كلمة العدد

بقلم: رئيس التحرير

تطور فهم الحياة كثيراً ، وأصبح علم الأحياء يدخل في طبيعة هذه الحياة ويفسر تطورها في مختلف الأصناف والرتب للكائنات الحية ، النباتية والحيوانية .. ثم دخلت الأبحاث إلى خلية الإنسان وبدأت تدرسها وتستكشف مجاهلها الغامضة .. وأصبحت الهندسة الوراثية الآن أحد أهم العلوم المبشرة بحل مشاكل الإنسان الصحية .. خلية حيّة بدائية ، خلية حيّة تتطور وتنقسم وتتوالد خليّة حيّة تتضافر مع غيرها .. نباتية .. ثم حيوانية ثم خلية حيّة في مورثاتها يكمن السر . ماذا عن تطور علم الحياة .؟ والجراثيم والفيروسات الممرضة .؟ ماذا عن المناعة ومستقبلها.؟ ماذا عن آفاق علم الحياة.؟

لا شك أن العمر ليس سوى لحظة تأخذ مكان أخرى ، إنه التقدم المستمر للماضي الذي ينهش المستقبل ، ويتورم كلما تقدم ، وتكدس الماضي مستمر منذ الأزل ..

الماضي هو تاريخ ، وطول هذا التاريخ بالنسبة لنا يعبر عن حياتنا الداخلية أكثر مما يعبر عن عدد السنوات التي عشناها ، كأن الأيام تطير بسرعة كبيرة .. كل لحظة تنتهي فيها خلايا ، وتنشأ خلايا أخرى في الجسم ، والدماغ يفقد خلاياه دون رجعة

أو دون تبديل ، فخلايا الدماغ النبيلة ثابتة ، ما يموت منها لا يستبدل بخلايا جديدة ..

وهذا الموت في الخلايا الدماغية يجعلنا نفقد الكثير من قوة أحاسيسنا مع الشيخوخة .. فيضعف البصر والسمع والذوق والحس والشم ، ويكثر النسيان نتيجة موت خلايا الذاكرة .. والعمر ينقضي ، وهو عدو عجرفة وتكبر الإنسان وغروره . فمهما حاول مكافحة الشيخوخة بشد الجلد والأصباغ ، فإنه سيشيخ وسيصل إلى مرحلة تنتهي فيها حياته ، ويدفن ويتفسخ جسمه ويصبح جسده جزءاً من تراب الأرض .. رغم أن عالم ما بعد الموت ما زال غامضاً مبهماً، فبالتأكيد إن لهذا العالم طقوسه وغرابته بالنسبة لعالمنا ، وقد تظل خيوطه ممتدة بيننا بالذكريات والعاطفة الجياشة عند رحيل شخص أثير علينا .. وأحياناً يتداخل العالمين في الأحلام ، فيطل الإنسان على ) برزخ ( ذلك العالم المجهول إطلالة تخيفه وهو يقابل موتى يتحركون معه في أحلامه ، في أحداث غريبة غير متوقعة ..

ولم يستطع الإنسان تفسير سر بعض تلك التداخلات بين العالمين ، رغم إقراره بوجودها وصدقها .. قد يطل طيفٌ معذبٌ ، على أحلامك ، ينقل لك رسالة غريبة ، من عالم غامض لتوصلها وتنفذ ما فيها ، وحين تستيقظ تجد أن فحوى تلك الرسالة حقيقي تماماً .. فتشعر برغبة في تنفيذها ، لراحة ذلك الطيف المعذّب القلق وهو على معبر الدخول إلى عالم لا نعرف عنه شيئاً حتى الآن .. في كتابه ) محاضرات في الأيزوتيريك  علم الوعي ( يؤكد جوزيف مجدلاتي أن الموهبة طاقة فطرية قادرة على إتقان فن أو مهارة أو إبداع معيّن دون دراسة أصوله والتمرّس فيه وغالباً ما تظهر تباشير النبوغ في ذلك الفن منذ الطفولة ، أي أن الموهبة طاقة إبداعية يتميز بها شخص دون آخر .. والعوامل التي تتضافر لتجعل من الشخص موهوباً فيوجزها العلم في أربعة بنود هي : عامل الوراثة  عامل البيئة التي ينشأ فيها الإنسان تأثير العوامل الخارجية عليه  مقدرة دماغه على احتواء الموهبة وكثيراً ما حيّر العلماء والمفكرين موضوع الوراثة ، ولكنهم وجدوا أخيراً إجابة حاولوا إقناع أنفسهم بها ، وهي أن الطاقة أو الموهبة موروثة من الأهل .. ثم طوروا هذه الإجابة إلى تحليل الجينات الوراثية فأنشؤوا المعاهد والمختبرات المختصة بدراسة وتحليل أسباب الوراثة ونتائجها.. وبالطبع فإن عامل البيئة هو عامل مهم .. فابن الفنان قد يصبح فناناً بفضل بيئته الفنية التي ينشأ فيها .. أما العوامل الخارجية فتساعد في صقل الموهبة أو الطاقة الإبداعية ، ومقدرة الدماغ على احتواء الموهبة ترتبط مباشرة بالعوامل الوراثية .. الإنسان إذن طاقات ومقدرات هائلة لكن معظمها غافل في لا وعيه ، إن هو سعى لتوعيتها وتوجيهها نحو العلم فسيصبح عالماً وإن وجهها نحو الفن التشكيلي مثلاً فسيصبح فناناً ..

وهكذا .. الموهبة إذن مقدرة ، يمتلكها الجميع ، وهي غافلة عند البعض مستيقظة عند البعض الآخر حسب نشاط الإنسان وسعيه لإيقاظها .. ويؤكد العلم أن الموهبة محفوظة في الجينات الوراثية ) دي  إن  آ ( وهي تنتقل عبر الدم من جيل إلى جيل حتى سبعة أجيال متتالية .. إنها مهمة كبيرة إذن .. إيقاظ الموهبة وتفجيرها في الوعي الكامن .. لا شك أن الدوافع الكامنة وراء إجراء بحوث الاستنساخ يمكن تصنيفها في اتجاهين .. الاتجاه الأول هو علمي أكاديمي بحثي هدفه الوصول إلى ميدان جديد يفتح آفاقاً في مستقبل الجنس البشري وإرهاصاته ، وإبداعاته البيولوجية .. والاتجاه الثاني هو اتجاه تطبيقي .. ربما أخفى أسبابه الاقتصادية في تحسين أنسال الحيوانات المدجنة ، وربما تحسين أسباب حياة الإنسان باستخراج مسببات الأمراض الوراثية ، وتشجيع النسل الجيد على الاستمرار دون مرض وعناء .. وربما أضيف إلى هذا الاتجاه ، التفكير بنسخ توائم لشخصيات متميزة بعلومها ومعارفها وعبقرياتها ، أو بقواها العضلية ، وذكائها الإجرامي المنظم لخدمة أهداف التجسس والسيطرة على مقدرات دول ما زالت تنمو وتتطور .. وبالطبع فهذا الاتجاه المضاف إلى الاتجاه التطبيقي هو اتجاه مخيف قد يؤثر سلباً على إنسان المستقبل، فيجعله أداة في أيدي من يعملون في المخابر الحيوية ، ورهن بحوثهم وابتكاراتهم .. ورغم أننا نشك تماماً بكل ما نشر حول النجاح في عمليات استنساخ الحيوانات ، فإن شكّنا يزداد في إمكانية تطبيق ذلك على البشر لأن العقل لا يقلّد ، والدماغ البشري بكل آفاقه المعرفية، لا يمكن استنساخه .. إنه كلام لأحد أهم علماء البيولوجيا الذين يلاحقون بحوث الاستنساخ والهندسة الوراثية ، وهو البروفيسور ) دان بروان( الذي شكك بإمكانية تطبيق بحوث استنساخ «دوللي » على الإنسان ذاته..