كلمة الوزارة

بقلم: محمد الأحمد وزير الثقافة

صناعة التنوير

العلاقة بين الثقافة والتنوير متشابكة إلى حد كبير.

في العصور الحديثة، وبعد عصر الأنوار الأوروبي في القرن الثامن عشر، صار التأمل في الثقافة، أو صناعة الثقافة، يذهب بنا إلى التفكير بالتنوير، والعكس صحيح أيضاً، فكل إضافة جديدة، وكل مشروع ثقافي جديد، وكل تفكير منهجي، يصب في بحر التنوير، وبالتالي يقود إلى النهضة المعرفية الشاملة.

نحن اليوم، في ظروفنا هذه، نخوض التحدي التنويري على الأصعدة كافة. اكتسبنا خبرات وتجارب من هذه الحرب، انتصرنا على الموت، وعلى ثقافة الموت، وسطَّر أبطالنا البطولات والملاحم، وقدَّم الشعب السوري المآثر العظيمة في البذل والعطاء، وفي الصمود الذي أدهش العالم، وهذا بحد ذاته يشكل ذخيرة كبرى، ورافداً للثقافة والإبداع والتأسيس الحضاري المتجدد. يمكننا اليوم بالإرادة الحرة أن نحوّل كلَّ الصعاب التي قاسيناها إلى فرصة للنهوض ولصناعة ثقافة جديدة منقّحة نقية من الأخطاء والشوائب، وهذا دأب الأمم الحية التي تجيد قراءة الدروس، وتستفيد منها حتى في أشد الظروف حلكة. هذه الثقافة التي نتطلع إليها يتشارك في صناعتها الأفراد والمؤسسات المعنية والهيئات الاجتماعية، وهي ثقافة تضع الإنسان في رأس أولوياتها؛ الإنسان العميق، المنتمي، المنفتح والإيجابي في تفاعله مع الآخرين. ثقافتنا الوطنية هي هويتنا الحضارية المتنامية التي نعتز بها، وهي الابتكار الذي يبدعه الشعب استناداً إلى تاريخه وتراثه وحاضره وتطلعاته، هذه الثقافة هي التي ترفدنا دائماً بالمبدعين في شتى المجالات، وهي الجدار الصلب الذي نلوذ به في لحظات الشدة، ولولا عمق هذه الثقافة الراسخة في الوجدان العام، والمتجذرة في النفوس، أفراداً وجماعات، لكان الضرر فادحاً، وأكبر من أن يُحتمل.

 هذه الثقافة بطبيعتها الفطرية ثقافة إشعاع وانفتاح، وهي تسطع منذ القدم على الكون. ثقافة، حاضنة للتنوير قبل أن يبزغ عصر الأنوار في أوروبا، ونحن إذ نؤكد اليوم على التنوير، لا نستدين من الآخرين، بل هي بضاعتنا التي بثّها أسلافنا إلى العالم عبر التاريخ، منذ الفينيقيين والأموريين إلى العصر الهلنستي، ومن دمشق إلى الأندلس، كانت هذه النكهة العربية المطعَّمة بالروح الشآمية تترك لمساتها على الإنسان والعمران الإنساني، فتجلَّت في الحياة الاجتماعية والفنون جميعها. ومن يملك هذه الثقافة لا يذهب طي النسيان، ولا تأخذه الأعاصير والعواصف ليتبدد في العتمة، هذه حقائق ملموسة يدركها السوريون بكل مستوياتهم، ويؤكدونها في حياتهم اليومية، في أفراحهم وأحزانهم وفي كل المناسبات التي يحيونها. وقد شهدنا في الشهر الفائت حدثين مهمين، تواكبا مع الإنجازات الكبيرة التي يحققها الجيش العربي السوري في دحر الإرهاب، هما معرض الكتاب السنوي الدولي في دورته التاسعة والعشرين، الذي أقامته وزارة الثقافة برعاية كريمة من السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية، في مكتبة الأسد الوطنية، وكان حدثاً ثقافياً كبيراً، حافلاً بالزوار، وبالنشاطات الثقافية المترافقة مع المعرض، حمل دلالات ثقافية كبرى. والحدث الآخر، الذي أدهش العالم، هو افتتاح معرض دمشق الدولي في دورته التاسعة والخمسين والمشاركة العربية والدولية فيه، وقد حَوّله الشعب السوري إلى مهرجان وطني، طوال أيام المعرض، وفرض إيقاعه على العالم بقراءات، ودلالات جديدة.

بهذا الإعجاز يصنع السوريون ثقافتهم التنويرية النابعة من ذاتهم ومن إرادتهم، ولا يتوقفون عن رفد الحياة الجديدة بالمهارات.

تحميل كامل العدد