كلمة العدد

بقلم: رئيس التحرير ناظم مهنا


وقفات...

-١-

فيروز

اعتدنا كل صباح أن نسمع أغنيات فيروز، كأن السيدة فيروز مطربة الصباح دائماً، فاتحة الإشراق عند العرب، فكل يوم ميلاد، وهذا في الجوهر، فيه من الواقع والأسطورة، ويا لها من معجزة أن تتوحَّد الصورتان في شخص، إنَّها ذروة الشاعرية، وجوهر الخلود، أن تكون فيروز، جسراً بين الـ(هُنا) والـ(هُناك)، بين الأرض والسماء، وفي المعنى الكلاسيكي الهلنستي، جسراً بين الآلهة والبشر. إنها ملكة متوَّجة في مملكة الكينونة بامتياز. فيروز مغنية، ليست كأي مغنية، إنها صوت الأعماق العذبة، ومنحة الطبيعة للعرب، الذين اعتادوا أن يبدِّدوا ما يُمنح لهم.

 حالة إبداع وثقافة عميقة، هي إشعاع يحمل في ثناياه الأزمنة كلِّها. غنَّت فيروز الشعر العربي القديم والجديد، الفصيح والدارج، والكلمة مع فيروز لها معجم آخر، إنَّها حياة متجدِّدة، تأتي إلى العالم من علِ، من الذروات البعيدة، لتضعنا في الدهشة، في الطفولة وفي النضج. لا شيخوخة هنا، بل صوت لجغرافيا، صوت الأرض بسهولها وجبالها ووديانها و صوت آمال الشعب، إنه صوت أمة، وربما أمم ضاربة في القِدَم. تحية لفيروز في عيد ميلادها الذي يتجدَّد كلَّ صباح، وشكراً لهذه النعمة.

-٢-

برتولوتشي

منذ أيام، رحل المخرج الإيطالي برناردو برتولوتشي، عن عمر /٧٤/ عاماً... أثرت بي صورته، وهو مقعد على كرسي. وأعادني في الذاكرة إلى عقد التسعينيات، لا أعرف في أيِّ عام بالضبط، حين عرض فيلم «الإمبراطور الأخير» وهو سردية سينمائية عبقرية عن إمبراطور الصين الأخير الذي أطاحت به الثورة الصينية بقيادة ماوتسي تونغ ورفاقه. هذا الفيلم الطويل، الذي رأيته بشغف ثلاث مرات؛ مرتين في صالة الكندي بدمشق، ومرَّة بوساطة الـ(فيديو)، كان نهاية شغفي بالسينما، الذي بدأ معي من الصبا حتى الشباب. لقد جعلني هذا الفيلم الرائع لا أنسى اسم برتولوتشي على مرِّ السنين.

إنها لعبقرية فذَّة، من مخرج إيطالي، اختارَ أن تكون ملحمته البصرية عن بطلٍ، نهايةُ مرحلةٍ وبداية مرحلةٍ جديدةٍ أسقطته وهو في ذروة مجده، إنها سيرة ملحمية لإمبراطور الصين الأخير. بواقعية حاول الإمبراطور أن يتكيّف مع العهد الجديد، كمواطن صيني معتقل، متجاوب مع إعادة التأهيل والدروس الحزبية التي تعطى للسجناء، وكان معجباً بأستاذه العقائدي، الذي أطاحت به الثورة الثقافية في الصين، فحزن عليه الإمبراطور وهو يراه مكبَّلاً مع أرتال من الثوريين الذين يقادون إلى العقاب من رفاق الدرب، وراح بعفوية مدهشة، يحاول أن يقنع الآخرين، أن هذا الرجل إنسان جيد، لا يستحق أي عقاب. الفيلم حافل بالتفاصيل المدهشة التي تشكّل بناء سردياً سينمائياً اختطته آلة تصوير هذا المخرج العظيم، الذي له أفلام عظيمة أخرى، سمعت وقرأت عنها، ولم أشاهدها، وكمن قرأ رواية عظيمة لا تُنسى لروائي عظيم، كذلك كان الأمر معي حين شاهدت فيلم «الإمبراطور الأخير» لبرتولوتشي.

-٣-

زهير غانم

سمعت برحيل الشاعر والفنان التشكيلي السوري الصديق زهير غانم، بعد أشهر من وفاته في بيروت عام (٢٠١١م). كان زهير مقيماً في بيروت، أخذ معه، إلى هناك، المرارات والأحزان، ليعيش معها بعيداً عن مسقط رأسه وعن أصدقائه اليوميين في اللاذقية وكل سورية، وأصدقاؤه ومعارفه كثر، ولوحاته مع بعض قصائده، شاهدها في بيوت أصدقائه وصديقاته في دمشق وغيرها، كان زهير في ذروة الشباب والعطاء. وكان رجل صداقة، يفيض مودَّة وبشاشة مع الناس. آخر لقاء بيننا كان في بيروت عام (٢٠٠٤م)، جلسنا في مقهى مع أصدقاء لبنانيين، ثم اصطحبني إلى منزله  المستأجر،غير العائلي، وهو حجرة أو (استديو) أو علِّيَّة منزل في شارع الحمرا، بدا لي زهيراً متصالحاً مع العالم، كحكيم صوفي، أو كعاشق لكل الوجوه التي مرَّت في مراحل حياته. وكما كان دائماً مسكوناً بالحزن الشاعري الشفاف الذي يليق بفنان مملوء بالمعرفة.

أنا هنا لا أكتب رثاءً لزهير، وقد مضى على وفاته كل هذه السنوات، ولكن رحيل بعض الأصدقاء من أدباء وشعراء، جلب علي هذا الأسى الداهم، و«الشجا يبعث الشجا..» على حد قول متمم بن نويرة.

موت زهير، بعيداً عن قريته، والطريقة الكتومة التي رحل فيها، والعالم العربي تعمُّه الفوضى، ومن الصعب أن نتخيل شاعراً عاش بيننا، وكان صاحب حضور لطيف، أن يطويه النسيان، ففي هذا كثيرٌ من الجحود. وكل ما آمله من الأدباء في سورية الحبيبة، أن ينال هذا الشاعر الراحل ما يستحق من الاهتمام، وما يليق به.

-٤-

إبراهيم الجرادي

بعد صراع مع المرض، رحل الصديق الشاعر إبراهيم الجرادي، رحل بنبل وكبرياء، والنبل والكبرياء، كانا سجية عفوية في نفسه الكريمة.

يختلف إبراهيم في سنواته الأخيرة عن إبراهيم في سنوات الشباب، وقد عرفته منذ قدومي إلى دمشق، أواخر السبعينيات، كان في بداياته مقهقهاً، صاخباً، ممتلئاً بالحياة، يحتفي بأصدقائه وبالمواهب الجديدة، إذ كان شاعراً طليعياً وصحفياً في جريدة الثورة، وظل على عهدي به من الطيبة و المودة والشغف، وكان قارئاً حاذقاً، ومترجماً يختار ما يريد بدراية وجدية تستحق كل التقدير. وهو في السنوات الأخيرة، وقد صقله الزمن، صار أكثر هدوءاً وروية ونضجاً.. كان مفجوعاً، متصدعاً لما آلت إليه أمور الوطن، يتقطع حزناً لما حلّ بأهله، وبمدينته الرقة.

شطر كبير من حياة إبراهيم قضاه في كفاح من أجل الحياة الكريمة له ولأسرته، عمل لسنوات مدرِّساً في جامعة صنعاء، وكعربي أصيل، وسوري عميق الانتماء، كان يتصرف كسفير للسوريين عند إخوتهم اليمنيين، وسفيراً لليمنيين عند إخوتهم السوريين، يفعل ذلك بصمت ونبل دائماً.

كنت حزيناً لمرضه، ومتعاطفاً مع آلامه إلى أبعد الحدود، وبيننا مودة، كلانا يدرك عمقها، على الرغم من ذلك، لم أزره لا في المشفى ولا في البيت، وأعتذر هنا منه ومن أسرته الكريمة، كنت أتحاشى، بخوف، أن أراه في مرضه، واتصلت به مراراً ولم أوفَّق في الاتصال الهاتفي. إن أثر إبراهيم سيبقى في ذاكرتنا وفي ذاكرة المدينة.

-٥-

أحمد مهنا

الشاعر أحمد عباس مهنا، معك، أيها الصديق الراحل، سأترك ما هو خاص بنا كعائلة، لأعبِّر عنه في مكان آخر.

 إذن، بعيداً عن الأبوة البيولوجية واستحقاقاتها، وما فيها من ذكريات وعواطف، وفقدان وحزن... لنترك هذا جانباً، ولنتحدث عن الشعر والتراث والثقافة عموماً، كما كنا نتحدث كلما التقينا، حديثك المملوء بالمعرفة وبرواية الأشعار، لا يُملُّ أبداً، أعترف أن خسارتي كبيرة، لقد فقدت برحيلك أعزَّ الأصدقاء.

منذ سنوات لم أكن أشعر أنني بحاجة إلى أب، لقد ابتعدت عن البيت، وأنا في ميعة الصبا، وتكونت بعيداً عن رقابة الأب. لكن، روح المنزل، وأمي الحبيبة، وأخوتي، والقرية، وذاكرة الطفولة، ظلت تحيط بي من كلِّ جانب، وأينما تحركت، تُرشدني، وتُحصِّنُني عن الزلل والاندفاعات الخرقاء، وكل هذه الخيوط قوية النسيج، كانت ولا تزال في الحسبان. أعترف لك أيُّها الصديق، أنني في مرحلة ما شعرت بضرورة أن أعلن حرباً صامتة على العاطفة، لكي أكون أكثر تحرراً، وأقل تحسُّباً، وأكثر صدقاً مع نفسي التوَّاقة للتمرد في الكتابة وفي الحياة... لكنني أخفقت في المضي في هذا المنحى القاسي.

العاطفة كانت تغلبني دائماً، لأنها قوية في دمي وفي وجداني، وأعتقد أنني ورثتها من الشعر الذي يسكننا، ويبعث فينا هذه الانفعالات التي تجعلنا نبكي، تأثراً، في الفرح والحزن.

أقدِّر في قصائدك، الخليلية والنثرية، أولاً مفرداتك الغنائية المموسقة التي تمتُّ إلى العالم القديم، ثم انفعالك الصادق في التعبير، ورؤيتك المعاصرة البسيطة والواضحة للعالم، ثم هذه الحركية المشهدية أو المهرجانية التي تبثها القصيدة في «موسيقاك الليلية» قصائدك قصائد تجوال وسفر، وبداوة مندهشة، مسحورة بالإنسان المتحضِّر، أنت لم تكن تدرك ذلك، وكنت أنا من لفت انتباهك إليه، فالشعر عندي ليس مجرد صور بيانية، تشبيهات واستعارات وموسيقا كلمات، بل أبعد من ذلك بكثير، أنت لم تمارس الكتابة كاحتراف، آثرت أن تكون فلاحاً، على علاقة مباشرة مع الأرض والطبيعة، والشاعرية عندك طريقة حياة وتفكير. أقدِّر أيضاً فيك، هذا التفكير السليم المبني على القياس والمحاكمة.

صديقي الحبيب: كان يوم رحيلك، قاسياً عليَّ وعلى محبّيك الذين قرأت الحزن في عيونهم، وعزائي الكبير، ومصدر اعتزازي، أنك، على الرغم من الفقر، وضيق الحال، عشت بكبرياء وأنفة، تليق بالشعراء.

-٦-

أنطون دوشي

يا صديقي أنطون، مضت سنوات، لم نلتق، كما كنا نلتقي في حارات دمشق القديمة. أنت في غربتك البعيدة، ولحق بك الصديق الحبيب أسامة إسبر، وتركتماني، أواجه عشيات الحرب مستفرداً بذكرياتي، لا أعاتبكما، فنحن لم نفترق أبداً، ولم نختلف يوماً، وقد وحَّدتنا الضحكات الودودة، وحبُّنا لهذه الأرض القديمة، وبشرها، لنهارها وليلها.

أيُّها السوري القديم، الآشوري، العموري، الآرامي، السرياني، العربي... المسكون بسوريته التي انتشرت معه أينما ذهب، كمْ كنتَ مُحبَّاً للحياة، وكم كنت تختزن من ألم وشعر ومودة؟

ذاكرتك السورية، تمتد من مسقط رأسك في الحسكة إلى طرطوس منشأ العموريين، إلى دمشق، تتعرَّج وتنساب كالأنهار العظيمة، والحقول الدائمة الاخضرار. كنت مزيجاً من الأب القديم للبشر، في لحظة سقوطه على الأرض، وهو يبحث عن وليفته الضائعة، أم الآدميين، ومزيج من زوربا، الابن المجازي لدونزيوس..

مزَّقتِ الحربُ الوحشيةُ وطنَك، الصغير، الواسع كالمحيطات، وأعرف حجم ألمك الذي عجَّل في رحيلك، آه يا صديقي، كم تألمت لخبر رحيلك الذي طوى البيداء، ووصلني عويلاً فجائعياً، مثل مراثي الشعر العظيمة، من صديقك البارّ طارق مصطفى، كم يحبك يا أنطون هذا الطارق بن أحمد عدوان، وابن شقيق الشاعر ممدوح عدوان! إنك تستحق أن تحسد على هذا الود الدفّاق العذب الذي ينبع من جبل القيرون. أعزي أسرتك الكريمة، وأعزي أسامة وطارق، وأعزّي دمشق القديمة، وأعزي نفسي بقراءة أشعارك مرة جديدة.

-٧-

بابلو نيرودا

كما يحدث في خيال بورخيس، سقط عليَّ، منذ أيام، كتاب من رفوف مكتبتي، وكأنه يقول لي اقرأني يا رجل، لماذا نسيتني كل هذه السنين؟! إنه « مئة قصيدة حب» لماتيلدا كتبه نيرودا... أمضيت ساعات الليل في قراءة أشعار الحب هذه، وكنت فيما مضى قد قرأتها مرات ومرات... وهي من ترجمة الأديب اللبناني الكبير محمد عيتاني، الذي ترجم عدداً من الروائع... بعد النشوة من قراءة قصائد نيرودا تمنيت من أعماقي أن يقرأ شعراؤنا الجدد أعمال هذا الشاعر، نثره وشعره، وهو ذروة شامخة من ذرا الشعر العالمي المعاصر، شاعر حب ومقاومة من الطراز الرفيع.