليهم, أو أنهم بدلوها تبديلاً عميقاً, ولو كره المشرفون على رسائلهم, من الواجب على الطالب – المؤرخ الإفلات من الموضوع السيئ وهذا يتطلب شجاعةً وجدارة شخصية, والمؤرخ الشجاع يثبت الحقائق التاريخية كما حدثت دون الخوف من أحد, ويوجه النقد للمخطئ ويثني على المصيب, مادامت دراسة التاريخ لاستخلاص العبر, فلم يجد الدكتور «إميل دوركهايم Emile Durkheim» (أستاذ التاريخ وعلم الاجتماع في جامعة بوردو) حرجاً عندما فضح مناهج التعليم العالي في فرنسا سنة (١٨٨٧م), ووصف مؤلفاتها بالاعتباطية والميتة وعديمة الفائدة والتافهة وأنها تنم عن ضعف إطلاع عند مؤلفيها.


المراجع

١.     جورج عطية، الفيلسوف بوسيدونيوس الأفامي، مجلة فكر, (العدد ٥٤), السنة الثامنة, نيسان، (١٩٨٢م).

٢.     حسن عثمان، منهج البحث التاريخي، (ط٢)، دار المعارف, القاهرة (١٩٦٤م).

٣.     خالد فهمي،  مختصر كتاب محمد الفاتح للدكتور سالم الرشيدي، القاهرة.

٤.     رجاء محمد أبو علام، مناهج البحث في العلوم النفسية والتربوية، (ط٤)، جامعة القاهرة (٢٠٠٤م).

٥.   السخاوي: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ. في كتاب دراسة في منهجية البحث التاريخي للدكتورة ليلى الصباغ، (ط١٣)، دمشق، (٢٠٠٨م).

٦.   عبد الملك التميمي، الموضوعية والذاتية في الكتابة التاريخية المعاصرة، مجلة عالم الفكر (العدد ٤), (مج ٤٩)، الكويت، (٢٠٠١م).

٧.     غي تويليه وجان تولار، صناعة المؤرخ، ترجمة عادل العوا، دار الحصاد, دمشق (١٩٩٩م).

٨.     فتحية عبد الفتاح النبراوي، علم التاريخ, دراسة في مناهج البحث، جامعة الأزهر (١٩٩٣م).

٩.     فرانز رونتال، علم التاريخ عند المسلمين، تعريب: صالح أحمد العلي، (ط ٢)، مؤسسة الرسالة, بيروت، (١٩٨٣م).

١٠. فريد كامل أبو زينة وآخرون, بأشراف: سعيد التل، مناهج البحث العلمي, طرق البحث النوعي، دار السيرة.

١١. ليلى الصباغ - دراسة في منهجية البحث التاريخي، (ط١٣)، دمشق (٢٠٠٨م).

١٢. محمد الطالبي، منهجية ابن خلدون التاريخية وتأثيرها في المقدمة, وكتاب العبر، مجلة دراسات تاريخية, (العدد الثالث)، (١٩٨٠م).

١٣. محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ عند المؤرخين المسلمين الأوائل، مجلة عالم الفكر (العدد ٤), (مج ٤٩)، الكويت، (٢٠٠١م).

١٤. منصور أحمد بو خميسين،  عرض كتاب الهويات المتعددة للشرق الأوسط للكاتب برنارد لويس، مجلة عالم الفكر، (العدد٤), (مج: ٤٩)، الكويت، (٢٠٠١م).

١٥.Bickerman, E. & Smith, M. – The Ancient history of western civilization – Columbia University  ١٩٧٦ p١ 

١٦.  Carr, Edward Hallett,، What is history? ١٨٩٢، Edited By R. W. Davies (١٩٦١).

١٧.  Keylor, W. – Academy & Community – Cambridge, Harvard University Press. ١٩٧٥, p.١١٤   

١٨.  Langlois, Charles-Victor. & Charles Seignobos – Introduction aux Études Historiques – (١'édition Librairie Hachette, Paris, ١٨٩٨), Editions Kimé, Paris, (١٩٩٢).

 

تاريخ الإصدار: ٢٠١٧

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 2.05/5 (40.91%) (22 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 27 )