كلمة العدد

بقلم: الأستاذ ناظم مهنا رئيس تحرير مجلة المعرفة

القصة في الزمن الحرج

 

كان الإعلان عن عدد خاص بالقصة السورية، نوعاً من المجازفة إلى حدٍّ ما، لا سيما في مثل هذه الظروف المعروفة، والتي يُضاف إليها أن القصة القصيرة تعيش خريفها الطويل منذ عقود، ويرى بعض النقّاد أن هذا الفن الصعب في حالة أفول وقد رحل أعلامه الكبار عن الدنيا، تاركين خلفهم إرثاً مجيداً، لم يستطع الأحفاد الحفاظ عليه!

أعلنَّا عن هذا العدد الخاص، وَوُجهنا بتخوُّفٍ مُسوَّغ من بعض الأصدقاء، إذ اعتقدوا أنه من الـمُحَال جمع ما هو كافٍ من القصص لإصدار عدد خاص ومميّز. ورأوا أنني ورَّطتُ نفسي بفشل مُحَتَّم كان بالإمكان الاستغناء عنه. على أيِّ حال، ما إن أعلنَّا على صفحات المجلة عن العدد حتى تدفّقت القصص، ووصلتنا مشاركات من كتَّاب القصة السوريين في أماكن وجودهم وانتشارهم. كثرة المساهمات وفّرت لنا متعة الاختيار حتى ظهر العدد على هذا الشكل، وفيه من التنوع ما يبعث على الرضا، وفيه تعدد في المستويات الأسلوبية، وهذا أيضاً له ما يسوِّغه.

يظهر في هذا العدد، بشكل جليّ، وقع هذه الحرب الطويلة وتأثيرها على النفوس وعلى الكتابة، فمعظم القصص فيها هذا الأثر الذي يُعبَّر عنه بشكل مباشر أو غير مباشر، صريح أو عَبْر الإشارات والإيحاءات، وهذا بحد ذاته تفاعل مع ما يجري، وتعاطٍ مع الواقع. ولا بدَّ من التنويه ببعض القصص التي رصدت البطولات التي حققها أبطال جيشنا الوطني وهم يتصدّون للإرهابيين، وهذا الجانب الوافر في قصص العدد يشير أيضاً إلى إمكانية أن يكون عندنا، في القادم من الأيام، أدب وطني مثل الأمم التي خاضت حروباً مصيرية عظمى.

ولكن ليست كل القصص هنا عن الحرب، ولم يكن هذا مطلوباً بل جاء عفو الخاطر، ونحن رحّبنا بالأنماط والموضوعات المختلفة، ولمن يقول: إن مستوى القصص متفاوت فنياً، نردُّ: إن هذا أمر طبيعي، فهو عدد خاص بالكتابة القصصية، وليس مختارات قصصية، عبّر فيه نحو خمسين كاتباً عن طريقتهم وأسلوبهم في كتابة القصة، وأكَّدوا بذلك أن فن القصة ما يزال موجوداً، وأن القصة ما تزال عند السوريين فناً حاضراً لا يندثر بعد كل الإنجازات التي حقّقها المبدعون القصصيون السوريون منذ مطلع القرن الماضي.

في هذا العدد ومن منطلق أن القصة أكثر أهمية للكاتب من التنظير حولها، رأينا أن نخصص كل العدد للقصص ونغفل الدراسات والبحوث حول القصة إلى أعداد آتية، معتقدين أن كتّاب القصة يعرفون نظريات الكتابة القصصية وتاريخ هذا الفن، والأحسن أن ندع الكتابة القصصية تعبّر عن ذاتها بذاتها، وأن يكون التَّماسُّ مباشراً بين القارئ والنص بلا مقدمات وبلا وسائط، وألا نقحم التفسيرات والتنظيرات على النصوص.

في هذا العدد كل الكتَّاب المشاركين وغير المشاركين لهم مكانتهم واحترامهم وتقدير تجربتهم وإبداعاتهم، ولم نشأ أن نتدخل بأي شكل في تقييم أو إنشاء تفضيل بين قاص وآخر أو بين قصة وأخرى، فالأمر متروك للقرّاء ولذائقة كل قارئ على حِدة، وترتيب القصص جاء وفق التسلسل الأبجدي للاسم الأوَّل للكاتب مراعاة للتقاليد الجدية للمجلة، ولا علاقة لذلك على الإطلاق بمكانة الكاتب وقيمة كتابته.

وإذا كان لكل مقام مقال، ونحن في مقام القصة السورية، نرى أن نذكِّر باختصار ببعض النقاط التي تتعلق بفن القص عموماً، وبعض الخطوط العريضة لتاريخ القصة السورية وآفاقها.

بداية، لكل شيء سواء أكان شخصياً جداً أَمْ عاماً، نسبياً أَمْ مطلقاً، أَمْ كان حلم يقظة أَمْ حلم نوم لا بد من حكاية أو قصة، مكتوبة أو غير مكتوبة، مروية أو لم تُروَ بعد. وللقصص والحكايات طرائق عرض متنوعة، قد تكون متقاربة أو متباعدة، ومن ثمّ نحن مع الزمن صرنا أمام أنواع وطبقات وأجناس حكائية متعددة صنّفها النقاد السرديون المعاصرون تحت تسميات عديدة.

وكما هو معروف؛ فالقصة قديمة قدم التاريخ، ربما ترافقت مع بداية الوعي، وتطورت وتنامت مع الزمن إلى أن بلغت ذروتها في العصور الحديثة، والتاريخ بشكل أو بآخر هو رواية أو حكاية، ولا بد أن تاريخ البشرية عرف طوفانات من الحكايات الشفهية التي انداحت ثم عادت لتنبعث في أشكال كتابية وتحت عناوين متعددة، منها: الحكاية، والأسطورة، والخبر، والتاريخ، والسرد، ثم الرواية، والمقامة.. إلخ، وكان لنا نحن العرب حيِّز وافر من الحكايات والمرويات القصصية التي يُعتدّ بها، وكان لها دور في تشكيل بدايات فن القص. إلا أن كل هذه الأشكال السابقة للفن القصصي وخصائصه التي ظهرت في أوروبا منذ القرن الرابع عشر الميلادي قد تطورت تطوراً دراماتيكياً في عصر الطباعة، ثم في زمن انتشار الصحافة، وبهذا غدا الفن القصصي فناً جماهيرياً يمكن أن يقرأ بمتعة وتأنٍ، ويمكن أن تكون القصة مسلية وملغزة وغذاء روحياً عند قطاع واسع من القراء.

من الحكاية البسيطة المتتابعة ورواية الحادثة إلى الشكل الحديث للكتابة السردية، تعقَّدت القصة فنياً منذ القرن التاسع عشر دخولاً في القرن العشرين، وتوافر لها كتّاب نابغون وصلوا بها إلى ما فوق السحاب، من أمثال إدغار آلان بو وهوثورن في أمريكا، وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وتورجنيف وبونين وعشرات القصاصين في روسيا، وموباسان وديكنز وتوماس هاردي وصولاً إلى بورخيس وكتّاب آخرين. وربما ازدادت الأمور تعقيداً في أيامنا هذه التي توصف بزمن العزلة والفوضى والتشوش، حيث تغير شكل القصة ومحتواها، وتدريجياً تراجع حضور القصة وتقدمت فنون أخرى على حساب القصة القصيرة، واليوم في زمن الاتصال والتواصل كان من المتوقع أن تعود القصة القصيرة للتقدّم واستعادة مكانتها السابقة إلا أن الأمر لم يتم حتى الآن، وما تزال الرواية تحتل المكانة الأبرز في لائحة الأجناس الأدبية من حيث الحضور والجماهيرية. ويلاحظ النقّاد أن من ضمن الأنواع والأنماط المتعددة للقصة توجد أربعة أنماط رئيسة هي:

النوع القصير من القص الذي أطلق عليه الكاتب الأمريكي واشنطن إيرفنج (١٧٨٣- ١٨٥٩م) «السكتش» وقال: أعدُّ القصة مجرد إطار أضع مادتي ضمن حدوده. أمّا إدغار آلان بو (١٨٠٩- ١٨٤٩م) فكان يرى أن كل عناصر القصة التي يتحدثون عنها تعد ثانوية بالنسبة إلى الحركة ككل.

أما النوع الثاني من القص الذي رصده النقاد فيطلق عليه: القصة القوس، التي تكون ذروتها في منتصفها، ثم يقودنا المؤلف إلى الحل بالتدريج حتى النهاية، أو القصة التي تتكوَّن من عدد من الذروات كسلسلة جبلية.

النمط الثالث هو القصة التجلي، كما أطلق عليها جيمس جويس؛ وهي التي تتبلور فيها الفكرة أو تتضح في الصفحة أو الأسطر الأخيرة من القصة.

أمّا النمط الرابع فيُسمَّى بالقصة الحديثة، حيث تكون الفكرة مسيطرة من البداية حتى النهاية، وتكون عادة القصة دون ذروة أو تَجَلٍّ ومفتوحة النهاية.

ويرى هؤلاء النقاد أن القصة ما تزال تُكتب بهذه الطرائق الأربع التي تختزل مراحل تطور القصة القصيرة من البدايات حتى عصرنا الحالي.

وكما توجد أنماط توجد تعريفات كثيرة أيضاً للقصة، فإرسكين كالدويل يعرِّفها بأنها «حكاية خيالية لها معنى، ممتعة بحيث تجذب انتباه القارئ، وعميقة بحيث تعبّر عن الطبيعة البشرية».

الكاتبة الأمريكية كاثرين آن بورتر ترى أن على القصة القصيرة أن تقدِّم فكرة في المقام الأول، ثم وجهة نظر ومعلومة ما عن الطبيعة البشرية بحس عميق، وفي النهاية يأتي الأسلوب.

ومن الطريف أن الناقدة الأمريكية هالي بيرنت في كتابها: «كتابة القصة القصيرة» ترى أن القصة القصيرة أكثر الفنون ديمقراطية، لأن كل فرد يمكنه أن يحكي قصة، وإذا كانت القصة جذابة فلا بد أن يصغي إليها شخص ما.

في الحقيقة، توجد تعريفات أكثر مركزية ودقة من التعريفات التي أوردناها وهي كثيرة لم نشأ أن نتطرق إليها، لأن الموضوع ليس بحثاً في القصة وتعريفاتها، بل مجرد توطئة للعدد الذي سنضعه بين أيديكم.

بقي أن نؤكِّد أن العرب عرفوا فن القص وبرعوا فيه، وتوجد شواهد كثيرة على ذلك في الحكايات والأخبار، وكتاب ألف ليلة وليلة شاهد شامخ على بلوغهم ذروة الفن في القص، وهو كتاب حكايات خيالية وواقعية، وليس كتاباً وعظياً ولا كتاباً في التاريخ.

أمّا عن القصة السورية في هذا العصر، فقد تعامل كتّابنا مع القصة على أنها فن جديد، على الرغم من وعيهم لتراثهم الحكائي، وانفتح كتّابنا على المؤثرات الخارجية لفن القص منذ مطلع القرن العشرين، إذْ بدأت القصة القصيرة بالمحاكاة والتقليد، ثم تطورت حتى غدت فناً واقعياً ناضجاً، له ملامح وخصائص محلية، وظهرت هذه الانعطافة في التطور الفني للقصة منذ بداية الخمسينيّات من القرن العشرين، وظهر أعلام كبار في القصة وربما بلغت القصة ذروة تطورها في سبعينيّات القرن الماضي، ثم بدأت تنحسر وتتراجع تدريجياً، ليس عندنا فحسب بل في كل أنحاء العالم، والبحث في أسباب ذلك سيكون لنا معه وقفة أخرى.

ونختم بالقول: مهما يكن نوع الجنس الأدبي، قصة أم شعراً أم رواية، فإن الأدب الجيد والمؤثر هو الذي يعبّر عن شخصية ووجدان الأمة. ونقول مع بورخيس أيضاً: الحكايات عندنا ما تزال أشبه ببيضة طائر لم تفقس بعد.

وكل الشكر لمن أسهم في إكمال هذا العدد الخاص بالقصة، وأخص بالشكر الكتّاب المشاركين فيه.