المقالات

الصفحة السابقة »

أصوات من المجهول

تضحك (وئام) وهي تتحدث عبر الهاتف مع شقيقتها التي تخبرها أنها لم تستطع الحصول على تأشيرة السفر لتنضم اليها، وتلومها لأنها تزوجت في بلد آخر: أضحكتني يا أختي الحبيبة وأنت تحاسبينني على زيجة الغربة بعد عشرين سنة.. حاولي أرجوك من جديد أن تحصلي على تأشيرة سفر فأنا بحاجة اليك.. أحلم بلحظة أضمك فيها بعد طول اشتياق. مرض وئام لم يكن خطيراً لكنه كان صعباً بما يكفي لأن يجعلها طريحة الفراش. والأصعب من مرضها كان افتقادها لأي فرد من أسرتها حولها.. ولكن ما العمل وأختها احتارت في أمر الحصول على تأشيرة للدخول الى هذا البلد ولم تفلح؟.. لابد إذن من الاستسلام لمصير مجهول في بلد مازال يعتبر أغصان شجرة أسرتها على أنهم غرباء عنها.

 المرض يشتد عليّ يا نادر.. وأخشى أن أموت قبل أن..  هكذا كانت تقول وئام دون أن تكمل عبارتها بعد أن ساءت حالتها. ونادر يقول:

هوني عليك يا أمي.. تناولي قرص الدواء هذا وستكونين بخير.. وتسأل وئام:

هل اتصلت خالتك اليوم؟ فيرد نادر:

ليس بعد يا أمي.

 إذن اتصل أنت بها وقل لها ألا تنسى جلب الأوراق معها عندما تسافر الينا. ويقول نادر متسائلاً:

ومن أين لخالتي أن تأتي الينا في هذه الظروف الصعبة بين البلدين؟ فتضيف وئام بلهجة الواثق: بل إنها في طريقها الينا.. هذا ما ينبئني به قلبي. يخرج نادر من غرفة أمه بعد أن غفت، يفتح التلفاز، ويتنقل بين الفضائيات دون أن يركز في أي منها، وفجأة يلتقط خبراً يبثه مذيع وهو يعلن أن العداء الذي كان قائماً بين البلد الذي هم فيه والبلد الآخر حيث أسرة أمه قد زال، والحدود فتحت بالكامل، ويستطيع المواطنون من كلا البلدين أن يتحركوا بينهما بحرية بدءاً من يوم الغد. يقفز نادر ويصفق فرحاً، ثم يركض باتجاه غرفة الأم، وإذ يدخل ملهوفاً ليزف لها الخبر بعد أن صدق حدسها مايلبث أن يقف مذهولاً عندما يفاجأ بأن أمه قد فارقت الحياة، وليتحول الفرح الى بكاء مر اهتزت له أركان المنزل. الخبر المفرح في تصالح البلدين تسرب الى الخالة سلام قبل أن يصلها خبر وفاة اختها، وهي تسرع في السفر اليها وبصحبتها تلك الأوراق الزرقاء التي تخص وئام. أما التشييع فلم يكن وارداً تأجيله حتى وصولها. لكن سلام تصل أخيراً الى بيت وئام في زمن ضائع بين فرح اللقاء وحزن الفراق.. وسلام على طرف سرير اختها تبكي عليها وتناجيها: «رحلت إذن يا وئام.. كيف استطعت الرحيل قبل مجيئي.. يا لحزني وحسرتي على ما جرى.. ها أنا أطوف في بيتك باحثة عنك في كل زاوية منه.. لعلي أشتم شيئاً من عبيرك فيه.» تدور سلام في أرجاء البيت.. تتلمس كل ما تقع عينها عليه ودموعها لا تتوقف. وفجأة تجمد في مكانها وهي تسمع صوت وئام يناديها بهمس: «سلام.. تاخرت كثيراً ».. تصرخ وهي تدور حول نفسها:

وئام.. وئام.. أسمع صوتك.. هل هو صوتك فعلاً يأتيني من عالم الغيب!! أم أنك مازلت هنا؟؟ تركض سلام في البيت وهي تفتح أبواب كل الغرف، وتنادي:  وئام.. وئام.. ودون تفكير منها تندفع نحو سرير أختها لترمي بنفسها فوقه بعنف في نوبة من البكاء لم يقطعها إلا سقوط كتاب كان الى جانب السرير فتلتقطه، ومن ثم تشهق وهي تقرأ بعيون ملؤها الدموع عنوان: )أسرار الموت(، وتردد لنفسها بصوت راجف: «أليس ما سمعته سراً من أسرار الموت أيضاً؟!! » وفي شرفة المنزل الواسعة.. والشمس تغيب في الأفق.. وقفت سلام وهي تطلق في الهواء الأوراق الزرقاء، وتتمتم:

 لترقد روحك الآن بسلام.. يا وئام.. وقد تصالحت مع الموت. ترى هل سيكشف العلم في يوم من الأيام عن مثل هذه الظواهر أم أنها ستظل من الخفايا والأسرار؟!

تاريخ الإصدار: ٢٠١٤

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 2/5 (40%) (23 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 90 )