كلمة العدد

بقلم: الأستاذ ناظم مهنا رئيس تحرير مجلة المعرفة

الآفاق والجدران

«رأيتُ رجلاً يطاردُ الأُفُقَ؛

وقَدِ انطلقَ الاثنانُ مُسرِعَينِ

فأزعجني أنْ أرى ذلكَ المَنْظرَ، ورُحتُ أنادي الرجلَ

قلتُ: إنَّه لَجُهدٌ ضائعٌ، فأنتَ لن تستطيعَ إلى الأبد

صاحَ الرَّجلُ أنتَ تخدعُني

وظلَّ مُنطلقاً إلى الأَمَام»

                                                           ستيفن غرين

                                                    (١٨٧١-١٩٠٠م)

 

 

إنها صورة رجل يطارد الأفق، ويطيب للشعراء عادة أن يُراودوا الآفاق، والطغرائي شاعر عربي من القرن السادس الهجري أطلق على ذلك تعبير «فُسحة الأمل» قائلاً:

 «أُعَلِّلُ النَّفْسَ بالآمالِ أرقُبُها/ ما أضيقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأَمَلِ».

فيما أعتقد، أنَّ وعي الإنسان لذاته، يحتاج إلى تمدُّد، إلى فضاء، أو فُسحة أمل، أو فُسحة وجود في الزمان والمكان، هي ما يمكن أن نعبِّر عنه بكلمة (الأفق) أي يحتاج الإنسان للخروج من عتمة الذات، ومن جدران العزلة التي تُضرب حول «الأنا» إلى فضاء ممتدٍّ ليندمج هذا الأنا بالآخرين وبالطبيعة، بما يُعرف فلسفياً باندماج الذات في الموضوع.

يرى بعض الوجوديين أن الأنا ذات طبيعة وجودية مرادفة للحرية، وحسب الوجودي الروسي برديائيف، الأنا بدائية وأولية، ولا يمكن أن تُستمد من شيء أو تُردَّ إلى شيء، ويتعارض في ذلك مع ديكارت حين يقول: «أنا أفكر؛ إذن فأنا موجود» يرد برديائيف على ديكارت، قائلاً: عندما أقول «أنا» لا أضع أي مذهب فلسفي، كما أن «الأنا» لا تؤلف جوهر الدين والميتافيزيقا، وخطأ ديكارت أنه حاول اشتقاق وجود الأنا من شيء آخر هو الفكر، وفي نظر برديائيف أن الإنسان ليس موجوداً لأنه يفكر بل هو يفكر لأنه موجود، ويقول أيضاً: «إنَّني محاطٌ من كل الجوانب باللانهائية التي لا يمكن النفاذ منها ولهذا أنا أفكر، فالأنا موجودة أولاً وهي تنتمي إلى مجال الوجود، ومعنى الأنا مرادفٌ للحرية».

ولكن المأساة ومبعث القلق، أنَّ الأنا دائماً تتهدَّدها العزلة، لكنها تحاول باستمرار أن تعيد تكاملها وتتغلب على عزلتها. ويرى برديائيف أن مراحل تكوّن الأنا تسير كالآتي:

أولاً ــ الوحدة غير المتميزة بين الأنا والكون.

ثانياً ــ التقابل الثنائي بين الأنا واللاأنا.

ثالثاً ــ تحقيق الاتحاد العيني بين كل «أنا» و«أنت» وهو اتحاد يحتفظ بالكثرة في صورة متسامية.

 ويرى هذا الفيلسوف أن الأنا منبع الفلسفة وأصلها، هذه الفلسفة التي تنبثق من الشك في طبيعة العالم الموضوعي. ويرى أن الناس كانوا يعيشون في سابق الأزمان في مكان محدد نسبياً مَنَعهم من معاناة معنى العزلة، غير أنهم بدؤوا، عامة، يعيشون اليوم في الكون الكبير وسط المكان الشاسع وبين آفاق لاحدود لها، وهذا لا يوحي إليهم بغير العزلة والوحشة. ولكن، الكون بما له من أفق لا متناهٍ كان دائماً ميدان الفيلسوف.

 كثيراً ما يتحدث الفلاسفة الوجوديون عن العزلة، والوحشة، والقلق، والعبث، والجدران، و... وكلها عزلة، ولسارتر كتاب قصص بعنوان: «الجدار».

فالأنا الخارجة من العزلة أو المقاوِمة للعُزلة يمكن أن تتجاوب تجاوباً فعَّالاً مع المؤثرات الخارجية، «والوعي الذاتي يقتضي الشعور بالآخرين، فهو اجتماعيٌّ في أعمق أعماق طبيعته الميتافيزيقية، وما دامت حياة الإنسان تعبيراً عن الأنا فإنها تفترض وجود الآخرين ووجود العالم».

 وحين ترفضُ الذات أيَّ شكل من أشكال الاتصال بأيِّ شيء خارجَها فهذا يعني عند برديائيف الانتحار.

الناس في مستويات وعيهم وانتماءاتهم وتحدُّراتهم يتلاقون في الأفق العام، يكون للأفراد أفق ذاتي وللمجتمع أفق عام، ويمكن للعلاقة بينهما أن تكون تفاعلية.

وما هو مضاد للأفق يكون في العزلة، وفي انعدام الأفق وفي عالم تنتصب فيه الجدران المادية والوهمية أمام الأنظار. المتشائمون، والهجَّاؤون، والساخطون سواء أكانوا شعراء أم فلاسفة أم سرديين يرون الجدران تنتصب أمامهم وتسدُّ عليهم أي أفق، فيقولون في بداية ونهاية أي كلام: الآفاق مسدودة. وكلما انهدم أمامهم جدار ينتصب أمامهم جدران جديدة! إنه عالم اليأس والعبث. هذه النظرة الشعرية السلبية للعالم يحفل بها الأدب الرومانتيكي، ليس حباً بالعزلة بل على العكس قد تكون تبرُّماً من العزلة ومن انعدام التواصل والحميمية بين الذات والآخرين.

إننا نستدلُّ من حالة الشنفرى مع قومه في لاميته الشهيرة، على أن وصف الروح الفردية والضجر لا يعني تمجيد الانعزال. وقرار أبي العلاء المعري الإرادوي في الاعتزال عن الناس في منزله في المعرة لا يعني أنه نابع من موقف انعزالي، بل ظل المعري إصلاحياً كبيراً، على الرغم من السجون الثلاثة التي رأى نفسه فيها؛ العمى، واعتزال الناس، والسجن الثالث هو الروح المقيَّدة أو المشروطة بالجسد.

يقودنا هذا للحديث عن الجدران، ويبدو أن الجدران منذ الأزل تنتصب في وجه الإنسان القديم والمعاصر، الجدران الحقيقية المحسوسة والجدران الوهمية.

يقول الروائي الأمريكي توماس وولف: «ومن خلال ظلمة الغابة يقوم جدار هادر من الوحوش الضخمة تصدر عنها أصوات بربرية».

 في كتاب قصصي لهذا الكاتب الذي يُعنى بالزمن، وهو صاحب رواية: «النهر والزمن» نلاحظ تكرار مفردة الجدار وهي مبثوثة في صفحات القصص، يقول في قصة: «لا تستطيع الرجوع إلى البيت»:

«كان جورج دائم التطرُّق إلى حديث الجدار، فقد قال: أظن الأمر يكون على هذه الصورة: ترى جداراً فتحدِّق فيه طويلاً، وتجتهد حتى تتمكن يوماً من اختراق ذلك الجدار بنظرك، وبعد فإن ذلك لا يعود ينطبق على جدار واحد فحسب، بل على كل جدار يقابلك».

إذن، تتكرر كلمة الجدار في قصص وولف لتأخذ أبعاداً ودلالات رمزية.

وفي شعرنا العربي المعاصر كما في حياتنا اليومية تتكرر لفظة الجدار، وتحمل دلالات متقاربة ومتباعدة أحياناً، مرة تشير إلى السجن وانعدام الحرية، كما عند الشاعر محمد الماغوط، ومرة تشير إلى القوة المعنوية التي نحتمي بها أو نستند إليها.

وما نريد أن نخلص إليه هنا، أن الأفق هو تركيب يختلط فيه الزماني والمكاني، وهو حركة انطلاق، ومساحة وفضاء للتحليق، وأن الثقافة والمعرفة أفق، والشعر أفق، وكل أنواع الإبداع والفنون هي بمنزلة مصل ضد العزلة والانعزالية والاستنقاع والتوحش. والأفق المفتوح هو التنوير، وهو الخروج إلى العالم الرحب، وفي نظر فلاسفة التفاؤل: «الحياة الإنسانية تتطلَّع دائماً إلى العلو على نفسها، وهي تهلك في اللحظة التي لا تجد فيها مخرجاً لنفسها».

 والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الجدل بين هذين النقيضين أو في هذه الثنائية، بين الحضور والغياب للأنا: هل الأنا جدار عزلة عن الآخرين، أو هو منزلٌ بِشُرُفاتٍ ونوافذ مفتوحة نطلُّ بها على العالم؟