كلمة العدد

بقلم: الأستاذ ناظم مهنا رئيس تحرير مجلة المعرفة

هاني الراهب والرواية المضادة

من دواعي سروري أنني التقيت منذ أيام الروائي الكبير «حيدر حيدر» في مبنى الهيئة العامة السورية للكتاب، وإن بدا الأمر طبيعياً جداً، أن يزور الأستاذ «حيدر»، قادماً من طرطوس، هذا المكان الذي يعرفه جيداً منذ أن كان مقراً لوزارة الثقافة، وهو كمن يزور بيته، ويعرف مكانته فيه. المهم في الأمر أن المبدع الكبير أثر فيه الزمن ولم يهزمه، رغم كل ما شهده صاحب «الزمن الموحش» و«وليمة لأعشاب البحر» من انكسارات عامة وخاصة، ومع المبدعين الكبار يتداخل الخاص والعام. من قرأ «حيدر حيدر» يلاقي هذا النهر الطويل من الحزن العميق، ولا بد أن يرنو إليه بوقار، لشدة أصالته وتأصله في النفوس، ولصفائه من المنبع حتى المصب، هذا السرد الشاعري هو ميزة خاصة تميز بها «حيدر» في لغتنا الروائية الجديدة. في هذا اللقاء الطيب والدافئ الذي جمعنا مع الأستاذ «حيدر» بحضور الزملاء: «نذير جعفر وحسام الدين خضور». لم نشأ أن نرهق الأستاذ «حيدر» القادم من سفر في حوار فكري، ولكن لا بد، شئنا أم أبينا، من أنْ يذهب الحديث في هذا الاتجاه، وربما ليس من اللائق أن ننقل الحديث الذي دار في الجلسة، رغم أهمية ما قاله الأستاذ «حيدر»، وهو عميق الثقافة والتجربة، كما هو معروف، وفيما يتعلق بعنوان هذه المادة عن «هاني الراهب»، جرى ذكر الروائي الراحل «هاني الراهب» بأطيب الكلمات، وذروة التقدير والوفاء من صديقه «حيدر» الذي نرجو له دوام العافية واستمرار العطاء ، أشار «حيدر» إلى رجائه من الهيئة العامة السورية للكتاب أن تعيد نشر أعمال «هاني الراهب»، وذكَّرني هذا الموقف النبيل، بموقف «هاني الراهب» من أدب «حيدر»، وقد سمعته منه شخصياً، ونشرت ذلك ضمن سياق الحديث عن «هاني الراهب» بعد رحيله، في مقال بعنوان: «هاني الراهب، صداقة الأسبوع الأخير» نُشر في جريدة الحوار اللبنانية في ١٤ تشرين الأول عام (٢٠٠٠م)، ومنه أنتخب لقراء المعرفة الكرام بعض ما ورد فيها، لنتذكر معهم هذا المبدع الذي يستحق أن نتذكره، بل ومن حقه علينا ألا ننساه، والأمم الحية تُحيي رموزها الثقافية والوطنية والشعبية في وجدانها دائماً.

كنت أعرف «هاني الراهب» معرفة لا تتعدى التحية أو اللقاء العابر، وكنت قد قرأت له بعض رواياته، وأعترف أنه لم يكن كاتبي المفضل، حتى إنني قرأت نحو أربعمئة صفحة من روايته الكبيرة «الوباء» وتركتها من دون أن أصل إلى نهايتها، وما زلت أَعِدُ نفسي بأنني سأعود إليها مرة ثانية، لا لكثرة الثناءات عليها فحسب، بل بسبب المودة التي بلغت الذروة بيني وبين الكاتب، والتي تفرض علي أن أقرأ كل ما كتبه. كان «هاني» في أثناء وجوده في دمشق يواظب على مقهى الروضة في شارع العابد، وهو المكان الذي كنت ألتقي أصدقائي فيه يومياً. كنت أرى «هاني» يدخل المقهى مبتسماً كعادته، كأنه على موعد مع كل الجالسين، يتجه مباشرة إلى جناح لاعبي الشطرنج. لمجرد أن أراه في المقهى كنت أشعر بالارتياح، وفي تلك الآونة كنت أكن له الاحترام عن بعد، مدركاً أهميته ومكانته المرموقة في الثقافة وفي الإبداع الروائي منذ روايته الأولى «المهزومون» الصادرة عن دار الآداب في بيروت عام (١٩٦٠م) والتي نال بها جائزة الرواية العربية الأولى. كان أصدقائي في مجلة ألف قد أجروا معه حواراً هاماً في مطلع التسعينيات. من جهتي، كنت أنفر من الاقتراب من المشاهير، لكنني اكتشفت فيما بعد أن «هاني»، على الرغم من شهرته، كان بسيطاً أكثر مما يعتقد أي إنسان، فلم يكن قطباً ولا محوراً، بل كان يبدو قلقاً شريداً كمن يبحث عن شيء ضائع وما من يقين في العثور عليه. شيئاً فشيئاً تحولت المودة الباردة إلى صداقة متنامية، بعد أن تبددت الحواجز منذ اللحظات التي بدأنا نلتقي  فيها على طاولة واحدة، صار الرجل صديق جلساتنا اليومية، وصارت لعبة الشطرنج ثانوية. بلا أستذة أو رغبة في الاحتواء، يندمج «هاني» في أي حديث، يأخذه من أطرافه مجادلة واختلافاً وتوافقاً ونزقاً ومرحاً ليدخله في لجة الصوغ نحو الاحتمالات والقول الفصل؛ أدب، تاريخ، سياسة، ظواهر اجتماعية، أحوال الناس والمدن والبلدان، نظريات الكتابة وفنون القص وأنماط السرد، كان بارعاً في الإصغاء كما في الحوار، لم يكن متعصباً لعقيدة قديمة أو معاصرة، ولا يملك أمجاداً عائلية أو مالية أو أي شكل من أشكال التفاخر الشخصي، كان فوضوياً منبوذاً من الإيديولوجيين القوميين والماركسيين، وكل أشكال التجمعات الصارمة، ولكنه كان عروبياً بعمق وبروح نقدية. بدا لي أن «هاني الراهب» يحب الشعراء الحديثين، ويتذوق الشعر الحديث ولكنه يتهيب التنظير في الشعر! وفي اعتقادي أن الميزة الكبرى في «هاني»، نزوعه الفطري نحو كل جديد، بالإضافة إلى إرادويته الواعية لهذا البعد التجديدي الذي جعله منذ روايته الأولى يبرز مجدداً أو متجاوباً مع أطروحات الرواية الجديدة في العالم. قدم لي «هاني» روايته «رسمت خطاً في الرمال» قبل الطباعة، وعلمت منه أنه قدمها إلى آخرين، وهذه عادة عند «هاني»، أنا غير مقتنع بجدواها. قرأت الرواية كاملة بعد طباعتها، وهي رواية هجائية بامتياز، زاوج فيها بين الفنتازيا والواقع، وشيدها على معمار حديث بنكهة تراثية. تحاورت معه في المقهى حول روايته وكتبت عنها في ملف خاص. وكان يرغب في أن يشهد صداها المدوي قبل رحيله، ولكن للأسف عاجله الرحيل بعد صراعه مع المرض. يخيل إليّ أن «هاني» كان غير مكترث لمرضه إلى حد اليأس، وكان قد توصل إلى صيغة تصالحية معه، فراح يتحدث عن الموت المقبل كمن يتحدث عن السباحة، وكان مفعماً بالحياة، شاباً حتى اللحظة الأخيرة، وهو يصارع أشكالاً عديدة ومتناسخة من المرض، وكنت أعتقد وأنا أرى إشراقة وجهه الدائمة أنه يتمارض، واعتقد البعض أنه لا يعاني من شيء، في الوقت الذي كان المرض يفتك به، وربما أسهم الأطباء في خداعه، ففي الشهر الأخير من حياته، قال لي: إن الأطباء أكدوا له أنه بَرُؤَ تماماً من السرطان.

كانت بساطته من النوع العصي الملتبس، فبالمقدار الذي كان فيه واضحاً وشاعرياً بلا أي مراوغة، كانت أطيافه الخلاقة وثقافته وعمق معرفته تجعله نخبوياً بامتياز، لكن سرعان ما يروض هذه النخبوية بحميميته المعهودة، فارس متصعلك، اختار بوعي وإصرار ألا يكون نخبوياً ولا انعزالياً، كان منسجماً مع نفسه متطابقاً إلى حد العمق، ومن دون أي حرج من مواطن الضعف التي تسم الإنسان، ولم يكن له وجه ظاهر وآخر خفي، بل راسخٌ في حقيقة أنه روائي ومثقف يحتضن هواجس الناس الفقراء الذين خرج منهم، وكان فيه نزوع طفولي نحو التفوق دون عدوانية، وبالروح الطفولية ذاتها كان يطمح أن يعترف به العالم ويقر بتفوقه، وقد تحقق له جزء من هذا لم يكن يكتفي به. كان يسره كثيراً أن يستوقفه شخص ما ويحدثه عن رواية من رواياته، وتبدو سعادته واضحة حين يُكتب عن رواياته، كان ودوداً متواضعاً، خصوماته عابرة، كأن لم يكن له أعداء، لأنه رجل حوار وجدل، فحين يختلف مع شخص، ومهما بلغ حد الاختلاف، كان «هاني» في اللقاء الثاني يبادره بالتحية وكأن شيئاً لم يكن. حاد الذكاء، سريع البديهة، يقظ في تعامله مع اللغة وفي انتقاء المفردة، ويظهر ذلك في أعماله وفي ترجماته الرصينة والمهمَّة، ثم روحه التهكمية واطلاعه المدهش على التاريخ القديم والمعاصر. كائن ورقي، أو وراق محترف، في أي مكان تراه يخيل إليك أنه خارج للتو من بين الكتب إلى الفسحة أو اللعب ليعود بعدها إلى ركنه الخاص، بورخيسي بامتياز، يوتوبي متعب ويقاوم التعب، عقلاني متهكم وشاعري. أذكر حين أثيرت الضجة الكبرى في مصر حول رواية «حيدر حيدر»: «وليمة لأعشاب البحر»  أنه كان يأمل أن تُثار ضجة مماثلة حول روايته «رسمت خطاً في الرمال». كان «هاني»، كما بدا لي، شديد الحماس لـ«حيدر»، وله رأي إيجابي في هذه الرواية الفريدة لأنها نمط روائي يمكن أن يطلق عليها صفة رواية «وجهة النظر» المعبر عنها بصوت الروائي كعنصر سائد. قال لي مرة، وأظنه على حق: إن الرواية العربية، عموماً وفي أحسن حالاتها، كانت رواية بلزاكية، حتى ظهرت أنا واخترقت هذا العرف، ولذلك جاز أن يقال عنه بأنه الروائي المنشق، أو الصوت المضاد، الصوت الأقوى للرواية العربية الجديدة، الرواية المضادة إذا جاز القول.

إذا كان «هاني الراهب» ذاك المنشق المنفي خارج أسوار الذات، وخارج الحدود الجغرافية، وهو صاحب رواية «بلد واحد هو العالم»، وإذا كانت ذاته تذوب في الآخرين، وذهنيته تعيد صوغ أشكال تعويضية عن الواقع المتردي، فقد كان ذلك الرجل المتعدد والمتجدد القومي، الماركسي، الليبرالي، الراديكالي المختلف، وفي كل هذه الأوجه لم يكن تقليدياً قط. إنه ذلك المثقف المبدع الذي لا يغفل الجزئيات وهو يتطلع إلى الكليات والعكس صحيح، فقد كان ملماً برياضة البيسبول وكرة القدم. كان «هاني» ناضجاً وقد عاش مختبر الفقر والمعاناة، ومنحه هذا المختبر بعداً وجدانياً يتجلى في كثير من الصور والتعبيرات.