كلمة العدد

بقلم: الأستاذ ناظم مهنا رئيس تحرير مجلة المعرفة

صيرورات...

-١-

في قصيدة «ما بعد الطوفان»، القصيدة الأولى من ديوان (إشراقات) لآرثر رامبو نقرأ:

«ما إن انحسرت فكرة الطوفان

حتى وقف أرنب بين البرسيم والجرسيات المتمايلة

ونطق خلال بيت العنكبوت

بصلاته لقوس قزح

...            ...                ...

ومن ذلك الوقت

والقمر يسمع بنات آوى تعوي

في مشاتل الزعتر وأناشيد الرعاة

تدمدم في البستان بصنادلها.

ثم قالت لي أوخاريس في الغابة البنفسجية المبرعمة:

إن الموسم كان ربيعاً...».

القصيدة مثل كل شعر رامبو مُحمَّلة بالمعاني وحافلة بالصور الشعرية الغريبة، وهي عموماً تتحدَّث عن البشر ما بعد الطوفان، أنهم بدلاً من أن يفكروا بإصلاح حالهم، راحوا يستعيدون خرافاتهم، وأخطر ما في القصيدة أن رامبو استخدم تعبير «فكرة الطوفان» وفيما يرى النقّاد وبعض شرّاح القصيدة أنه أراد أن يقول إن ما جرى في زمن الطوفان القديم، وعلى هول ما جرى، ليس هو الطوفان، بل مجرد فكرة الطوفان! وهذه رؤية شعرية تهديدية أو إنذارية ربما أطلقها رامبو في وجه العالم.

-٢-

من أجواء رامبو والشعر وهذه القصيدة، وكناية عن واقعنا، تعالوا لنفترض أننا كنا على متن سفينة عملاقة وفي خضم طوفان. ربان السفينة وقد خاض صراعاً مظفراً مع الطوفان، مدركاً خطورة ما جرى، قال قبل ساعات من انحسار الطوفان، مخاطباً ركاب السفينة: «إننا نمخر في السفينة، في تيار مليء بالأمواج العاتية، تحت شلال هائل، ولا بدَّ من مجهودات جبارة لإنقاذ السفينة، سفينة مصيرنا، من المجرى الجانبي الخطير، الذي سمحنا لها بالانطلاق فيه، ومن إعادتها إلى المجرى الرئيسي، إن كان ثمة أمل في ذلك»

 وهنا نفترض أن حاملي المعرفة من الركاب ردّوا عليه: الأمل موجود، الأمل موجود.

وبعد انحسار «فكرة الطوفان» الناجون من الهلاك مهما كان عددهم كبيراً أو صغيراً، نزلوا من السفينة على الأرض الزلقة، وراحوا يتفكّرون؛ ماذا يفعلون، وكيف يتدبّرون أمرهم بعد ما جرى وفقدوا ما فقدوه؟ وهم في هذه اللحظة ولحسن الحظ يملكون المعرفة وإرادة العمل. وكان ربان السفينة ومعاونوه قد طلبوا ممن يمتازون بالمعرفة أن يضعوا خططاً لبناء ما اجتاحه الطوفان.

اختلفت الآراء، ودار جدل هادئ أحياناً وصاخب أحياناً أخرى، وحين طال الأمر، تدخل واحد ممن يميلون إلى العمل، وقال: كفى جدلاً، نريد خططاً قابلة للتنفيذ كي نباشر عملنا.

وفي أثناء ذلك، لا أعرف ماذا جرى؟! ولكن الأرض عُمّرَتْ ودمرت مراراً وظل الدمار والعمار يتناوبانها على مرِّ الدهر.

-٣-

نحن هنا، وبعد ما جرى، قد تنطلق نقاشات طويلة وتعقد ندوات ومؤتمرات، وهذا أمر مفهوم. ونأمل أن تكون الأفكار مبتكرة وقابلة للتنفيذ، وأن تتوافر، دائماً، الجرأة الكافية لتنحية ما هو اعتباطي وضار أو غير مفيد، والتصرف بحنكة بعيداً عن الأنانية والنفاق، مستفيدين من دروس ما جرى.

ومن جهتي، أخشى أن نقع من جديد في التكرار والاجترار، وجلد الذات والاستغراق في الشكليات، والإمعان في الشقاقات والخلافات الحادة...

 وهذا الشعب يمتلك المعرفة وإرادة العمل واجتراح الابتكارات والإبداعات المدهشة، ولن يستسلم لليأس والقنوط والندم.

-٤-

غالباً، كانت الأفكار الإصلاحية نبيلة، وكذلك التصورات والمعتقدات، وعندما لم تكن النتائج العملية جيدة أو تنتهي إلى الإخفاق، كان ناقدو الحضارات يميلون إلى أن يعزوا العامل الحاسم في هذه الإخفاقات إلى أن «الفلسفة انصرفت عن القيام بواجبها» هذا عندما كانت الفلسفة لها وجود ولها مكانتها، وهي التي كانت تقود العالم أو تشارك في إدارة العالم.

 نحن اليوم في زمن تغير، ولا مفر من الاعتراف بذلك، لم تعد الفلسفة ترشدنا كما كانت في عصرها الذهبي اليوناني أو الأوروبي في القرن الثامن عشر والشطر الأول من القرن التاسع عشر. للأسف، لقد غادر الفلاسفة قاعة الوجود، تاركين الإنسان يتخبَّط، مرهقاً في أشكال من القهر المادي والروحي. على الرغم من أن الإنسان الحالي لا تنقصه المعرفة ولا الهمّة في العمل، بل المعرفة اليوم تتدفق على العالم مثل شلالات نياجارا، ولكن الإنسان يزداد ضياعاً وفقداناً للتركيز وعرضة للضياع والسطحية والتشوش.

-٥-

قضيتان تقليديتان تثاران اليوم من جديد عند العرب عامةً وعند السوريين بشكل خاص: قضية الهوية، وقضية النهضة أو التنوير العربي. تُثار حولهما التساؤلات والخلافات منذ أكثر من قرن ونصف القرن. ربما تكون القضيتان مهمتين أو أن الجدل فيهما ضرب من الترف الفكري. لكن اعتاد الجدليون وعشاق الأفكار أن يسوِّغوا كل قضية ويحيوها من الموات، ويجعلوها قابلة للجدل، وهذا دأب الكتَّاب ورجال الفكر. ولكن ما نخشاه من جديد أن نعود إلى المربع الأول، وندور في حلقة مفرغة، أو نقع في التسرع والتسطيح والإملال، ونحن نعتقد أننا نمارس النقد والمراجعات.