المقالات

الصفحة السابقة »

الفيلسوف الألماني إرنست بلوخ: فيلسوف الأمل

بقلم: إبراهيم سلوم

«إرنست بلوخ» (١٨٨٥-١٩٧٧م) فيلسوف ماركسي ألماني. وهو يُعد من أبرز فلاسفة الماركسية في النصف الأخير من القرن العشرين، ومن القلة التي حافظت وتمسكت بإيمانها الثابت بالماركسية كنهج وفكر ورواية مستقبلية وحيدة لا بديل عنها. تأثر وهو على مقاعد الدراسة في جامعة ميونيخ بين أعوام (١٩٠٣-١٩٠٧م) بأفكار الفيلسوف الألماني «فريدريك هيغل» (١٧٧٠-١٨١٢م) الذي كان يعتبر أن المكان والفكر هما شيء واحد ألا وهي الفكرة، وهذه الفكرة تتطور على مراحل ثلاث، الإثبات ثم النقض ثم الخلاصة. وقد انعكس هذا التأثير الهيغلي على روح «بلوخ» فحوّلها باتجاه الصوفية

الدينية التي تدعو إلى الزهد والتقشف في هذه الحياة الدنيا، والتي بعد أن تكون قد تعمقت في تقصي وجود الإنسان وكينونته تدفع بالمتصوف إلى أن يعبّر عن رغبته الروحية بالاتحاد مع الخالق. وضمن هذه الرؤية يحدد «بلوخ» شخص وطباع الإنسان الصوفي فيراه: من كان فانياً بنفسه، باقياً بالله، ومتخلصاً من الآثام والشرور ومباهج هذه الدنيا الفانية، ومتصلاً بحقيقة الحقائق.

كذلك، كان لـ«كارل ماركس» (١٨١٨-١٨٨٣م) تأثيرٌ عميقٌ في نفس «بلوخ» بعد أن اطلع هذا الأخير إلى مؤلفه: «البيان الشيوعي» الذي هو بمثابة دستور للماركسية العلمية، ويرى «بلوخ» أن الماركسية هي فلسفة المستقبل وضمير الغد والفكر الواعي لتغيير العالم بلا منازع، إنها الأمل الذي تطمح إليه البشرية جمعاء وتستهدي به وتسير بمقتضاه وصولاً إلى عالم جديد حيث تسود العدالة والحرية والمساواة بين الناس وتسير بمقتضاه سيرورة العالم والتقدم البشري على الأصعدة كافةً. وهناك محطة هامة في حياته وهي مغادرته لألمانيا منذ ظهور النازية الهتلرية باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية في عام «١٩٣٨م»، وهناك ركّز جهده وكل فكره على خلق مفهوم جديد يتلاءم والماركسية ويتماهى معها داعياً إياه «باليوتوبيا». وبحسب رأيه إذا كانت الماركسية نظرية اشتراكية علمية تستند على المادة فإن اليوتوبيا على غرارها نظرية اشتراكية مجردة ترتكز على المثالية. ومنذ ذلك الحين أصبح من كبار منظري اليوتوبيا مركّزاً دراساته على تأثيرها في المستَقْبَلَيْن التاريخي والاجتماعي.

والجدير بالذكر أن كلمة «يوتوبيا»، هي كلمة مشتقة من اليونانية وتعني حرفياً كما ورد في موسوعة لاروس الكبرى الفرنسية: «ما لا يوجد في أي مكان»، وتوسعاً يمكن تفسيرها بأنها مكان خيالي مثالي تعم في ربوعه السعادة والحياة الهنية. ولقد استلهم هذا المفهوم من وحي كتاب «اليوتوبيا» للفيلسوف الإنكليزي «توماس مور» (١٥١٦م) الذي صوّر فيه مدينة فاضلة مليئة بالخير ولا يوجد أي أثر للشر فيها وتسودها قيم العدالة والمساواة التي باتت متوافرة للجميع. وإنه لمن المؤكد أن هذا الكتاب يضرب بجذوره في كتاب «جمهورية أفلاطون» (٣٧٥ق.م) أو في كتاب «مدينة الرب» «للقديس أوغسطين» (٤٣٠م)، أو في كتاب أعظم فلاسفة العرب «الفارابي» (٩٥٠) الذي لقب بالمعلم الثاني بعد «أرسطو» بعنوان: «آراء أهل المدينة الفاضلة»، وفي هذه المدينة الفاضلة يجد المرء أرقى وأكمل أنواع الخدمات وبأسلوب حضاري بعيداً عن التعقيد والروتين والتسويف وسوء التعامل.

وعلى هذا النحو يغلب على أعمال الأدب الطوباوي طابع سياسي حالم بمجتمع فاضل أو مدينة فاضلة حيث يسعد سكانها جميعهم بلا استثناء، علماً أن مثل هذه المدينة كانت في الماضي البعيد أحد أحلام الفيلسوف اليوناني «أفلاطون» الذي كان يتمنى أن يحكمها الفلاسفة وليس السياسيين الميكافيلليين. ومع مرور السنين ارتبطت «اليوتوبيا» بحركة الفكر الإنساني وأصبحت تُستخدم لوصف كل عمل أدبي أو فلسفي وسياسي يحلم بمجتمع فاضل حيث تعم السعادة والرفاهية والعدالة جميع أهله. ومن أجل هذا السبب جعل «بلوخ» اليوتوبيا تتماهى مع الماركسية إلى حد كبير من حيث إحياء الأمل في النفوس البائسة وإظهار كل تجليات ونوازع الوجدان البشري وطاقاته النفسية والجسدية وتطلعاته إلى الحرية والمساواة والإخاء، هذه العناصر الثلاثة  التي تشكل ثالوث إنسانية خالدة في مجتمع كوني لا طبقي، حرّ وسعيد، أي مجتمع خالٍ من الاضطهاد والتراتب والاغتراب.

ومهما يكن من حال، وعلى الرغم من وجود فارق بسيط من الناحية التكتيكية بين الماركسية ذات النزعة الاشتراكية العلمية التي دعا إليها «كارل ماركس»، واليوتوبيا ذات النزعة الاشتراكية المجردة بقي «بلوخ» مصراً على وجود نوع من التوءمة والتآلف فيما بينها لكونهما تلتقيان معاً على صعيد الأهداف وتحقيق الأحلام المنشودة لعالم أفضل، وزرع الأمل الدائم في النفوس بعيداً عن أي شعور باليأس والقنوط، وهذا ما عبّر  عنه «بلوخ» في كتابه: «مبدأ الأمل» بقوله: «يجب أن نؤمن بمبدأ الأمل، فالماركسي لا يحق له أن يكون متشائماً. وإذا كان الإنسان محروماً من كل قدرة على الحلم والأمل ففي هذه الحالة لن يكون بوسعه أن ينجز أي عمل متقن في مجال الأدب والفن. إن على الفلسفة أن تكون ضمير الغد وانحيازاً للمستقبل الزاهر، كما يتحتم عليها معرفة مكامن  الأمل وإلا فإنها ستفقد كل معرفة. فدور الفلسفة، كما قال «كارل ماركس»، ليس تفسيرياً بل هو تغييري بامتياز واستشراف وتطلع نحو الغد، وانحياز كامل للمستقبل الإنساني». هكذا كان شعار «بلوخ» في الفكر الفلسفي مزداناً بالتفاؤل على عكس ما كانت تتسم به الساحة الفكرية والفلسفية في زمنه مثل: «مدرسة فرانكفورت» التي افتُتِحَت في الخمسينيات من القرن الماضي في مدينة فرانكفورت الألمانية على يد «فاكس هوركهايمر» الذي كان ينظر إلى علم الاجتماع وكأنه أداة للمحافظة على النظام القائم، وذلك تماشياً مع ما كان يقوله عالم الاجتماع الفرنسي «أوغست كونت» (١٧٩٨-١٨٥٧م) «أنت تدرس كي تضبط». بيد أن «كارل ماركس» جاء ليناهض هذه المدرسة معتبراً «أن حركة المجتمع يحكمها قانون الصراع والتناقضات، واصفاً إياها بأنها مدرسة لا طائل يرجى منها لأنها تولّد عند المواطن نزعة تشاؤمية وتشرداً فكرياً وتشوشاً في الرواية، مما سيقود البشرية إلى حالة من العدمية القاتمة والقاتلة».

والجدير بالذكر أن «بلوخ» بقي طوال مسيرته الفكرية وفياً لمفهوم «اليوتوبيا» من حيث تطلعه إلى مستقبل جديد لم يحن بعد موعد قدومه، لكونه محاصراً اليوم بمبدأ اقتصاد السوق المتوحش ومجتمع الاستهلاك اللذين هما اليوم أكثر هيمنة واقتداراً على مجريات الوضع القائم. بيد أنّه يعتبر أن مثل هذا المستقبل لا بد أن يأتي يوماً ويشاد على أطلال الماضي المهزوم والمندثر باعتبار أن «اليوتوبيا» هي حلم البشرية جمعاء.

ومن جانب آخر، وعلى الرغم من كل هذه الاهتمامات التي كان يوليها «بلوخ» لصالح ازدهار الفكر الفلسفي، فقد كان مهتماً بالموسيقا وخاصة موسيقا بتهوفن الذي يعتبره من كبار الموسيقيين  الألمان في القرن التاسع عشر، ومن أهم مؤلفاته: السمفونيات التسع وأجملها الثالثة والسادسة والتاسعة ثم خاتمتها «نشيد الروح». كذلك كان معجباً بالموسيقار النمساوي «موزار» وهو واحد من أكبر عمالقة الأوبرا. كما أنشأ «بلوخ» صداقات مع الفيلسوف المجري الماركسي «جورج لوكاش» الذي شرح فكرة «الوعي الطبقي» ووصفه بوعي التناقضات الذي تقع ضحيته طبقة العمال والفلاحين. وأيضاً مع الكاتب المسرحي «برتولت بريخت» صاحب «مدرسة الابتعادية» في منتصف القرن العشرين، وهي نظرية ترى أن المسرح وسيلة للتعليم لا للتسلية. ومع ذلك بقي «بلوخ» مركِّزاً كل جهده على ترسيخ مفهوم اليوتوبيا في  الفكر الفلسفي، بصفته وسيلة تتقصى إمكانات الكائن البشري التي لم تتحقق بعد في أي مكان من عالمنا هذا.

هذا ويجمع النقّاد على أن «بلوخ» تمكن من إرساء قواعد مفهومه لـ«ليوتوبيا» وذلك بعد أن مرّ في ثلاث مراحل أساسية حيث اتسمت المرحلة الأولى الممتدة بين (١٩٠٨-١٩٢٠م) بالصوفية الدينية. كما اتسمت المرحلة الثانية بتأثره بالماركسية، وأخيراً بفلسفة وفكر الفيلسوف السياسي الإنكليزي «توماس مور» بعد اطلاعه على مؤلفه  الشهير بعنوان: «اليوتوبيا» وفيها يحلم «مور» بمدينة فاضلة تحكمها حكومة مثالية ويعيش فيها شعب سعيد. ومن ثم بفلسفة «جان بول سارتر» الوجودية، كما نقرأ ذلك في كتابه الشهير: «مبدأ الأمل» حيث نلمس وجودية «بلوخ» عندما اعتبر على غرار «سارتر» أن الإنسان الذي وُجد أولاً ميتافيزيقياً يخلق نفسه ويتخير نفسه لعمله ثانياً. وضمن هذا السياق يجمع النقّاد على أن «بلوخ»  اشتراكيٌ طوباويٌ وماركسيٌ ذو نزعة علمية مادية، وفيلسوفٌ وجوديٌ في آن واحد. والغاية من وراء ذلك كله تأكيد حرية الفرد ومسؤوليته. صحيحٌ لا يمكن الجزم بنفي أو تأكيد أي من تلك التوصيفات التي سبق أن اتصف بها «بلوخ»، فقد تكون واحدة من تلك الأوصاف التي تنطبق عليه أو كلها مجتمعة وحاضرة في ثنايا فلسفته. لكن الشيء الثابت والأكيد هو أنه كما ذكرنا آنفاً، كان وفياً لمبدأ الأمل، الذي كان شغله الشاغل ومحط تفكيره على الدوام.

ويبقى السؤال الأهم وهو معرفة سيرة حياة هذا الفيلسوف الشهير. في الحقيقة إن من يطلع على مجريات حياة «بلوخ» يحس بأن الأحوال قد تقلبت به وتفرعت وتعقدت وتشابكت سيرورته وسبله في الحياة حتى إنها كانت مليئة بالمحطات الهامة والمثيرة. وُلد «إرنست بلوخ» في عام (١٨٨٥م) في مدينة لودفيفسهافن في ألمانيا الواقعة على نهر الراين. وكان الابن الوحيد لأبيه الموظف في الشركة الألمانية للسكك الحديدية. لقد كان أباً قاسياً كما وصفه «إرنست بلوخ»، في الوقت الذي لقي تجسد صورة الموظف الألماني النموذجي الذي يثابر على عمله بكل جدية ولكنْ من دون أن يكون لديه أي طموح فكري أو فني. في عام (١٩٠٣م) قرر «إرنست» أن يترك مسقط رأسه بعد حصوله على الشهادة الثانوية لينتسب إلى جامعة ميونيخ.

تزوج «إرنست» من الآنسة «ألين فون سترايتزلي» ابنة صانع جعة ثم ما لبث أن طلقها في عام (١٩٣٠م) ليتزوج ثانيةً من «لينا أوبينهايمر» زواجاً استمر بضع سنوات فقط. أما زواجه الثالث فكان من «كارولا بيوتروسكان»، وهي مهندسة بولونية تزوجها في العاصمة النمساوية فيينا في عام (١٩٣٤م). في غضون ذلك فاز النازيّون بالسلطة في ألمانيا فما كان على «إرنست» إلا الهرب إلى سويسرا ومن ثم إلى فرنسا وأخيراً إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عام (١٩٣٨م) كحال بقية رفاقه من المفكرين والأدباء والفنانين الذين فروا من بلدهم هرباً من نزعات هتلر الحربية. وعندما اندحرت النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا عاد «بلوخ» إلى وطنه في عام (١٩٤٩م) تاركاً الولايات المتحدة الأمريكية باتجاه ألمانيا الشرقية تحديداً ليدرّس مادة الفلسفة في جامعة لايبزغ بعد أن رفض عرضاً مغرياً بتولي كرسي الفلسفة في إحدى جامعات ألمانيا الغربية، فأعلن يومها عن قطع علاقته مع كل ما يمتّ للرأسمالية بصلة. ثم  أصدر في هذه الفترة كتابه بعنوان «مبررات هذا الزمان» ثم كتاب «الطاعون وما قبل الثورة».

وعلى الرغم من الصراعات السياسية والتنافس الإيديولوجي بين القطبين الشرقي والغربي خلال الحرب الباردة بقي «بلوخ» وفياً لمبادئه ولم ينزلق وراء التيار السياسي المناهض للماركسية بل حاول استخلاص العبرة من فشل التطبيق للنموذج الاشتراكي بعد أن صدمه السحق الدموي بالغ الوحشية لانتفاضة  المجر في عام (١٩٥٦م)، والكشف عن وجه ستاليني الكالح والدموي، ومواقف الإدانة والشجب حيال الجمود العقائدي والقسوة والتحجر البيروقراطي الستاليني. وبعد الشروع ببناء جدار برلين، انقلب «بلوخ» إلى ناقد للقمع والإكراه الفكري والسياسي، ومع ذلك بقي متطرفاً في تفاؤله لدرجة صفر اليأس والندامة، بحيث لم يعرف القنوط في قلبه مكاناً له، إذ إن ما كان يحدث ويستجد من أحداث ووقائع كان يصب في تعزيز أمله وحلمه بغدٍ مشرق. ولهذا السبب استقبل بحفاوة وتمجيد الحركة الطلابية التي قام بها طلبةَ فرنسا في عام (١٩٦٨م) من أجل إصلاح النظام الدراسي في الجامعات الفرنسية، علماً أنه لم يقنط عند انحسارها وانطفائها.

وعلى أثر تلك الصدمات والجولات الصراعات الإيديولوجية داخل الحزب الشيوعي نفسه سواء أكان في روسيا أم في دول حلف وارسو أو في الصين وغيرها من البلدان الأخرى  التي تبنت الشيوعية كنظام سياسي لها عمد «بلوخ» إلى هجر ماركسيتيه التقليدية السائدة في ذهنه لمدة (١٥) عاماً إلى حين وفاته معللاً ذلك بالقول: «إن الماركسية جذبت عقول جيل الشباب الميال للاشتراكية العلمية لكنها دفعت بهم مؤخراً إلى مكان بعيد عنها. لقد نقضت أحلامهم التي كانت تعكس تطلعات وأشواق الناس الذين كانوا تواقين دوماً وعلى مر التاريخ للتغيير من أجل الحرية والسعادة والمساواة بين البشر. ولما كان هذا الأمر لم يحصل فإن الأمر يتطلب منا تجديد الماركسية وإعطائها حلّة جديدة». وعلى الفور غادر ألمانيا الشرقية ليطلب حق اللجوء السياسي في ألمانيا الغربية بعد زيارة قام بها إلى مدينة توبنغن حيث عمل أستاذاً لمادة الفلسفة في جامعتها بعد أن قضى الشطر الأكبر من حياته في ألمانيا الشرقية كواحدٍ من ألمع فلاسفة الماركسية. وبدعوته تجديد الماركسية وتحريرها من الدوغماتية أخذ «بلوخ» يقف في صف «هربرت ماركوز» الماركسي الأمريكي وغيره من أصحاب وجهات النظر المستقلة التي تدعو إلى الحداثة في الفكر الماركسي. وعلى أثر ذلك وقف «بلوخ» ليقول كلمته الشهيرة: «إن العقل لا يمكنه الازدهار دون الحلم، والحلم لا يمكنه النطق دون العقل. والاثنان يجدان وحدتهما في ماركسية مستحدثة متفائلة ومترعة بالأمل والغد المشرق». ولا أدلّ على ذلك إلا تلك المحاضرات التي كان يلقيها في جامعة توبنغن الألمانية تحت عنوان: «هل يمكن للأمل أن يخيب؟». ففي هذه المحاضرات أعاد «بلوخ» التأكيد على أسس المشروع الماركسي موضحاً أن مبدأ الأمل لا يختشي الخيبة ولا يُخذل أمام الفشل، وأنه يبقى حافزاً للتحدي وتجاوز العقبات. فمن دون هذا الأمل يتعطل الفكر وينتفي النقد وتتوقف الحركية الجدلية والتاريخية». وهذا ما نقرؤه في مؤلفاته التي تجاوزت الـ(١٦) مؤلفاً من الأعمال الفلسفية ذات التأثير العالي وكان أولها كتاب بعنوان: «روح اليوتوبيا» الصادر في عام (١٩١٨م)، وهو قطعة من الأمل المستوحى من الحقبات الاجتماعية. فمن الموسيقا والأدب التي كان شغوفاً بهما يستخلص المؤلف أملاً غير قابل للاستنفاد في مقابلة الاستلاب والتأثر بقوله: «ففي مقابل الاستلاب توجد روح جديدة للتمرد. وفي مقابل اليأس-داخل واقع مغلق- يوجد نزوع نحو الحلم. والموسيقا بما يكتنفها من غموض هي الأكثر طوباويةً بين سائر الفنون لأنها تحلّق بالفرد خارج الواقع المحاصر بشتى وسائل القمع. كذلك نشر كتاباً في عام (١٩٢١م) بعنوان: «توماس مونتسر: لاهوتي الثورة»، وآخر بعنوان: «آثار في عام ١٩٣٠م». ثم أعقب ذلك بنشر كتاب جديد بعنوان: «إرث هذا الزمن» في العام (١٩٣٥م)، وكان من أبرز مؤلفاته ذاك الكتاب الذي أصدره في عام (١٩٤٧م) على شكل (٣) مجلدات بعنوان: «مبدأ الأمل» الذي كتبه خلال هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفيه يبين أن حرية الأنا وتحقيقها هما مشروع مقرر سلفاً بواسطة الأنا ذاتها. لكنّ هذه الذات لا تستطيع التجرد من واقعها المحكوم والغارق في عالم الاستلاب القائم على الاستهلاك السِلَعي. غير أن هذا الاستلاب ليس واقعاً مغلقاً في نظر «بلوخ»، لأن بذور الأمل لن تنتهي، ولأن كل الحالات تنطوي على نقيضها المطلق. وهنا يهاجم «إرنست بلوخ» بنقد مفعم بالأمل الطوباوي كل الأنظمة الفكرية الشمولية المنغلقة على ذاتها مفضّلاً الانفتاح على مستقبل رحيب للإنسان والعالم. والجدير بالذكر أن «بلوخ» أبان في هذا الكتاب وبطرق لا حصر لها الكيفية التي يتبدى بها الأمل في حياتنا اليومية على شكل رغبة إنسانية في  التحرير من كل قيد اجتماعي معتبراً أن ما يقودنا حقيقةً هو أحلام اليقظة بعالم أفضل وأكثر سعادةً. إنه كتاب استثنائي يتعامل مع الطرق التي نخفي بها آمالنا أو نعبر عنها في أحلامنا أو في الموسيقا والحب، لأن كل هذه العوامل ليست سوى تعبيرات عن الأمل الذي ننشد تحقيقه لاحقاً. ولقد بدا في كتابه هذا واعياً لكل المشكلات التي تواجه عصره فهاجم فيه صعود النازية والفاشية لما تحملانه من طبع فاشي وعنصري وشوفيني. وبالفعل تحوّل هذا الكتاب إلى شعار سياسي اختاره المؤلف ليواجه به قوى التوحش التي تمثلت بالنازية الألمانية والفاشية الإيطالية، وليناشد القارئ بأن يبقى صامداً أمام هذه القوى الغاشمة، وأن يتشبث بالأمل الواعد أياً كانت الظروف. ثم تتالت مؤلفاته الواحدة تلو الأخرى مثل: «الحرية والنظام» (١٩٤٨م)، و«ذات موضوع» و«كريستيان توماسيوس» و«ابن سينا واليسار الأرسطي» (١٩٤٩م) وأيضاً كتاب: «القانون الطبيعي والكرامة الإنسانية (١٩٦١م)»، وفي هذا الكتاب الأخير يتحدث المؤلف عن ميول الجنس البشري نحو التقدم الاجتماعي والتكنولوجي المستقبلي. كذلك نشر كتاباً بعنوان: «مقدمة توبنغن في الفلسفة» (١٩٦٣م)، ثم «الدين في التراث» (١٩٦٦م)، وفيه يطمح «بلوخ» إلى الاعتقاد بالدين النابع من أفكار مستثيرة تضيء بوهجها الوجود الإنساني. أمَّا كتابه «الإلحاد في المسيحية» (١٩٦٦م) فقد جاء استمراراً للنقد الذي وجهه ماركس للدين حين اعتبره «أفيون الشعوب» الذي يفقدها الوعي ويشلّ حركتها إلى الأمام ويجعل الإنسان يوجه نظره نحو الماضي بدلاً من أن يمضيَ النظر في حاضره ومستقبله. وقد توصل «بلوخ» في هذا الكتاب إلى مقولته الشهيرة هذه: «المسيحي الحقيقي فقط باستطاعته أن يكون ملحداً، والملحد الحقيقي فقط باستطاعته أن يكون مسيحياً جيداً». وهنا يشدد «بلوخ» على العامل الروحي لدى الإنسان وليس على المعتقد الديني بقوله: «قد يكون المرء ملحداً لكنه يمارس سلوكاً إنسانياً مليئاً بالمحبة والغيرية والتعاطف مع الآخر قد لا يمارسه إنسان آخر مشبع بالإيمان والتدين. إضافة إلى قيامه بنشر كتب أخرى، بعنوان: «القياسات السياسية» (١٩٧٠م) و«مشكلة المادية، تاريخها وماهيتها» (١٩٧٢م). وكان آخر كتاب أصدره قبل مماته يحمل عنوان «الإنسان الآخر»، وفيه يخاف من ضياع الأمل في زمن العولمة التي ليست سوى هيروشيما ثقافية تدمر الفكر الإنساني. وهذا الأمل سيظل حياً وضارباً بجذوره في الوعي واللاوعي الإنساني ضمن مجتمع لا طبقي، بعيد تمام البعد عن عالمنا اليوم الذي هو عالم البراغماتية والربح السريع حيث يسود عالم الاستهلاك الذي يتحول إلى مصدر لقيم مادية بحتة.

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن من يطلع على مجمل مؤلفات «بلوخ» الـ(١٦) يلمس فيها بأن مفهوم «اليوتوبيا» الذي دعا إليه ليس مجرد أوهام خرقاء وأماني ضالة تتعكز على الخيال والسراب بل هي إمكان واقعي وسيرورة مستقبلية في طور التشكل والتكون: «ما لم يأتِ بعد، وما يَعِد بمجتمع بلا طبقات وبلا أجهزة قمع وكبت وإكراه، أي مجتمع خال من الاضطهاد والتراتب والاغتراب وكأنه مملكة الحرية التي كان يحلم بها من قبله «كارل ماركس». وتقديراً لكل هذه الأعمال التي أنجزها «بلوخ» في الأدب والفكر والفلسفة حصل على جائزتين أدبيتين هما: جائزة ترتيب الاستحقاق الوطني (١٩٦٥م)، والجائزة الوطنية في ألمانيا الشرقية (١٩٨٥م)؛ اللتان تُمنحان عادة إلى كبار مفكري القرن العشرين.

وكما جرت عليه العادة أثارت مؤلفات «بلوخ» ردود فعل بين النقاد الذين انقسموا إلى قسمين: معارض ومؤيد لفكره الفلسفي. وكان أوّل نقدٍ موجَّهٍ له من قبل تلميذه «جورغين روهله» عندما قال: «إرنست بلوخ» فيلسوف ماركسي بحق لكن شيوعيته جاءت مشبعة بأوهام ثورية بعيدة عن الواقع. لا شك أن مثل هذه الشيوعية قد يصعب إنجازها في عالم غريب الأطوار حيث همشت المجتمعات الاستهلاكية شرائح الطلبة وجيل الشباب وأبعدتهم جميعاً عن ممارسة أي دور لهم في الحياة السياسية، وجعلتهم يكتفون بتأمين مستلزمات حياتهم اليومية ذات البعد الواحد الأكثر تفاهة وسطحيةً.

ويقول بعض النقاد  المعارضين له: صحيح أن «بلوخ» كان ماركسياً حتى النخاع لكن فهمه ورؤيته وتصوراته الذاتية لها تبقى كلها موضع خلاف وجدل يطول بلا حسم. فـ«بلوخ» يبقى لغزاً فلسفياً وغامضاً لن يجد فكّ رموزه إلا في مستقبل بعيد جداً لا يمكن تخيله نتيجة النزعة الاشتراكية الطوباوية التي كان يتحلى بها. عصفت به الرياح الفكرية فعصف بها، ودارت به مرات عديدة ودار في عين العاصفة إلى أن توفي في يوم (٤ آب ١٩٧٧م) في مدينة شتوتغارت الألمانية. وفي موازاة ذلك اعتبرته الأوساط الأدبية في ألمانيا واحداً من أهم الفلاسفة الكبار الذي قضى عمراً طويلاً امتد (٩٢) عاماً وكان حافلاً بالإبداع.

ما إن تم الإعلان عن نبأ وفاته حتى قدم آلاف الطلاب إلى جنازته حاملين مشاعل بأيديهم رمزاً لشعلة الأمل الذي لا يخبو ولا يموت، كما كان يعتقد «بلوخ» بذلك. إنه كالعنقاء التي تُبعث من رمادها مادام الأمل خالداً لا يموت، وجميعهم يتساءلون ماذا ينبغي من فيلسوف الأمل «بلوخ» في عصر العولمة والرأسمالية. «إنه سيبقى صدى لصوت يصدح من بعيد ليؤكد للعالم أنه مهما تتغير الأحوال ويصيبها الاهتراء لكن الأمل في حياة أفضل سيظل حياً ضارباً بجذوره في الوعي واللاوعي الإنساني. ومما يميز أفكاره هو عدم انسلاخها الكامل والصريح عن الماركسية وعدم التصادم معها رغم هجرانه لها في مرحلة من مراحل حياته. لقد ظل وفياً لها يتحدث باسمها وينهل من معينها ويطالب بتحديثها استناداً إلى الواقع الراهن».

ثمة واقعة يجب عدم إهمالها بل التذكير بها دوماً ومفادها: بما أن حياة «بلوخ» كانت مليئة بالمحطات الهامة والمميزة، وهنا لا بد لنا من أن نتوقف عند محطة مهمة في حياته وهي موقفه المناهض للحركة الصهيونية كمفكر يهودي ألماني وذلك خلافاً للعديد من المثقفين اليهود الذين تعاطفوا معها وساندوها، أمَّا بالنسبة لـ«بلوخ» فلم يقف يوماً في مساندة الحركة الصهيونية ودعمها بل وجّه إليها النقد واعتبرها كارثةً ستجعل من فلسطين ومنطقة الشرق الأوسط موطناً ممزقاً يشبه دول البلقان في صراعاتها وتناحراتها كما حصل في يوغسلافيا السابقة، وهذا ما حصل بالفعل بعد أن أنشئت إسرائيل في المنطقة العربية. ويرد النقاد هذا التعاطف لـ«بلوخ» مع الشعب الفلسطيني إلى أن هذا الأخير قد عرف في حياته على غرار الشعب الفلسطيني، حياة التشرد والهجرة ولكنه بقي مثل هذا الشعب وفياً لتراب وطنه ومصراً على العودة إليه والعيش فيه بكل حرية وإباء مهما طال أمد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

١- موسوعة «لاروس الكبرى» الفرنسية.

٢- مقال بعنوان: «إرنست بلوخ: ماركسي معادٍ للأنظمة الشمولية»، عن موسوعة ويكيبيديا، النسخة الفرنسية، بقلم هنري دومونتيني، تاريخ (٣/٥/٢٠١٧.م)

٣- مقال بعنوان: «إرنست بلوخ، أفكار ناصعة حتى اليوم»، عن جريدة «الاتحاد الإماراتية»، تاريخ (٢٩/٧/٢٠٠٨م) بقلم: صلاح الصيفي.

٤- الموسوعة العربية، أعلام ومشاهير: «إرنست بلوخ فيلسوف ألماني».

٥- مقال بعنوان: «إرنست بلوخ ومبدأ الأمل»، بقلم: بيتر تومبسون، ترجمة هشام عمر النور، عن موقع «حرية السودان» على شبكة الإنترنت، تاريخ (٩/ ١١/٢٠١٣م).

٦- مقال بعنوان: «إرنست بلوخ، من الدوغما الشاحبة إلى لاهوت الأمل ويوتوبيا المستقبل المشرق»، عن موقع «الحوار المتمدن» على الإنترنت، تاريخ (٤/٤/٢٠١٦م)، بقلم: ماجد الشمري.

٧- مقال بعنوان: «إرنست بلوخ: فيلسوف الأمل في ذكرى وفاته الثلاثين» عن موقع «تعرّف على ألمانيا» على الإنترنت، تاريخ (٣/٩/٢٠٠٧م).

٨- كتاب بعنوان: «عودة إلى الدين»، بقلم: الكاتب الصحفي الفرنسي أندريه توزيل، الصادر في عام (٢٠١١م) في باريس.

تاريخ الإصدار: ٢٠١٧

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 1.5/5 (30%) (2 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 13 )