المقالات

الصفحة السابقة »

وجوهه تصرخ بصمت... الفنّان التشكيليّ طلال معلّا: المهمّ في النصّ البصريّ حالة العشق والدّهشة وليس التفاصيل

بقلم: علي الراعي

و..أنت تتأمَّل لوحات طلال معلّا التي كرَّسها لأكثر من عشرة معارض، ولا يزال لديه متَّسع من الإبداع لإعادة المشهد كلّ مرَّة بتنويعات جديدة، لتقديم الصورة الإنسانيَّة من وجهة نظر تشكيليَّة أقرب إلى «احتجاجيَّة» التعبيريين التي سادت، ولا تزال سائدة منذ بداية القرن الماضي. وأنت تتأمَّل تلك الوجوه- اللوحات- لابدَّ سيتبادر إلى ذهنك العديد من الفنَّانين التشكيليين الذين أوقفوا شغلهم الفنّيّ على تناول الوجوه، أو ما سمَّاها طلال معلّا «الصورة الإنسانيَّة». لكنَّ معلّا، وإن اشترك معهم في التناول الشكليّ، أو الموضوع، وفي جهودهم للتعبير عن الصورة النفسيَّة (الداخليَّة)، غير أنَّه سيختلف عنهم بهاتين العينين الفارغتين الأقرب إلى القناع، والتي يموضعهما في أعلى الرأس كالقرنين، وهذا الأنف الثخين النازل بينهما باتجاه شفتين ممتلئتين. وإنَّك لتحتار، هل يرسم معلّا وجوهاً أو أقنعة؟ غير أنّ ما يبدِّد هذه الحيرة تلك الشفاه المكتنزة التي تُفتح بإغواء الكلام، لكنَّه الإغواء الذي لا ينزُّ سوى بالصَّمت، تماماً كالعيون المُطفأة والفارغة التي لا ترى شيئاً..

أمضى طلال معلّا حياته "تشكيليّاً"، فقد وزَّعها بين الاشتغال بلوحة يصرُّ من خلالها على مفارقة مشهدٍ تشكيليّ بالكثير من العلامات الفارقة، و.. لأنَّه فنَّان يُصرِّح فقد كان واعياً للحالة التشكيليّة التي هو في تماس دائم معها، فكان ذلك الناقد الذي أغنى المكتبة العربيَّة

                                                          

بأكثر من خمسة عشر كتاباً في مختلف مجالات المظاهر التشكيليَّة التي تلمُّ بالمشهد التشكيليّ، ليس السوريّ وحسب بل وبالمشهد التشكيليّ العربيّ. إضافة لشغله الدائم بالمتاحف والمعارض الفنيّة، وبالكثير من الحقول التي ينبت فيها التشكيل بأجمل عمارته.

مع الفنَّان التشكيليّ طلال معلّا في تفاصيل هذا الحوار، وهذه القراءة :

* ثمَّة مَن تحدَّث عن تأصيلك لتجربة فنيَّة لم تُغيّر من إيقاعها منذ البداية، وهي اعتمادك على الوجه الإنسانيّ كعنصر رئيسيّ في تصويرك، و..السؤال، أو الأسئلة إن صحّ التعبير:

- لماذا بقيتَ مُخلصاً لهذا الإيقاع طول الوقت؟
- ألم يُستنفذ العزف على إيقاع كهذا، وكان عليك الانتقال لإيقاعٍ آخر؟
- ألم يشي الأمر تجربتك بركونها لعدم التنوّع؟
عن وجوه لا تخذلك  

** الإخلاص حالة معرفيَّة، وقد جاءت بعد المرور بمراحل طويلة قبلها، ومرحلة الإخلاص هذه أخذت حتَّى اليوم ما يُقارب من الخمسة عشر عاماً، أقمتُ خلالها أكثر من عشرة معارض، داخل سورية وخارجها، كانت تحت عنوان " الصمت".. الأمر الأساسيّ في اختيار موضوع "الوجه" أنَّه لا يخذلك حين تتأمّله، هو من الفصاحة والبلاغة بمكان رغم صمته، و..أحياناً سكونه. الوجه المُفعم بالتفاصيل، هناك العين المُغرمة بالكلام، الوجه – البوَّابة الذي تأخذ منه التعابير الداخليَّة لجسد ونفس تكتنزها. الوجه الذي يأتي كعنوان عريض لكامل الجسد، فهو أوّل مَن يقدّم الصدمة والقبول، وهو الحامل للذاكرة الحميميّة للشخص، مهما كان موقفك من هذا الشخص. من هنا أيضاً ثمَّة وجه يحمل تاريخاً، وأنت تنحت كلَّ ذلك، أو تصوّره لحالة إنسانيَّة تعمل لأجلها.

*بماذا اختلف "وجه" لوحة طلال معلّا عن كثيرين كان الوجه هاجسهم لإنتاج لوحة تشكيليَّة؟

** وجه لوحتي ليس لشخصٍ ما بذاته، ثمَّة الكثير من الفنَّانين رسموا شخصيَّات محدَّدة بعينها، "وجه" لوحتي أمر مختلف، ليس شخصاً محدَّداً، ثمَّة مفهوم عام، والذي يقرأ عدم التنوّع هو الذي لا يرى التعبيرات الكثيرة لهذا الوجه، ليس من وجهٍ يُشبه الآخر. لنأخذ مثال الوجه الأنثوي في لوحتي، وكذلك وجه العروس التي نوّعت عليها عشرات اللوحات، فقد أخذت عشرات الإسقاطات المختلفة. وجه العروس كان اختياراً مفصليّاً بين حالة وأخرى. وثمَّة وجوه غاضبة، وجوه قاسية، وجوه مأساويَّة، وهناك وجوه متدرِّبة لتقدِّم الكثير من التعبيرات..

إذاً، الوجه حالة تعبيريَّة متعدِّدة، لها عيونها التي ترى من خلالها، هي حصيلة "همومنا" التي تنعكس فيها، ومن خلالها. وفي العمل الفنّيِّ هي حالة من اقتران الفنَّان مع المجتمع الذي يظهر من خلال الوجه الذي أنتجه وقدَّمه، و.. يظهر من خلال السطوح. علاقتي مع الوجه علاقة دافئة جدّاً، بالرغم من كلِّ الزوايا المصمتة بهذا العجز.

من عمق التاريخ
* أسألك: لماذا كان الوجه الإنسانيُّ دون غيره من أعضاء الإنسان، حتَّى عندما تستكمل صورة الجسد يكون دائماً دون أطراف؟

**إذا أخذنا الحضارة السوريَّة، على تنوّعها، نجدها قد تركت لنا إرثاً ضخماً من نتاج الوجوه، سواء جاء ذلك من قِبَل شعراء أم من قِبَل فنَّانين تشكيليين قدَّموا حالات بصريَّة جماليَّة، والميثولوجيا السوريَّة قدَّمت هي الأخرى درامات كثيرة من خلال حشد موضوعات الوجوه، تلك الوجوه التي عكست بدورها قصصاً وحكايات طويلة. أقول: كثيراً ما كان الوجه رمزاً لمكابدات الإنسان الذي يتجسَّد بذلك الضياع في ضبابيَّة الوجوه، وأحياناً يعكس حالة من حالات الفنَّان، و.. "البورتريه": جمال مفتوح للفنِّ التشكيليّ، وهنا تعدَّدت المدارس. أحاول هنا في شغلي الفنّيّ أن أضيف شيئاً ما، فهناك الكثير من الفنَّانين السوريين قد رسموا وأعطوا فيه الكثير. المعتمَد الحقيقيّ في مختلف هذه التجارب هو: ما الذي يُميّز كلّ تجربة ومناهلها؟ أيّتها فصيحة، أيّتها بليغة، وأيّتها تتلعثم؟ هذا ما تثبته كلُّ تجربة وتطوّرها وقبولها. ذلك أنَّ ثمَّة مرجعيَّات هي بالتأكيد الذاكرة التي يكوّنها الفنَّان، وذاكرة المجتمع الذي يقدّم له الفنَّان التشكيليّ عمله الفنّيّ، بحيث نصل لذاكرة مشتركة لمساحة اللوحة أو العمل الفنّيّ.

* الوجه ليس مفردة أو عضواً واحداً في جسد الإنسان، بل هو  "ملف مفردات": الشفتان، الأنف، الخدَّان، العينان، الذقن؛ وهنا لكلِّ مفردة أو جزء حمولات من الانزياحات الفنّيَّة والرمزيَّة.

 كيف تعاملَ طلال معلّا مع هذه الحمولات الضخمة؟

** عموماً، عدم اللجوء إلى التفاصيل في العمل الفنّيّ قضيَّة ذاتيَّة لديَّ، و..عندما تقول: هناك في لوحتي وجه مربَّع سومريٌّ، أو وجه أيقونيّ بهالة بيزنطيَّة، يعني أنَّني أقدِّم رؤية إنسانيَّة من خلال قراءة الوجه المستمدَّة من حضارة الوجه.. غير أنَّ الأهمَّ في هذا التوجُّه هو الحالة الشعريَّة والإبداعيَّة التي يقوم عليها البناء الفنّيّ، ذلك أنَّ الوجه نصٌّ بصريٌّ أوّلاً، ولا شيء آخر، وهنا لديك تفاصيل في هذه المساحة الفنّيَّة. أرى أنَّ العمل الفنّيَّ لا يعتمد على التفاصيل الصغيرة في الوجه، فهناك اللون والتقنيَّة وحركة الجسد، والحالة التعبيريَّة، الحالة التي يمكننا من خلالها تقديم النصِّ البصَريِّ، وهناك مَن يختار الاكتفاء بدراسة كلِّ حالة بمفردها. المقصود: كيف يمكن للعمل الفنّيّ أن يؤمِّن الدهشة للآخرين والمتعة لذاتي، ذلك أنَّ التصوير حالة شخصيَّة في بداية الأمر، وبعد ذلك يتحوّل إلى حالة عامَّة.. المهمّ في النصِّ البصَريّ حالة العشق أو الدهشة، وليس التفاصيل. الحالة العامَّة هي التي تكون في بنية النصِّ ونحن نرسم علاقته مع الآخرين.

* هنا أسألك: كيف يكون الوجه حالة إبداعيَّة؟

** الوجه قد يكون مديحاً، أو قد يكون رثاءً أو إفرادة لحالة شعريَّة معيَّنة تسكنني شخصيّاً، أو قد يأتي تعبيراً عن شيطانات لأفكار تعيش طقوسها في داخلي. الأهمُّ، ما يمكن أن أكرِّسه للانتقال إلى وجه واحد قد يكون شهيداً، أو محكوماً عليه بالإعدام، أو نساء معاصرات، أو وجهاً يُحمَل من عمق الحضارات التي أتفاعل معها. أتذكَّر دائماً، وعنوان تذكُّري هو الوجه الإنسانيّ الذي يجمع الرُّؤى لندخل الوجه، وندخل العمل الفنّيّ للمجتمع بشكلٍ عام، والمجتمع الفنّيّ بشكلٍ خاصّ. وكيف يمكن لأصابعي أن تنحت هذا الوجه على الصفحة البيضاء، حيث لكلِّ لحظة تعبيراتها.. من جهتي زاهدٌ أنا بالملامح، ذلك أنَّ الحكاية هي ما يهمُّني، وكيف تبدو بأحاسيس معينة، وكيف يمكن قراءتها؟ الكثير من التماثيل يقدِّم الوجه اليوم، أمَّا أنا فأدخل إلى الموضوع وإلى الموسيقا والمعرفة التي تقدِّمها هذه الوجوه. هنا حيث كلُّ وجه يلغي الوجه الذي قبله، وهي محاولة لنسيان الوجوه التي رسمتها.

 * ما الذي يُخرج طلال معلّا من أسر هذا المجال، ولماذا لا تكتفي بنصّ معيَّن وتُنهي تجربة ما؟
أسأل: هل هناك خاتمة لهذه الوجوه المتكرِّرة؟؟
وجه كواجهة للنسيان

** لا أعتقد أنَّ هناك مَن يستطيع أن يحدِّد إنْ كنتُ أستطيع أن أقف أو لا أقف طالما ثمَّة وجه، وهو واجهة للنسيان، وجوه فضّاحة بالإحباطات التي أعيشها بشكلٍ عام.. وطالما هذا "الصمت" موجود فسأبقى أقدِّم هذا الوجه الذي يحمل رسالة واضحة إلى الآخرين، ففي كلِّ مرَّة يتقدَّم عنصر ما في الوجه على بقيَّة مفردات هذا الوجه.. مرَّة يتقدَّم الدراميّ، ومرَّة أخرى اللونيّ، وذلك لتقديم الفكرة. أو على هذا "العنصر" أن يقدِّم الفكرة أكثر من العناصر الأخرى التي تتكامل معه.

*ألا يمكن لهذا الوجه أن يغشَّنا، ومن ثمَّ بدل أن نقرأ في صفحاته نقرأ في القناع؟ وهنا أيضاً أستوضحك عن المسافة بين الوجوه التي تقدّمها والأقنعة؟

**في أحيان كثيرة أرسم أقنعة، ذلك أنَّه يمكن أن يكون الوجه قناعاً أيضاً، ومن الصعوبة بمكان أن نصل إلى حقيقته، وهذه إحدى إشكاليَّات امتلاك مفاتيح الوجوه. فالوجه قشرة بين عالمين، نراه خارجيّاً يحضر عالماً واسعاً ممتلئاً متمدِّد الملامح، هذا هو القناع. و.. يبدو الأمر تماماً كما الأبواب، فهي مزخرفة من الخارج، غير أنَّها من الداخل تبدو متقشّفة، و.. بلا طلاء أحياناً. و.. الوجه كالباب، فنحن نُحسِّن ملامحنا الخارجيَّة لكلِّ هذه العتمة في دواخلنا. شغلي يكون على الذاكرة الشخصيَّة لهذا الوجه، أنقّب في التاريخ العميق لهذا الشكل الذي أقدِّمه على هذه الوجوه – السطوح.

عندما صنع الأفارقة الأقنعة كانوا يقصدون استمرار الزمن في الحاضر، ذلك أنَّ الوجه هنا يأخذ هذا الجانب، و.. قناع الجدّ الأفريقيّ الذي ينتقل مع أفراد العائلة ويستمرّ معها، ليس المقصود به وجه الجدِّ حقيقة، بل هي روح الجدِّ، أي الوجه الممتدّ عبر الزمن. كثيرة هي المقولات الفكريَّة عن الوجه والقناع، لكن أيّها كان الأكثر تعبيراً موضوعيّاً وجماليّاً؟ هنا المسألة.

من جهتي اختصر ملامح الوجه والأقنعة والتيمات الأساسيَّة على عمل فنّيّ.. اللوحة ليست وجهاً، بل هي تجربة لونيَّة بنائيَّة يمكن الغوص في تفاصيلها للوصول إلى الحالة التي أريدها، وإذا كان التاريخ حاضراً، أي إنَّه يمتدُّ في عمق الزمن، وهذه الانتقالة لدغدغة الحواس وللتعامل مع الامتداد الزمنيّ، والتكثيف نحو في العمل الفنّيّ، ونجعل الشخص على صلة بالشخصيَّة عينها، إضافة لإضاءة كهفه الداخليّ، يكون الوجه بوَّابة لدخولها من جديد للتعبير عن حالات الإنسان الداخليَّة.

بين المبدع ونصِّه

* ثمَّة تعالق بين المبدع ونصِّه، أيّاً كان هذا النصّ، وتزداد مساحة هذا التعالق والتقاطع حسب اتجاه تجربة كلِّ مبدع صوب داخله. لو سألتك عن "وجه – وجوه" طلال معلّا في تنويعات الوجوه – اللوحات، كم كنتَ حاضراً فيها ومن خلالها؟؟

** أنا في كلِّ هذه الوجوه التي رسمتها، طالما هي ناتجة عنّي، أنا حاضرٌ في كلِّ هذه الأعمال، وأنتمي إليها، وأعكس من خلالها قراءة الكثير من الأفكار لأصل بها إلى الآخرين. اللوحة جسر بين المبدع والمتلقّي، حتّى حين تختفي عن عينيه وتصير ملكاً للمجتمعات تبقى روحه معلَّقة بها. الانتماء للوحة هو انتماء للمكوّنات المعرفيَّة التي يتكوّن منها الفنَّان بشكلٍ عام. فالانتماء ليس للأشخاص الذين نرسمهم، بل الأمر يبدو فرصة حقيقيَّة ليكون هناك تواصل بين الفنَّان والآخرين، وهذا أمر يؤكّد الموقف الفكريَّ والذهنيَّ للفنَّان مع العالم بشكلٍ عام، حتّى إنَّني ألوّن هذا العالم الضبابيّ دون كلام. الفنَّان يبقى خارجاً من هذا العالم، أو يحدد حالة معيَّنة يعبِّر عنها واضحة أو غير واضحة. كلُّ الوجوه التي أرسمها هي للبشر، أرسم بؤسهم وعذاباتهم، حتّى في الجوانب المتفائلة ينعكس الحزن العميق الذي يتولَّد فيه ومنه الإبداع.

 
وجوه الخسارة والخذلان

* هنا أسألك: في هذه الوجوه يحاول المرء عبثاً تلمُّس حالة سرور، حتَّى وإن جاءت فهي أقرب إلى التهكّم، الأمر الذي يمكن قراءته على أنّها وجوه الخسارة والخذلان، و.. حتّى العجز؟

** لنقرأ تاريخ الإنسان العربيّ الحديث، هل يوجد فيه غير المرارة والخذلان والخسارة؟ في اللوحة هنا نُسقط بعضاً من ذلك التاريخ. ببساطة، هل هناك ملامح لفرح، أو ملامح لاكتشاف إيجابيّ غير الحلم الذي يحبو لنبني عليه. إذاً، التعبير الموصوف في العمل الفنّيّ هو شكل الذاكرة المَعيشة التي يكتنفها الإنسان السوريّ. هناك وجه مُتصوَّر، وهناك صورة، وهناك فرق، ولوحتي تنتمي للشكل المُتصوَّر، ولست مُنتمياً للصورة. فالمُتصوَّر هو الذاكرة، وهناك علاقة بين هذا المُتصوَّر ومهارات الإنسان. ما يعكس هذا المُتصوَّر عادة هي اللوحة أو غير ذلك، ويدخل فيها الشِّعر والرَّسم والبناء، وكلُّ هذه الأمور، وهو ما أريد الوصول إليه. وهذا- طبعاً- يرتبط بالخبرة، وبالجانب الحرفيّ والمهارات للتعامل مع الأفكار وطريقة تنفيذها. كيف تخلق صوراً للتصوّر؟ هنا ثمَّة إشكال في العلاقة مع الميديا في القراءة ورسم الصور وتلوينها، فقد تكون الصورة لديك مختلفة عمَّا لديَّ، عندك تعبيرك وعندي صياغتي، لكنَّنا مُتَّفقين على المبدأ، وذلك منذ تكوُّن الصورة بالأبيض والأسود، وحتَّى تلوينها وخلق المشاعر بتفاصيلها وإسقاطها عليها. و.. مع الصورة المُخزَّنة والملوَّنة جسَّدت التصوّر بوجه تحدّيات النسيان، ثمَّة ميديا تريد أن تصادر إمكانيَّاتك وأنت تصوّر العالم. !

و.. أنا أرى أنَّ العمل الفنّيّ سيعود إلى الواجهة من جديد، لأنَّه يواجه مثل هذا التحدّي، وذلك بالتذوّق وبفهم العمل الفنّيّ وبناء حالة شعريَّة من الصورة المُتخيَّلة، أو الحالة الشعريَّة التي يقدِّمها المُتصوّر الإنسانيّ كمعادل لذاكرة الإنسان.

* الوجه لديك هو مُطلق وجه إنساني، لا تحديد. ألا يزيد الأمر في مساحة المواربة والمخاتلة؟

** هنا لابدَّ أن نوضّح الفرق بين أن أرسم وجهاً، أو أن أرسم رأساً، و.. الفرق بين الحالتين كبير، فالرأس سيكون محدَّداً، غير أنّ فكرة الوجه مازالت تتملّكني وتمكّنني من التعبير عن أشياء كثيرة تحدث. فكرة تغنّى بها الكثيرون، والجميع كان يرى البرودة والقشعريرة التي تتملّك البعض من نظرةٍ لوجه ما. هذه الحالة لامرئيَّة للوجه الإنساني، لذلك بقي التفكير الحسّيّ يعلو الصوت الشعريّ في التعامل مع الوجه.

هنا لكلِّ مجال من المجالات أدواته للوصول إلى المُتلقّي بشكلٍ عام، لكن هناك حالة في الوجه، إذ إنَّها تفكّك داخلك، وهي حالة هدم وبناء بنفس الوقت، لأجل هذه الحالة العاطفيَّة، لأنَّك تملك من خلالها العالم الذي تحاول أن تبنيه. كلُّ مَن ينظر إلى الوجه الذي أرسمه قد يتلقَّاه بطريقة معيَّنة، وهذا ليس أمراً غير حقيقيّ، إنَّما يعود ذلك لاختلاف البنية المعرفيَّة التي تحدِّد أمر هذه القراءة. غير أنّ هناك قراءة جماعيَّة للمتلقّي، هي هذه الشِّعريَّة غير الواضحة التي يقصدها الفنَّان في تمثيلاته للوجه الإنسانيّ. النكهة هي الحالة التعبيريَّة الواضحة التي تعتمد على تجربة لونيَّة أو صباغيَّات الوجه التي لا تشبه صباغيَّات الوجه الحقيقيّ.

أشير هنا إلى أنّ الصورة الشخصيَّة (البورتريه) ليست الوجه، فثمَّة فرق كبير بين أن تحدِّد قائداً عسكريّاً، أو ملامح عسكريّ مُطلق. هناك ملامح تُشير إلى الاستبداد. في الفنِّ لا أرسم حالات خاصَّة، أو مشاهدات يوميَّة، بل اختصر ذلك بالمفهوم العام الذي يُقدَّم من خلاله الوجه كقيمة. إذاً، هي ليست مواربة، واللوحات التي تشير إلى وجوه محدَّدة لها مجالها. حالتي تُشير إلى وجه عابر للزمان والمكان، ولا يمكن أن نعوّل على وجه محدَّد، فذلك ما يوقع اللوحة في إطار محدوديَّته.

الكثيرون رسموا أمَّ كُلثوم، وكذلك جمال عبد الناصر، لكن الذي قُدِّم في النهاية كان يعتمد امتلاك القيمة. يمكن أن تجد ملامح سومريَّة وبيزنطيَّة أيقونيَّة، لكن ليس هناك رسم لقدّيس أو ملك، والأمر هو الاستمرار والامتداد في التاريخ. ليس من الفنِّ أن تحدِّد ملامح الشخصيَّة، بل التحايل على هذه الملامح، لتصل إلى روحها فقط، أو ما يُشير إليها، والتقرُّب من العام لنجعله خاصّاً، والبقاء في الأفق البصريّ. عندما رسم الفنَّان أمَّ كلثوم، فقد رسم الطرب وليس أمّ كلثوم، وعندما رسم ماو تسي تونغ، فقد أشار لثورة ثقافيَّة وليس بالضرورة ماو تسي تونغ.

هناك تنويعات في القناع أو في اللوحة، ثمَّة صورة عن الذات نفسها، لكنَّها الذات المشوَّهة، أو بتشوّهاتها وبتشوّهات الإنسان بشكلٍ عام، أو محاولة لقراءة مستقبله القادم، و..لا أعتقد أنَّ الإضاءة على وجه محدَّد يمكن أن يشير إلى إمكانيَّات الفنَّان، وهذا الأمر ينتمي إلى البورتريه، وليس إلى الفنِّ الذي تحدَّثنا عنه.

وجوه كثيرة

* الوجه لم يأتِ أحاديّاً طوال الوقت، بل كان مثنى وثلاث أحياناً. هل أنَّ وجهاً واحداً لا يكفي لقول الحالة التراجيديَّة والجماليَّة أحياناً؟

** لكلِّ وجه حالاته، لكن هناك دائماً علاقة بين هذه الوجوه. ثمَّة وجهان، امرأة بوجه أحمر، ورجل بوجه أزرق- على سبيل المثال-  بهذا اللعب نقرأ عالمين، وليس عالماً واحداً. هنا، الوجه ليس لحالة واحدة، ولا يمكن للإطار أن يُحدِّد الوجوه داخله. من هنا قد تكون  "عشرة وجوه" في اللوحة، وقد عرضت وجوهاً صغيرة في إطارات بلغت ما بين ستين و خمسين وجهاً،  و.. هذا يأتي عادةً لإعطاء حالات معيَّنة كثيفة وعنيفة وتقدِّم تصوّراً.

أنا أميل للموتيفات أكثر من ميلي للوجه المُكتمل في اللوحة، ذلك أنَّ الفرق كبير بين أن تتذكَّر أحداث الرواية، وبين أن تكون أنت كاتبها، إذ تُبنى الرواية على أحداث صغيرة وتفاصيل، و..هناك الموتيفات الصغيرة التي تتكرَّر بين يدَي الفنَّان مُجسَّدة، وتبقى بحالة بصريَّة ناشطة، هي تمارين ذهنيَّة بصريَّة لخلق أشكال وتنويعات، تحدّد طريقة تعامل الفنَّان معها. تجربة تتعدُّد الوجوه تعود إلى حالة يقدَّم من خلالها العمل الفنّيّ بحالة كثيفة، حتّى إنَّ الجسد يتداخل مع الوجه، هنا تكون علاقة الجسد بالوجه أساسيَّة.

* الشغل على الوجه كان هاجساً لأكثر من فنَّان سوريّ: مروان قصَّاب باشي، كاظم خليل، سبهان آدم، نعيم شلش، و..غيرهم.
كيف يقرأ طلال معلّا- كناقد- شُغل الوجوه عند هؤلاء؟ وإلى أيّ مدى تتقاطع تجربتك مع تلك التجارب، أو تتشابك معها، وأين تفارقها؟

** أعتقد أنَّ أبرز مَن ذكرتهم هو مروان قصَّاب باشي، الذي تعامل مع موضوع الوجوه لفترة طويلة، وهو يعمل في هذا الجانب بمنطق تعبيريّ بحت، وبمساحات واسعة، وقدَّم أفكاراً بوجه واحد أو بوجوه متعدّدة. و.. كلُّ واحد من الذين ذكرتهم له خصوصيَّته، ويختلف بتقديم هذا الوجه عن الآخر. فالتقنيَّة اللونيَّة لدى مروان تختلف عن "جنون كاظم خليل "، لاسيَّما في التعامل مع ملامح الوجه، فتكاد تطغى الغرابة على الوجه عند كاظم. أمَّا سبهان آدم فقد قدَّم تلك الوجوه الوحشيَّة، فهو يدخل إلى أعماق الإنسان الشرير أكثر من الخيّر.

و.. دون تحليل طويل، أعتقد أنَّ كلَّا من هؤلاء قد تناول طرفاً محدَّداً للوجه، فالحالة الاجتماعيَّة هنا لها دورها عند الفنَّان التشكيليّ الذي يخوض هذه "المغامرة". وهذا ما انعكس في سكونيَّة إنسان مروان قصَّاب باشي، الألوان الفرحة. و.. يمكن الحديث هنا عن تجربة سعد يكن الذي يملك أيضاً خصوصيَّته، و.. أيّ شيء سنتناوله بهذه التجارب هو القيمة اللونيَّة، والبناء، و.. هي جميعها سوريَّة بامتياز.

وهنا.. الصَّمت يدعو إلى الكلام، وتأكيد المعالم الشرسة يستدعي المعالم المُسالمة. وعندما نتحدَّث عن المأساة لا نقصدها بحدِّ ذاتها، وإنَّما ننشد العالم الأحسن والأفضل.

 
وجوه ملوَّنة

*هذه الوجوه التي أبدعتها، لوَّنتها بألوان، وصفها أحد النقاد بـ"العنيفة"، ماذا يعني بالعنف اللونيّ، وهل توافق على مثل هذا التوصيف والقراءة؟

** شخصيّاً، أنا ضدّ الأسلوبيَّة في الشغل التشكيليّ، رغم أنَّني أرسم باتجاه واحد، لكنَّ هذا الأمر ليس أسلوباً، فقد أقلب إلى حالة أخرى ببساطة، ولا أسعى لقراءة تُميّزني من خلالِ أسلوبٍ واحد. أنا أعمل من خلال الحالة على تصعيد نفسيّ لتحقيق ألوان محدَّدة، وتشويهات تضفي هي الأخرى ألواناً جديدة ومتنوّعة، ثمَّة شفافيَّات من حين لآخر، وهناك إدخال مواد طبيعيَّة إلى العمل. اللون يتحوّل بنفس التحوّلات المعرفيَّة التي يعيشها الفنَّان من خلال تعامله اللحظي مع العمل الفنّيّ، والوجه هو مَن يقدِّم لونه. أعتقد أنّ الحالة اللونيَّة هي الحالة التعبيريَّة التي تُكمل الفكرة، وهي جزء من الخطاب الفنّيّ الذي تُقدِّمه اللوحة شكلاً وسطحاً.

* تكتب القصيدة إلى جانب الشغل التشكيليّ، وكذلك تمارس النقد أيضاً. هل مساحة اللوحة لم تكن كافية لكلِّ ما تجيش به طاقتك الإبداعيَّة؟

** نشرت شعراً في سبعينيَّات القرن الماضي، ولديَّ ديوان يتيم هو "موت الماء"، طُبع في بيروت سنة ١٩٩٩. وبالنسبة لهذا الأمر، فأنا أرى أنَّ الكلمة متاحة دائماً، لأنَّها فعل يُشكّل جزءاً منّي، سواء كتابة نقديَّة أم أيّ مجالٍ آخر. هذه الكتابات هي جزء من التعبيرات العديدة لمخزوني الثقافيّ والمعرفيّ، فقد كتبت مسرحاً، كما قدَّمت برامج للتليفزيون، وأفلاماً قصيرة، وغير ذلك من مجالات التعبير الكتابيَّة المتعدِّدة، ونلت على بعضها الجوائز، لكنْ كانت اللوحة دائماً هي أساس عملي.

و.. كان الجانب النقديّ نوعاً من الوعي للحالة المعرفيَّة في فضاءات التشكيل، وتنوّع حراكه، وكانت أن ترسَّخت أكثر حين صرتُ أنظّم معارض عالميَّة، وبقيت الحالة النقديَّة تتمثّل في قراءة العالم التشكيليّ من حولي، وأقدِّم وجهة نظر نقديَّة، وهذا ما ركّزت عليه في العمل النقديّ كجزء من هذا العالم التشكيليّ من حولي وأصرّح به. والفرق بيني وبين أيّ فنَّان آخر أنَّه يقرأ لكنَّه قد لا يُصرِّح. الناقد الفنَّان هنا يُصرِّح، مثل حالتي، التي تأتي كنوع من وعي للمحامل والمعارف واتجاهات الفنون، والمذاهب الفنّيَّة، ومن يحكم العالم أو السوق الفنّيّ كويناً، وكذلك دور المنظّمات الداعمة للفنون.. كلُّ ذلك جزء من المهام التي عليّ أن أقوم بها من خلال تقديم كتاب، أو تقديم مقال نقديّ في جريدة. وفيما استمرَّ الجانب النقديُّ، توقَّفتُ عن النشر الشعريّ والقصصيّ، لأنَّني أريد أن ألفت نظر الآخرين إلى شغلي في اللوحة، فالنَّقد كان مُكمّلاً لمشروعي التشكيليّ. ذلك أنَّني لم أجد الحالة الشِّعريَّة في نفسي بنفس السويَّة بين مُبدعي القصيدة.

قصيدة ولوحة

* بالعودة لكتابة القصيدة، ثمَّة جدل استمرَّ، ولا يزال مستمرّاً، عن العلاقة بين القصيدة واللوحة. هل فعلاً يمكن بناء لوحة من روح القصيدة، ولماذا كانت اللوحة تتّكئ على القصيدة، وليس العكس؟

** أرى أنَّ الجمع بينهما هو الشعريَّة، الشِّعر حالة، والفنُّ التشكيليّ حالة أخرى، والفنُّ الإبداعيّ هو الذي يجمع بين القصيدة واللوحة، وذلك في إخراج الحالة الكامنة للحالة المقروءة. هذا ما يجمع القصيدة باللوحة، وإذا كان ثمَّة رابط آخر فهو الارتكاز المبنيُّ على تصعيدات ذاتيَّة لأناس كرَّسوا الحديث عن علاقة عضويَّة عندما يرسم المرء أو يكتب، ذلك أنَّ الاثنين يتوجَّهان إلى عذابات الإنسان، لكن بأدوات مختلفة، تهدف لتكامل الصورة. من هنا لا أرى أنَّ ثمَّة إبداعاً يتّكئ على الآخر، بمعنى أن يقوم بكامله على بناء الأخير. وهنا نذكّر بالصحافة، فعند ولادتها الأولى اتّكأت على الاثنين معاً- القصيدة واللوحة- الأمر الذي عمّق الحديث في هذا الاتجاه.

* بالعودة لشغلك النقديّ الذي يأخذ مساحةً أكثر من نصف عملك التشكيليّ، أسألك: عن المُحترَف السوريّ، هذا المُحترَف الذي يُوصَف بمتناقضين: تارةً هو المُحترَف ذاته الذي يُصدّر معظم التجارب الفنّيَّة، بمعنى لا تنوّع فيه، و.. حيناً هو غنيٌّ ومتنوّع. طلال معلّا في أيِّ صفٍّ يقف؟

** المُحترَف السوريّ متنوّع وحيّ، هذه حقيقة، ولديه مجموعة من الفنَّانين المُهمّين، لكن في الوقت نفسه فيه الكثير من الغثِّ، وفيه الكثير من الضحايا. والقراءة الصحيحة هي: كيف تقرأ هذه المُحترَفات؟ وما حجم المحليَّة والنتاج التعبيريّ فيها؟ وما علاقته بالبيئة وبالأكاديميَّة السوريَّة، وعلاقة كلّ ذلك بالمتاحف؟.. نعم هناك مُحترَف، لكن ليس هناك حركة فنّيَّة سوريَّة، وهناك تعدٍّ على المصطلح. ثمَّة تجارب مهمَّة، لكن هل تنتظم بشكل حركة؟ ثمَّ، ماذا عن الانفتاح بين الأجيال، والأفكار التي تقوم في هذا المُحترَف؟ ماذا عن البيانات الثوريَّة والانقلابات التي قدَّمتها الحركة التشكيليَّة..؟؟!

في السبعينيَّات من القرن الماضي قدَّمت الحركة التشكيليَّة في المغرب ما سُمِّي بالبُعد الرابع، ومن ثمَّ البُعد الثاني في العراق    - شاكر آل حسن- وحتّى في لبنان كان ثمَّة بيانات وتيَّارات. المُحترَف السوريّ قدَّم تجارب مهمَّة، لكنَّها بقيت حالات فرديَّة، لم تستطع أن تطوّره إلى حركة تشكيليَّة لها بنيتها ووجودها في المجتمعات.

* لماذا بقيت قاصرة عن أن تنتظم في حركة تشكيليَّة ؟

** لأنَّ ثمَّة علاقة غير صحيحة بين الفنَّانين والمنظّمات الثقافيَّة في سورية، بين الفنَّانين واتحادهم، بين الفنَّانين والأكاديميَّة. نسأل عن الفنَّانين في المحافظات بعيداً عن العاصمة، هل يستطيع الفنَّان أن يقدِّم نتاجه هناك بعيداً عن العاصمة؟ ثمّ، ماذا عن ابتعاث الفنَّانين إلى الخارج للدراسة والاطلاع؟ وما الذي يمنع المؤسَّسات في سورية من أن تقوم بدورها في رعاية الفنَّانين كما يجب؟ وما هي السياسة الثقافيَّة التي ترعاها هذه المؤسَّسات، هل هي على عتبة العصر؟ أم كأنَّها تأتي من الماضي؟ وكيف يمكن أن تقرأ تجاربها؟ وماذا عن الحديث عن الصَّالات الفنّيَّة، وحدود عملها..؟؟! أسئلة لا متناهية، الإجابة عنها تبيّن سبب بقاء المشهد التشكيليّ السوريّ عاجزاً عن تقديم حركة تشكيليَّة سوريَّة..!!

شرق وغرب

* رغم تنوّع الذاكرة الحضاريَّة، ورغم أنَّ عُمر المُحترَف السوريّ قد تجاوز القرن، غير أنَّ الآخر– الغربيّ تحديداً– يحصرها ضمن أطر الحروفيَّة والزخرفة وحسب؟

** ببساطة لأنَّ الغرب غرب، والشرق شرق. مقولة لطالما تكرَّرت وتتكرَّر، فدائماً لكلِّ بيئة إمكانيَّاتها ومطامعها. كلُّ مَن كتب عن الحروفيَّة اعتبرها حالة سلبيَّة. بتقديري، التشكيل مفتوح، نذكر هنا أنَّ الخطّ بنية تصميميَّة، وأساساً هو صورة يمكن التعامل مع قيمها العدديَّة والفلكيَّة كلّها، ومفاهيم المعنى الكثيرة لقيم هذا الخطّ والحرف. و.. قيمة العمل الفنّيِّ هنا، تأتي من قيم الحرف والجملة والكلمة، غير أنّ المشكلة تكمن في مَن يؤكّد على خصوصيَّتك. فهل هو المُثقّف البريطانيّ أو جمعيَّات دعم الفنِّ؟ مَن الذي يحدِّد ذلك؟

الحروفيَّة ظهرت بشكلٍ جليّ في المشهد التشكيليّ السوريّ منذ أربعينيَّات القرن الماضي. كانت هناك تجارب في هذا المجال، حاول أصحابها أن يجدوا لها دوراً ما في هذا الحراك التشكيليّ، لكنَّهم أخفقوا في أن يكوّنوا شخصيَّة مختلفة، ببساطة لأنَّ الحداثة كانت قد تجاوزتهم. ومع انتهاء القرن الماضي، عاد الغرب ليؤكّد أنَّ اللوحة الحروفيَّة هي التعبير عن الفنِّ الإسلاميّ وليس الفنّ العربيّ فقط. بقي أن نذكر أنَّ الحروفيَّة أساساً هي فكرة يهوديَّة في البداية، وهي أيضاً موجودة في الغرب.

اللوحة الحروفيَّة من وجهة نظري تمتلك الحرف والصورة، ودائماً كانت الصورة أساساً لدينا، ويجب أن لا ننظر للحروفيَّة نظرة سلبيَّة دائماً، بل بإمكانيَّات يُعتمد عليها للتعبير عن الحالات الإنسانيَّة. وكلَّما كانت العلاقة جيّدة مع الحوامل نجحنا في إنتاج لوحة حروفيَّة تشكيليَّة. شخصيّاً، ليس لديَّ موقف تجاه فنِّ محدَّد، وإنَّما الظروف التي تجعل من هذا الفنِّ عنواناً لبيئة معيَّنة، وهي قد تكون غالباً بعيدة عن ذلك.

المستشرقون قالوا عنَّا أنَّنا شعوب تجاوزتها الحضارة، نحن ننتمي لهذه الحضارة الإنسانيَّة، ومعرفتنا فيها أوسع من اتهامنا بعنوان واحد. الكثير من الفنَّانين في الفترة الأخيرة أحبطوا لأمر المجتمعات التي تجاوزتهم، والمشكلة ليست في التجاوز، بل في بنيتنا الملتبسة في تقديم لوحة معاصرة يتفق الجميع عليها، وليس بالنرجسيّ الذاتيّ الذي تقوم عليه الكثير من الحالات التعبيريَّة في التشكيل السوريّ.

* تقول إنَّ العرب القدماء هم أوّل مَن أبدع الصورة الشخصيَّة، غير أنّ العرب كانت من أشرس الشعوب التي حاربت "الصورة"، التشخيص الإنسانيّ لصالح الهروب صوب المدن العتيقة والحروفيَّة، حتّى إنَّ البعض يرفض تماماً التشخيص في لوحته؟

** هناك خطأ تاريخيّ في الحديث عن الصورة في العالم العربيّ، ويجب أن يعلم الجميع أنَّ الصورة لم تغب منذ بدء الخليقة، منذ إنسان الكهف وحتّى اليوم، وهي في سورية موجودة بكثرة، موجودة في الجامع الأمويّ. كانت صور العُراة متوفّرة في قصور الأمويين، والكنائس، وفي سورية أيضاً ثمَّة مَن جعل من الصورة قيمة إنسانيَّة في القلاع، غير أنَّ هناك أيضاً مَن حاول طمس أجزاء من هذه الحقيقة، وهناك مَن حاول طمس ذاكرةٍ لإعلاء ذاكرةٍ أخرى.. في سورية لم يقف أيُّ عائق لإنتاج الصورة سواء تجريديّاً أم غير ذلك، وهنا نذكر أيضاً أنَّ التحريم كان فكرةً يهوديَّة وليست إسلاميَّة.

وبالنسبة لموضوع الجسد العاري، فحتّى في الغرب لم يعد هذا الاتجاه سائداً، وليس مهمّاً اليوم أن تنتج لوحة مثل لوحة رينوار، ولا يمكن تكرار لوحاته – المُستحمَّات – وغيرها، والفهم العربيّ مرتبط بالمشهد العالميّ. ابن خلدون قسَّم مراحل عمر الدول إلى ثلاث مراحل، ونحن- العرب- اليوم في أشدِّ المراحل هبوطاً.

طفوليَّة أم إفلاس..؟

* الطفوليَّة تتقاطع أحياناً مع التلقائيَّة والفطريَّة والعفويَّة. ثمَّة خلط في تناول هذه المفردات، ثمَّ لماذا كانت هذه النكوصيَّة لدى الكثير من الفنَّانين الذين يصرُّون على إنتاج هذه " الطفوليَّة" في اللوحة؟

** الطفولة هي بداية تلمُّس الخبرة، ثمَّة فنَّانون عفويّون، يقدِّمون أعمالاً بسذاجة وبساطة، وكانوا ذات حين كثراً في أغلب مناطق المجتمع السوريّ. وبتقديري فإنَّ العفويَّة والفطريَّة والطفوليَّة التي تصدر عن فنَّان "حرّيف" هي نوع من الكذب، أمَّا الفنَّان الذي يقدِّم أعمالاً من عمقه السَّاذج بالأساس، فهذا ليس عيباً، أو أنَّه فنَّان لم يلمّ جيّداً بالخبرات الفنّيَّة كما يجب. هناك جانب علميٌّ في الأمر طالما أنَّني أنتج بناءً على خبرة، فثمَّة أمور تقنيَّة لا تأتي بشكلٍ عفويٍّ، ثمَّة صراع بين الأكاديميَّة والفنِّ الفطريِّ، هذه حقيقة، الأمر الذي قتل الكثير من الفنون الفطريَّة، وهمَّش الكثير من الفنَّانين الفطريين. ففي المجتمعات، وفي أعماقها، كان ثمَّة الكثير ممَّا كان يُرسم فطريّاً على جدران المنازل من أساطير وحكايات، قُدّمت على أنَّها معالم فنّيَّة في بيوت الكثيرين، وطالما تساءلتُ عن لوحة "فاطمة المغربيَّة" التي تحوَّلت إلى حالة جمعيَّة لتحتلَّ جدران الكثير من البيوت. ثمَّ لوحة الطفل الباكي، الذي تحوّل إلى "الطفلة الباكية"، فما الذي يحرّك مشاعر الناس لتستجيب بشكل محدَّد تجاه معالم جماليَّة معيَّنة؟ الفنُّ الطفوليُّ والفطريُّ هو ما ينتجه المجتمع في بداية تلمُّسه معارف معيَّنة.

* سأسألك عن العمل الفنّيِّ وعلاقته بالذاكرة. عندما يفتح طلال معلّا أدراج ذاكرته، كيف يتعاطى مع مخزونه الذاكريّ، حواراً، أم تمثّلاً، أم استعادة، أم ماذا؟

** الذاكرة شيء مَعيش دائماً، طفولتي دائماً موجودة معي، وها أنا  قد تجاوزت الستّين من العمر. كتابي "عزف منفرد على الطبل"، فيه جوابُ سؤال: من أين أتت اللوحة إلى عالمي؟ وركّزتُ على هذه الطفولة المُفعمة بالذاكرة التي مازالت تنفذ إلى ملامحي في مختلف أعمالي الفنّيَّة. الذاكرة بقيت تُعبّر عن وجودها معي، لاسيَّما الفترات الأولى من أزمنة وأمكنة قديمة تنقّلتُ خلالها بين العديد من المناطق السوريَّة، وقرأتُ خلالها ما يُشبه المعاش السوريّ اليوم، أو ما هو حلول له. عشت في السَّاحل والبادية، وتعاملتُ مع مختلف الإثنيَّات والأقوام في سورية. كلُّ ذلك لا يمكن أن يكون وهماً في مخزوني التشكيليّ الذي أبني من خلاله لوحتي التشكيليَّة، وأنتمي إليه، وهي الحال التي أعيشها وسأبقى. كيف تعيش العالم من موائل الذاكرة؟ لا يمكن ذلك إلّا أن يُشكّل حالة افتراضيَّة تتّصل بسنوات لا تنتهي إلّا بتنفيذها على اللوحة أو غيرها. وهنا تكون قد تركت أثراً من هذه الذاكرة في اللوحة، وهنا أشترك بنهر ذاكرة أو ذواكر الآخرين.

اليوم أعرف لؤي كيَّالي من ذاكرته المبثوثة في لوحاته، أقرأ هنا تحوّلات حياته من ذواكره التي تركها على سطوح لوحاته. فمرَّة كان متصوّفاً، ومرَّة برجوازيَّاً، ثمَّ متمرِّداُ على هذه البرجوازيَّة، أعيش كيَّالي من ذاكرته، من لوحته. و.. هنا أذكر أنَّ هذه الذاكر

تاريخ الإصدار: ٢٠١٤

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 2.29/5 (45.71%) (21 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 121 )