كلمة العدد

بقلم: الأستاذ ناظم مهنا رئيس تحرير مجلة المعرفة

درس من القرن التاسع عشر

دأب الكتّاب السوريون في سنوات الحرب هذه التي تجري على أرض وطنهم، كلما التقوا أن يتحدثوا في الذكريات والشجون التي تركتها السنوات الثقيلة التي مرت عليهم وعلى البلاد. يستعيدون بحنين ما كنا عليه قبل الحرب، يتذكرون أصدقاء مضوا وآخرين ابتعدوا، وبعض الذكريات المؤلمة، واستحضار بعض المواقف لأشخاص كانوا بيننا قبل هذه الحرب الإجرامية يثير، ليس فقط الشجون، بل الغضب.

قرأت منذ أيام بياناً لسوريين في الخارج يهللون للقصف الأمريكي على سورية، ويستجدون المزيد من العدوان والاستقواء بالاستعمار على بلدهم!

 والشيء بالشيء يذكر، ففي جلسة من هذا القبيل، دار فيها حديث عن دور المثقفين ومواقفهم من الحرب، لفت انتباهي الصديق القديم والزميل العزيز الأستاذ نذير جعفر إلى لقاء جرى في القرن التاسع عشر بين الكاتبين الروسيين العظيمين: دوستويفسكي وتورغنيف في باريس، ودار بينهما الحوار الآتي:

- دوستويفسكي: قرأت في جريدة «الصوت» وأظن أنها جريدة معروفة لديك، في مقالة على الصفحة الأولى ما يلي: «تسعدنا الانتصارات التي يحققها الأتراك والفرنسيون والبريطانيون في معارك القرم، وتسعدنا الهزائم التي يلحقونها بروسيا... هكذا تقولون أنتم الليبراليون الروس المقيمون في فرنسا والغرب... تسعدكم الهزائم التي يلحقها الأعداء بوطنكم! أنا على الرغم من أنني كنت أثناء هذه الحرب سجين الأعمال الشاقة في سيبيريا، لكن ذلك لم يجعلني سعيداً بانتصارات العدو، ولم يكن سجني ليدفعني إلى تمني الهزيمة لوطني.. كنت أعد نفسي روسياً متعطشاً لنصر روسيا، مع أنني حينذاك كنت أميل إلى الليبرالية!..»

- تورغنيف: لكن، ما الذي لا يعجبك في الليبرالية؟ ألا تعجبك الحرية والمساواة وهذه القيم الجميلة؟!

- دوستويفسكي: لا، لا تعجبني، لأنها حرية منسوجة حسب مقاسات الغرب ومصالحهم، وإذا لم تناسبهم تلك المصالح والمقاسات فإنهم يحاربونها.. اسمع ياإيفان سيرجيفتش، أنا أنصحك أن تقتني تلسكوباً.

- تورغنيف: وما حاجتي للتلسكوب؟

- دوستويفسكي: لأن روسيا بعيدة عنك، وأنت هنا في باريس. وجّه التلسكوب نحو روسيا واضبطه، فلعلك ترانا وترى روسيا، لكن، ما الجدوى؟ لا يمكن لأي تلسكوب أن يساعد ليبرالياً، أنتم الليبراليون ستحطمون روسيا، وبعد ذلك ستحطمون أنفسكم!

وهنا، نكتفي بهذا القدر من الحوار الطريف والتهكمي المؤلم، وهو واضح ولا يحتاج إلى تعليق، والدرس المراد منه هنا واضح أيضاً لمن يرغب. وأعتقد أن هذا اللقاء جرى في باريس أثناء زيارة قام بها «دوستويفسكي» إلى فرنسا لتلقي العلاج، وكان حريصاً فيها ألا يلتقي بالكتّاب الفرنسيين وربما يكون «تورغنيف» قد سمع من الروس هناك بوجود «دوستويفسكي»، فهبَّ للقائه. وذكرني هذا أيضاً، ومن المنطلق نفسه، بأن الكاتب الفرنسي الشهير «جان بول سارتر»، والمفكر «ألتوسير» ومفكرين فرنسيين آخرين، أثناء اضطرابات وهيجانات الطلاب في عام (١٩٦٨م) نزلوا إلى الشوارع للحد من اندفاع المتظاهرين ولمنعهم من الاعتداء على الأملاك العامة، وفي هذا أيضاً درس للمثقفين العرب وللسوريين، بشكل خاص، درس في المسؤولية والانتماء، ياليتهم استفادوا من هذه الدروس والمآثر الثقافية في تاريخ الثقافة لكانوا وفّروا علينا هذه الانشقاقات والضغائن التي مارسوها ضد أهل بلدهم الباقين والصامدين في وطنهم وعلى أرضهم، ولما كانوا تورطوا بهذا الكم من التحريض وإثارة الغرائز الغوغائية.

❁❁❁

وبالعودة إلى البعد الثقافي العام في الموضوع، وللاستفادة أكثر من الخبر الوارد عن هذا اللقاء، ينتمي كل من «دوستويفسكي وتورغنيف» إلى جيل الواقعية الروسية في الرواية، وكل منهما يمثل تياراً في الثقافة الروسية. ويوجد شبه إجماع على أن الأنتلجنسيا الروسية رغم تناحرها والخلافات الحادة في صفوفها، كانت بفضل هؤلاء الكتاب العظماء ومعهم «تولستوي وغاتشاريف وبيلنسكي» ونقّاد وكتّاب كبار آخرون، تتمتع بصوت عال وتحظى بقوة تأثير على الرأي العام، راح يتردد صداه خارج حدود روسيا. واحتد الانقسام والخلاف بين المثقفين الروس في الفترة التالية لحرب القرم (١٨٦٠م) والانقسام كان موجوداً قبل ذلك، كما هو الحال في أي مجتمع ثقافي في أي أمة عبر التاريخ. كان الشقاق الحاد يدور بالدرجة الأولى بين الليبراليين بنوعيهم الاشتراكي واليميني المؤيد للغرب، وكلاهما كان ضد الوطنية الروسية، من جهة وبين الوطنيين والقوميين الروس، من جهة ثانية. عدَّ الليبراليون أن هزيمة روسيا في حرب القرم يعود لتخلفها ولعمقها الأرثوذكسي الشرقي الذي يجعلها غير متجاوبة مع الحداثة الغربية، ودعوا إلى القطيعة مع هذا البعد الآسيوي وإلى الذهاب المطلق نحو أوروبا، والجدل حول هذا لايزال قائماً إلى يومنا هذا، ويظهر بأشكال مختلفة، يعرفه المهتمون بالشأن الروسي.

 ذاك العصر المضطرب الذي نشب فيه هذا الجدل حول الهوية والمصير، ربما يشبه إلى حد كبير عصرنا هذا من حيث الفوضى والحرب، وإعادة تشكيل العالم جيوسياسياً بعد انهيار إمبراطوريات وبروز أخرى, يذكر أنه بعد عام (١٨٧٨م) أعلنت روسيا ما يسمى حرب التحرير (تحرير السلافيين من النير التركي) ومنيت بهزيمة كان لها أثرٌ يمكن أن نتلمسه في هذا الحوار بين الكاتبين الروسيين الكبيرين.

عرف العصر الذي وجد فيه «دوستويفسكي وتولستوي وتورغنيف وغاتشاريف وغيرهم»، على الصعيد الأدبي، بعصر الواقعية، وبلغت فيه الرواية الروسية مع هؤلاء نضجاً غير مسبوق، جعلها في قوة الرواية العالمية، بعد أن كان الكتاب الروس متأثرين بالروائيين الفرنسيين والإنكليز.

من المعروف أن «دوستويفسكي»، كما «تولستوي»، كان من الداعين للالتصاق بالأرض وبالشعب الروسي. أمّا «تورغنيف» صاحب «آباء وأبناء» والقصة الشهيرة «آسيا» وغيرهما، يعالج في هذه القصة بطريقته السردية الشاعرية الرائعة هذا الجدل الهوياتي والمصيري لروسيا المتثاقلة والمقيدة بنظام القنانة وبالروح الإقطاعية، حسب رأيه.

ومن الطريف أيضاً، أن «تولستوي ودوستويفسكي»، وكل منهما لأسبابه وبطريقته، كانا يعبران عن عدم تقبلهما لـ «تورغنيف»، ويعبران عن كراهيتهما له، وقد كتب «تولستوي» إلى الشاعر «فيت» الذي كان من أتباع مدرسة «الفن للفن»، ويدعو للابتعاد عن هذا العالم البائس نحو عالم الفن العامر بالجمال والفتنة، «إنني أمقت هذا الرجل» أمّا «دوستويفسكي» فيذكره في رواية «الشياطين»: «قرأت أعماله في طفولتي، حتى إنني قد طربت له، كانت أعماله متعة صباي وشبابي. بعدئذ بدأت أشعر تدريجياً أنني أكثر بروداً تجاه كتاباته.. إن تورغنيف واحد من أولئك الكتّاب الذين يؤثرون بقوة في جيل واحد، ومن ثم يوضعون على الرف مثل لوحة لمشهد مسرحي».

بينما كان الغربيون يحتفون بـ «تورغنيف» احتفاءً عظيماً، وكان الاعتقاد في ذاك الزمن أنه لم ينل كاتب أجنبي في أوروبا مديحاً يضاهي ما ناله «تورغنيف» من النقّاد الصفوة. قال عنه «غوستاف فلوبير»: «ياله من رجل ضخم هذا السيتي» (السيتيون: قوم نصف بربر في جنوب روسيا الأوروبية، قبل ألفي سنة).

وقالت عنه «جورج صاند»: «أيها المعلم يجب أن نذهب جميعاً إلى مدرستك» وقال «هاينه» أيضاً عن أعماله: «إنها أجمل نتاج فني منذ سوفكليس».

يذكر أن «تورغنيف» كان يقسم البشرية إلى نموذجين: الدون كيشوتيون، والهاملتيون. وقد صور الهاملتيين كأناس ضعفاء، لا أعصاب لهم، مليئين بالأفكار، متحمسين في حديثهم، قادرين بكلماتهم على إثارة الحماس، لكنهم غير قادرين على الفعل. و«تورغنيف» كان قد ابتكر شخصية المثقف العدمي المتمثل في بطل روايته «آباء وأبناء» (بازاروف) البطل الذي تأثر «نيتشه» تأثيراً كبيراً بنموذجه، واعترف «نيتشه» بهذا التأثير. «إن بطله العدمي هذا لا يؤمن بشيء، ينحني للاشيء، يتثنى للاشيء، ويحتفظ بكبريائه المنيعة حتى يرديه الموت».

هذا جدل بين كتّاب كبار، يشكل كل واحد منهم قطباً عالمياً، ولا بد أن أي حديث أو حوار أو أثر منهم يشكل تراثاً للبشرية يمكن الاستفادة منه.