كلمة الوزارة

بقلم: محمد الأحمد وزير الثقافة

حنا مينه: المصباح الذي لن ينطفئ

فقدتِ الحياة الثقافية السورية والعربية، في الأيام الماضية، أحد أكبر أعلامها المعاصرين، وأشهر الروائيين العرب؛ الروائي حنا مينه.

رحل عملاق الرواية العربية وخليفة نجيب محفوظ في إرث الرواية الواقعية، رحل جسدياً ولكنه ترك لنا تراثاً روائياً كبيراً، كمّاً ونوعاً.

عايش حنا مينه هذه الحرب الطويلة، وهو يكابد مرضَين؛ مرضه الجسدي الذي صارعه بشجاعته المعهودة، ومعاناته الوجدانية مما أصاب وطنه سورية. وبعض العزاء في أنه شهد الفصل الأخير من هذه الحرب التي أوشكت أن تضع أوزارها، مطمئنّاً على وحدة سورية أرضاً وشعباً، وعلى انتصار الوطنيين السوريين على أعدائهم الاستعماريين وأتباعهم، وكانت بصيرته الوطنية المتمرِّسة بالكفاح هي بوصلته في تحديد الموقف الصلب الذي لا يعتوره أي ارتياب أو تردد.

رحل كاتبنا الكبير بعد أن خلَّدته عشرات الأعمال العظيمة، لمسنا عبرها أدبه الصادق والملتحم بالواقع وبالشعب، وبالفقراء الذين برز من بين صفوفهم كالنجم الساطع، منذ عمله الروائي الأوَّل «المصابيح الزرق»، ثم تتالت أعماله الروائية التي كانت بمرتبة الملاحم في تعبيرها الصادق عن الروح البطولية، وشغفه بالبحر الذي تجلى في معظم رواياته، تعبيراً عن الصراع الواقعي والرمزي بين الإنسان وقدره، وقد استطاع ببراعة المبدعين الكبار أن يحوِّل التجربة الحياتية إلى إبداع رائع، ظلَّ القرَّاء يتلهفون بتوق لمتابعته، وكان الصدق دائماً سرَّ هذا النجاح الكبير الذي نالته روايات كاتبنا الراحل.

قامة شامخة في الإبداع الروائي والقصصي، بلغت معه الرواية الواقعية العربية أوج انتشارها وقيمتها العربية والعالمية.

مثله مثل الروائيين العالميين الكبار، غوركي وهمنغواي وشتاينبيك وجورج أمادو، كان الإنسان المكافح الذي يصارع لينتصر لإنسانيته هو القيمة التي تستحوذ على البطولة كلها.

 تتمتع رواياته بنكهة خاصة، فهو كاتب البحر الملحمي الأول في الرواية العربية، وكانت رواياته العبقرية، دائماً، مادة للخيال السينمائي، ومحرضاً للعمل الدرامي، وقد نُقلت أهم أعماله إلى الشاشتين الكبيرة والصغيرة، وأنتجت المؤسسة العامة للسينما بعض رواياته، ولاقت نجاحاً كبيراً.

عاش حنا مينه شطراً كبيراً من حياته في وزارة الثقافة، كعَلَم من أعلام الثقافة الوطنية، وكانت الوزارة بمنزلة بيته الثاني يقصده الكتّاب السوريون والعرب من مختلف الأجيال.

وكانت بادرة كريمة ونبيلة تستحق التنويه أن ينعى مهرجان الإسكندرية لدول البحر المتوسط «أيقونة الأدب والسينما السورية حنا مينه» بكلمات دافئة ومعبِّرة عن حجم الخسارة على المستوى العربي.

كان كاتبنا الراحل مؤمناً بالإنسان، وبأن الرواية هي ملحمة الإنسان المعاصر، تعكس حياته وتطلعاته وصراعه مع الطبيعة، ومع الوجود.