المقالات

الصفحة السابقة »

نزار صابور. الشرق بمدنه.. وحكاياته.. ولون الشمس على جدرانه

بقلم: سعد القاسم

تغري تجربة نزار صابور بالعودة إلى بداياتها، فمن التجارب الفنيّة الأولى التي علّقها على جدران منزل أسرته فتى موهوب.. ومجتهد- وهذا الأهمّ-  إلى الأعمال الفنيّة البارعة التي تحمل توقيعه اليوم وتقدِّم لنا كلَّ مرَّة الجديد المدهش.. بين هذه وتلك مسافة إبداعيّة واسعة تستحقُّ التأمُّل، وتحني الرأس احتراماً لعمل الإنسان حين تصوغه بآن معاً روحٌ مبدعة وعقل لا يكفُّ عن السؤال والبحث..

لوحات نزار الأولى سبقت انتسابه إلى الجامعة، وحتّى إلى مركز الفنون التشكيليَّة في مدينته، وهي لا تنبئ بمستقبل التجربة إذا نحن اعتمدنا في التنبّؤ على قسوة خطوطه وصخب ألوانه، لكنّها تساعدنا على توقّعها إذا أخذنا بعين الاعتبار الجرأة في استخدام الألوان، وفوق ذلك إذا تتبَّعنا المراحل التالية التي اتصفت بآن واحد بالحيويَّة والاستقرار. وربَّما لو رأى لوحاته يومذاك أحد (المنجّمين) في الفنِّ لقال إنَّها محاولة محكومة بطريق مسدود. غير أنَّ نزار قد فتح أمام موهبته كلَّ الطرق التي تحتاج كي تنطلق في رحاب الإبداع التشكيليّ مدفوعة بزخم المعرفة وكثافة التجربة وعشق البحث. ومنذ سنوات الدراسة التي كرَّسته فنَّاناً قبل أن يغادر مقاعد الكلّيّة، كانت ملامح شخصيَّته الإبداعيَّة قد بدأت بتقديم خصوصيَّتها.

في عام ١٩٧٦ انتسب نزار إلى كلّيَّة الفنون الجميلة بجامعة دمشق مكرِّساً وقته كلَّه منذئذٍ للفنِّ. وكثيراً ما صار يحمل لوحاته وألوانه متنقّلاً من حارة إلى حارة في دمشق ليرسم البيوت الحانية المتعانقة والدروب الضيّقة المارَّة بينها. وكثيراً ما قام بإهداء الأولاد المندهشين الملتفّين حوله بعضاً من رسومه التي أنجزها للتو، غاضّاً الطرف عن كلِّ تصرُّفاتهم الصبيانيَّة. وشيئاً فشيئاً، ومع اقتراب مشروع التخرُّج، بدأت تشغله التفاصيل الصغيرة للأبواب والنوافذ، وسرعان ما صارت موضوع لوحته، والعنصر التشكيليّ الأساسيّ فيها، حتّى بات جميع مَن حوله على يقين بأنَّها ستكون موضوع مشروع تخرُّجه. لكنَّ نزاراً فاجأ الجميع حين اختار (لأسباب دراسيَّة وامتحانيَّة) موضوعاً مختلفاً في الجغرافيا والتاريخ، انتقل معه إلى ضفاف الفرات، ورجع وإيّاه عبر الزمان بضعة آلاف من السنين، إنَّه أسطورة جلجامش..

بقدر ما بدا مشروع التخرُّج (جلجامش) منقطعاً عمَّا قبله، بقدر ما كان جسراً بين مرحلتي ما قبل الدراسة الجامعيَّة الأولى وما بعدها. لقد استغرقت الأسطورة نزاراً ودفعته أكثر فأكثر نحو عوالمها البصريَّة الخاصَّة المزدانة بتفاصيل عصرها. تخيَّل شكلَي جلجامش وأنكيدو استناداً إلى وصف النصوص الأدبيَّة والوثائق البصريَّة التي وصلتنا من عصر الأسطورة، وأضاف إليها زخارف وتزيينات وحلي ممَّا تناقله أبناء هذه الأرض جيلاً إثر جيل عبر آلاف السنين. كانت (جلجامش نزار) تكشف بوضوح عمَّا أكسبته إيَّاه أيَّام الدراسة الجامعيَّة، وعن المستوى المتقدِّم الذي بلغته تجربته على مستوى الشكل واللون، وتشير بوضوح إلى قوّة الخطّ عنده. وفي الوقت ذاته تنمُّ عن شغفه بالتفاصيل الصَّغيرة الحميمة، والتي ستظهر مراراً في المراحل التالية من تجربته.

 اختار نزار لخلفيَّات لوحات مشروع تخرُّجه ألواناً داكنةً تنوس بين البُنيّ المُحمرِّ والأزرق الكحليّ كي تظهر عليها بجلاء الألوان الفاتحة ذات البريق المعدنيّ، وكي تعطي اللوحة بأكملها مناخاً لونيّاً يليق بالأسطورة. كان جلجامش وأنكيدو شبيهين بالرجال الأشداء الذين حفلت برسومهم آثار وادي الرافدين، حيث القوّة الجسديَّة تلفت الانتباه بشدَّة، وحيث الشَّعر الأسود الطويل ينساب متجعِّداً على أكتاف الرجال، ليمنحهم مظهرهم الخاصّ المتميّز الذي ينسجم بآن واحد مع ما تصفهم به الأسطورة، ومع الشكل الذي تحفظه لنا الأوابد الأثريَّة عن رجال ذلك الزمان الموغل في القدم.. ومع ذلك فهو لم يسعَ إلى إبراز القوَّة بمقدار ما سعى إلى تأكيد الحكمة، وهي خصيصة مميَّزة للفنِّ الشرقيِّ القديم، فغابت عن لوحاته الحركة الدراميَّة للصراع الدمويّ ليحلَّ محلَّها رجال في حالة سكون تامّ يوحي بالتأمُّل العميق.. كان مشروع التخرُّج بحثاً عن الهويَّة الخاصَّة للفنِّ الشرقيّ، لا بحثاً في الأسطورة ووقائعها، بحث همُّه الوصول إلى فلسفة الفنِّ الشرقيِّ، إلى الأشكال والألوان التي تكسب هذا الفنَّ روحانيَّة افتقدها نظيره في الغرب طويلاً، وكانت تجد بعض ذاتها في شلَّالات الضوء تنهمر كخيوط الذهب على الناس والأشياء العديدة التي تحتضنها اللوحة، كما كانت تتفجَّر من اللوحة ذاتها كينبوع عذب من الأساطير الشرقيَّة..


***

بعد التخرُّج من كلّيَّة الفنون الجميلة عام ١٩٨١، أودع نزار (أسطورة جلجامش) في ذاكرة تجربته، وعاد مشتاقاً إلى الحارات العتيقة يلتقط من أبوابها ونوافذها تزيينات صغيرة طالما شغف بها وأثارت اهتمامه، إلى أن تمَّ إيفاده إلى الاتحاد السوفيتي عام ١٩٨٥ لصالح كلّيَّة العمارة ليستكمل هناك دراسته العليا.

أتاحت روسيا للفنَّان المحمَّل بألوان الشرق وعوالمه السحريَّة معرفة الامتداد الرَّحب لهذا الشرق وغنى عوالمه وتنوّعها. كانت سنوات الدراسة في موسكو أقرب إلى أن تكون زيارة فنيَّة طويلة لمصوِّر محترف، عن كونها فترة دراسيَّة لطالب. فقد شارك في معارض جماعيَّة يندر أن يشارك فيها فنَّان أجنبيّ، وعرض في صالات مخصَّصة لكبار الفنَّانين، وأقام معارض فرديَّة لقيت اهتماماً نقديّاً واسعاً. ففي أواخر عام ١٩٨٨ اختارت لجنة المعارض في الاتحاد السوفيتي لوحتين له لتُعرضا مع أعمال الفنَّانين السوفييت الشباب، وعرضت إحداهما وقد حملت عنوان (مدينة القمر) في المعرض العالميّ لفنَّاني الدول الاشتراكيَّة الشباب الذي أقيم في موسكو مع مطلع عام ١٩٨٩. وفي ربيع عام ١٩٩٠ افتتح معرضه الفرديّ في "بيت الفنَّان الرئيسيّ"، أكبر صالة عرض في الاتحاد السوفيتي، ولقي اهتماماً نقديّاً واسعاً، فقد فاق عدد الأقلام التي كتبت عن هذا المعرض السبعمئة لنقَّاد وفنَّانين وكتّاب ومتذوّقين للفنِّ. وفي مطلع عام ١٩٩١ شارك بعشر لوحات زيتيَّة في معرض للفنَّانين السوفييت تجوَّل خلال أربعين يوماً في النمسا والسويد والدانمرك وألمانيا. وكان معرضه الفرديّ في العام السابق جواز سفره إلى هذه المشاركة الفريدة..

فتحت مرحلة الدراسة السوفيتيَّة- الروسيَّة آفاقاً واسعة أمام تجربة نزار، فمن جهة أتاحت له أن يشاهد عن قرب الكنوز الفنيَّة المذهلة التي تضمُّها المتاحف والكنائس، ومن جهة ثانية قدَّمت له فرصة التعرُّف على كمٍّ كبير من التجارب المعاصرة لفنَّاني البلاد وضيوفها، ومن جهة ثالثة وفَّرت له سنوات مهمَّة تفرَّغ فيها كلّيّاً للبحث واكتساب المعرفة. وكانت النتيجة أن صارت فلسفته الفنيَّة أكثر كمالاً ووضوحاً..

***

في عام ١٩٩٠ حصل نزار على درجة الدكتوراه في فلسفة الفنِّ وعاد إلى سورية مختتماً مرحلة الدراسة. وعلى عتبات الشهر الأخير من عام ١٩٩١ رعت الدكتورة نجاح العطار المعرض الفرديّ الأوّل له عقب عودته من موسكو، والذي استضافته صالة (السيّد) بدمشق..

قدَّمت أعمال معرضه هذا مزيجاً متجانساً إلى حدِّ الروعة من المنمنمات العربيَّة القديمة، والأعمال التشكيليَّة المعاصرة، والأيقونات الشرقيَّة.. مزيج ما كان يمكن أن يخلق التجانس بينه إلّا فنَّان مثقَّف يملك تجربة غنيَّة، واستعداداً دائماً للمغامرة، وعشقاً لما يحيط به، يتجاوز نظرة المستشرق إلى عالم الغرابة الشرقيّ، لينفذ إلى صفاء القلوب وعفويتها، وحنين البيوت للبيوت، وجمال الطبيعة وسحر القمر في الليالي الصافية، ودفء الشمس، وذلك الاتحاد المبهر للناس بالبيوت وبالطبيعة، الاتحاد لكلِّ ما أحبَّه من رسوم الأطفال على جدار، إلى اسم طفله (فرح) على الجدار نفسه.. ولأنَّه ليس مجرَّد فنَّان حالم، وإنَّما فنَّان متمكّن أيضاً، فإنَّ أحلامه تتسلل من العيون إلى الأحلام لتصبح جزءاً منها. لم يبحث عن اللوحة التي تصدم المشاهد، بل عن تلك التي تجتذبه وتتّحد مع روحه، وقد أدرك تماماً الطريق إلى جعلها حقيقة واقعة تراها العين، وتحتضنها الذاكرة.. هو طريق صنعه بدأب البحث والتجربة والتعلُّم، حتَّى استطاع في المحصِّلة صياغة لوحة كما الفسيفساء، ألوان وأشكال لا حصر لها، تتآلف معاً في عمل بديع واحد، أشبه ما يكون بحلم شرقيّ ساحر..

استحضرت (مدينة الشرق الساحرة) مفاهيم جماليَّة من عصور الأيقونة والمنمنمة وصاغتها برؤية معاصرة تحفظ لتلك المفاهيم خصوصيَّة رؤيتها التي تسقط البعد الثالث والمنظور الواقعيّ، وتحتفي بالنور وبالتفاصيل والزخارف، وتجاور الألوان التي تصنع الانسجام من تضادها. ووضع المعرض الفرديّ الأوَّل اسم نزار صابور بقوّة على المشهد التشكيليّ السوريّ، وتكرَّر بعده ورود الدعوات من صالات العرض للمشاركة في فعالياتها..

***

لم تستطع مدن نزار الشرقيَّة أن تظلَّ بمنأى عن الأحداث الكبرى التي عصفت بالمنطقة مطالع التسعينيَّات، فالمدينة الحالمة الآمنة المنسوجة من قناديل البيوت وضوء القمر، والأقواس والخطوط المتجاورة الحالمة الحانية، صارت ترى من عيون طائرات موت تزرع فيها الخراب، وأقمار غير طبيعيَّة تنقل إلى العالم صورها مجرَّد أشكال هندسيَّة لا معنى إنسانياً لها. أهداف على الأرض، تقتنصها أجهزة تصويب تعمى عن رؤية الروح في لحظات نشوة ماجنة كتلك التي عرفتها البشريَّة في كلَّ مرَّة امتلكت فيها الهمجيَّة القدرة على تدمير حضارة.. صارت المدن تُرى من السماء، لكن ليس بعين طائر كما رآها الرسَّامون الحالمون التوَّاقون إلى الحرِّيَّة ، وإنَّما من فوهة مدفع طائرة حرب.. وكان لابدَّ لهذا الحدث الكارثة أن تظهر آثاره في لوحة نزار التي صارت ترى مشهدها من المنظور الشرقيّ ذاته الذي ينتفي فيه البعد الثالث، إنَّما من زاويتَي رؤية مختلفتين: أفقيَّة وشاقوليَّة، وهما الزاويتان اللتان ستتكرَّران مراراً في أعماله القادمة. غير أنَّ لوحاته حفلت برموز جديدة: إنَّها الدوائر والخطوط المتصالبة التي تظهر في الصور التي تلتقطها من الجوِّ أجهزة الطائرات الحربيَّة لحظة إطلاق حِممها نحو أهدافها على الأرض.

***

أواخر عام ١٩٩٢ قام نزار برحلته الفنيَّة العربيَّة الأولى إلى الكويت بدعوة من (الجمعيَّة الكويتيَّة للفنون التشكيليَّة)، ولقيت أعماله ترحيباً من الصحافة التي لفت انتباهها "تأثّره بالأسلوب الإسلاميّ في التزيين والزخرفة، والتدفُّق اللونيّ ناعم الحسِّ والملمس، ممَّا أوجد تآلفاً بين عناصره البيئيَّة والشكل الهندسيّ للعمل." (١)

بدا نزار في العام التالي (١٩٩٣) أقرب إلى تحقيق أمنيته بإقامة معارضه في البلاد العربيَّة. ولقاؤه الثاني مع الجمهور العربيّ كان في الجوار اللبنانيّ، ففي الشهر العاشر استضافت صالة (مرام) معرضه الفرديّ في بيروت، وكان هذا المعرض مناسبة مهمَّة لتعرُّف الجمهور التشكيليّ إلى تجربته التي لقيت اهتماماً صحفيّاً ونقديّاً واسعَين. وفي العام التالي (١٩٩٤)، وفي الشهر السادس شارك بدعوة من (جماعة الأتيليه) في القاهرة بمعرض الفنَّانين السوريين الخمسة (٢).

***

كان عام ١٩٩٥ عاماً بالغ الأهمية في تاريخ سيرة نزار الفنيَّة، فقد نال في الشهر الرابع منه شهادة تقدير من بينالي الشارقة للفنون التشكيليَّة (٣)، وبعد أربعة أشهر نال جائزة التصوير من بينالي المحبَّة الأوَّل في اللاذقية (٤) عن ثلاثيَّته التي حملت عنوان (صباح وظهر ومساء). كان فوز نزار بجائزة التصوير في بينالي المحبَّة، وفوز أبناء جيله بجوائز في تلك الدورة والدورات التالية، اعترافاً بأهميَّة الدماء الجديدة في التشكيل السوريّ ..

وفي الواقع، كان هناك جديد في تجربة نزار ألقى ظلاله على نتاجه في السنوات الأربع التالية، وتجلَّى في التأكيد أكثر فأكثر على القدرة التعبيريَّة للون، فيما ينحو الشكل سريعاً نحو المزيد من التجريد، ملامساً حدود فقدان أصوله الواقعيَّة. في هذه المرحلة أضحت أعماله أكثر روحانيَّة، حتَّى وإن استغنت عن رموز منحتها فيما مضى مسحتها الروحانيَّة. غابت ملامح المدن الشرقيَّة التي أحبَّها المشاهد، وأمست التفاصيل الصغيرة تسبح في فضاء اللون بتأثيراته المتباينة. كان نزار في واقع الحال على عتبات مرحلة بدا فيها أنَّ لوحته قد انحازت كليّاً إلى التجريد متخلّية حتَّى عن ذكريات الشكل الواقعيّ، ومغامرة بفقدان رصيد النجاح الذي حقَّقته في إطلالتها السابقة على الجمهور في سعيها إلى التجدُّد وعدم الوقوع في منزلق التكرار والدوران في المكان. ولكنَّ السنوات التالية ستكشف أنَّ هذا التوجُّه المبتعد عن المفردات الواقعيَّة لن يكون نهائيّاً، كما أنَّ العودة إليه ستتكرَّر أكثر من مرَّة.

***

 لم يخذل جمهور الفنِّ التشكيليّ نزاراً في توجّهه الجديد، وبدا متفهِّماً لهذا التوجُّه، ومقتنعاً بقدرة الفنَّان على تقديم ما هو جدير بالاهتمام، ومع النقَّاد والصحفيين المعنيين بالشأن الفنّيّ، التقى الأدباء والكتّاب على الترحيب بخطواته الجديدة، حتَّى لو نأت عمَّا أحبُّوه بداية. وقد شهد عام ١٩٩٧ خطوة عربيَّة جديدة لنزار، فبعد مشاركته أواخر العام الذي سبقه في بينالي القاهرة ضمن الجناح السوريّ، أقام في الشهر الخامس من هذا العام معرضاً فرديّاً في دولة البحرين بدعوة من مركز الفنون. في هذا المعرض أمكن التعرُّف إلى الموضوعات المحبَّبة لديه، كما أمكن اكتشاف جذور المراحل الأقدم في تجربته حين استهوته البيوت والمدن وزخارف الأبواب والنوافذ والضوء الروحانيّ الداخليّ الكامن في الأيقونة الشرقيَّة، هذه الجذور التي تشكِّل مصادر لوحته الأحدث، وتظهر عناصر وتفاصيل منها في كلِّ لوحة جديدة. فقد أبدع أعماله استناداً إلى إدراك عميق لماهيَّة الشرقيّ وخصوصيَّته وفلسفته، مع الاستفادة بالآن ذاته من الخبرات الإبداعيَّة التي راكمها الإنسان عبر تاريخه الطويل مع الفنِّ في المجتمعات الإنسانيّة المختلفة، ولذا وقف متحفّظاً تجاه الآراء التي تصف الفنّ الذي ينجزه بالتجريد. كذلك تجاه تلك التي لا تدرك اختلاف المنظور الشرقيّ عن المنظور الغربيّ السائد، فلوحته تمتلك منظوراً استخدمه الفنّان في الشرق منذ أقدم العصور، ووصل إلينا عبر لوحات (الإفرسك) المرسومة قبل ألفي سنة، وعبر الأيقونات الشرقيّة والمنمنمات الإسلاميّة. هذا المنظور لا يعبأ بالرؤية العاديّة، وقد قيل عنه تارة أنّه يلغي البعد الثالث، ووصفه علماء جمال غربيّون بأنّه منظور لولبيّ أو حلزونيّ(٥). لكنّه في كلِّ الأحوال هو منظور يملك فلسفته الجماليَّة الخاصَّة التي طالما ميَّزت فنون الشرق. وتأكيد نزار أنَّ لوحته ليست تجريداً لا يقف عند حدود المعالجة التشكيليَّة لها، وإنَّما يطال موضوعها بالأساس فهذا الموضوع مُستقى من الواقع مهما بلغ التحوير والتعديل فيه. إنَّ الصور اليوميَّة التي تتكرَّر في البيوت والشوارع والأماكن الخلويَّة تقدِّم ذاتها في لوحاته من خلال المظهر العام للشكل واللون وتأثيراتهما، دون إغراق في التفاصيل، وفي الوقت ذاته العناية بالتفاصيل، وتحديداً تلك التي تملك قيماً جماليَّة تستوقف الفنَّان، فاللوحة بالنسبة له هي متعة ذاتيَّة، وهو يرى ذلك شرطاً كي تصبح متعة للمشاهد، لذا يمكن أن يُلحظ في لمسات الريشة والتفاصيل الدقيقة ذلك العمل المنجز بهدوء وحبّ.

كان معرض نزار في البحرين فرصة جديدة لتقديم تجربته عبر ما يشبه البيان الفنّيّ الذاتيّ، فبمناسبة المعرض أقيمت ندوة حواريَّة معه استهلّها بمحاضرة لخَّص فيها مراحل تجربته وفلسفته تجاه اللوحة التي ينجزها. وفي الحوار الذي تلاها تحدَّث عن ميله إلى الألوان الزرقاء والبنفسجيَّة، وأيضاً إلى اللون الداكن الذي يرسم عليه اللون الأصفر، حيث يتفق مع احتفاء لوحته بالنور الذي هو في الأساس مجموعة صفراء. وعن حضور الأشكال الهندسيّة في لوحته تحدَّث عن تأثّره في الآن ذاته بتجربَتَي (كاندينسكي) العاطفيّ الكبير الذي يعتمد على التعبير الداخليّ السريع للمساحات اللونيّة المنسابة والمتداخلة، و(ماليفيتش) العقلانيّ الكبير الذي يعتمد على الأشكال الهندسيّة القاسية جداً. وعلى رغم التناقض بين هذين النمطين فقد حاول القيام بتوليفة بين العاطفة والشكل الهندسيّ فكانت أطلال مدينة ساحليّة تحتوي على مساحة تعبيريّة فيها تداخل بالدرجات اللونيّة، وفيها مستطيل أحمر، أو نقطة حمراء أو صفراء، ومع الزمن أصبح ذلك من مفرداته.(٦)

***

أواخر عام ١٩٩٨ نظَّمت صالة (قزح) بالتعاون مع قاعات كنيسة الصليب المقدَّس بدمشق المعرض الجديد لنزار الذي حمل عنوان (جسد يهوي فتنهره الرُّوح). كان عنوان المعرض مأخوذاً من كلمات الشاعر البحراني قاسم حداد، والتي وجدت مشاعر التشكيليّ السوريّ نفسها فيها، وكان العنوان قابلاً لتفسير القلق الفنّيّ لنزار، "القلق وسادة الفنَّان الواجبة"، على حدِّ تعبير (جان كوكتو)، فظلَّ شريك نجاحاته المتتالية، فإذا راوده الإحساس- ولو لوهلة- أن لا جديد في جديده اقترب من حدود اليأس والإحباط ، وهل هناك ما هو أكثر دلالة على ذلك من عنوان معرضه: (جسد يهوي فتنهره الروح) الجسد.. جسد اللوحة.. إطارها.. خطوطها الخارجية.. أشكالها.. تنهرها روح الصانع المتجدِّدة عن أن تهوي إلى دوَّامة العاديّ والمألوف.. لأنَّها- الرُّوح- لم تكفّ يوماً عن أسئلة تاريخها وتجلّياتها، وتوقها للتوحُّد مع الأعلى.. هنا تلتقي مع المقدَّسات ومغامرة البحث عن إجابات الأسئلة.. وهنا تلتقي مع الموروث الشعبيّ بعمقه وبساطته بآن معاً..

في هذا المعرض خرج نزار عن الحدود المؤطّرة للوحته، دافعاً إيَّاها للامتداد في الفراغ الحقيقي عبر مجسَّمات خشبيَّة جاورتها وشاركتها الرُّوح ذاتها. أنشأ البنفسجيّ، وتحوّلات الأزرق والأصفر كيان اللوحة ذات البعد الثالث الملموس، والمظهر اللونيّ شبه الوحيد.. وبدا المعرض بأكمله استجابة لرغبة نزار في كشف غنى اللون الواحد، وتحريك سطح اللوحة ومرافقها المجسَّم ببقع لونيَّة صغيرة تمنح في المحصلة التأثير النفسيّ للعمل.. وفي المضمون قدَّم في هذا المعرض مجموعة (حرَّاس التّل) متَّجهاً نحو المشهد الخلوي الذي قدَّمه على طريقته، ومحافظاً على الشحنة الروحانيَّة الكبيرة في أعماله.

***

في عام ٢٠٠٠ خطا نزار خطوة جديدة في التعامل مع اللوحة المجسَّمة (التركيبية)، وبانت واضحة من خلال معرض فرديّ جديد في صالة (أتاسي)أواخر الشهر الرابع. هذه المرَّة لم تكن المجسَّمات امتداداً مفصولاً عن اللوحة، وإنَّما (جسمها) نفسه الذي أخذ شكل هياكل خشبيَّة قريباً من خزائن المرايا التقليديَّة، وبالمقابل فإنَّ أشكاله الشغوفة بالبساطة والعفويَّة، وألوانه المنداحة ببراءة وانسياب على المساحة غير المقيَّدة، و(قماش) لوحاته الذي صار دفَّتي باب أو إطار نافذة، وتلك المجسَّمات الصغيرة المخلوقة من روح اللوحة تصنع امتدادها في فراغ صالة العرض، دعت جميعها المشاهد لحوار بصريّ بعض همِّه اكتشاف مكامن الجمال في ما ألفنا رؤيته، والدخول إلى العالم السريّ الروحانيّ للوحةٍ تحمل عبق الزمان والمكان، وأسئلة الإنسان السرمديَّة.

***

تريَّث نزار حتَّى أواخر عام ٢٠٠٢ ليعرض الخطوة الجديدة في تجربته التي بدت لوهلة أنَّها تخلٍ عن اللوحة التركيبيَّة الممتدَّة في الفراغ.. ففي مطلع الشهر العاشر من ذلك العام أقام معرضه الجديد في صالة (أتاسي)، والذي حمل اسم (حياة في الرَّماد). كان الاسم دلالة قوية عن المعرض في جانبَي مضمونه وتقنيَّاته التي استخدم فيها رماداً حقيقيّاً. تابع نزار في هذه المرحلة من تجربته تقديم رؤيته الفلسفيَّة الجماليَّة من خلال البحث عن صيغة تشكيليَّة روحانيَّة تنقل عبر الشكل واللون ذلك الإحساس المتجاوز للمشهد المادّيّ نحو ما يكتنفه من أحاسيس ومشاعر تتخطّى- ولو على مستوى البحث الذهنيّ- ما هو مرئيّ ومباشر نحو ما يدركه العقل والأحاسيس العليا. ومثَّلت لوحات هذا المعرض امتداداً يصعب التكهُّن به للمراحل السَّابقة، بدءاً من (المدن الشرقيَّة) أواسط الثمانينيَّات، مروراً بـ(حرَّاس التَّل)، وصولاً إلى (الحياة في الرَّماد)، ففي حين تؤكِّد اللوحة على مضمونها الروحيّ من خلال خيارات تعتمد الابتعاد غالباً عن التجسيد الدقيق، فإنَّ الأشكال تعزّز هذا التوجُّه، خاصَّة باختيار الفنَّان الرَّماد مادَّة يصنع بها أشكاله وألوانه، فاتحاً بذلك الباب على مصراعيه أمام جملة من التأويلات.

***

عادت الهياكل الخشبيَّة لتظهر بقوَّة في أعمال نزار، ففي منتصف الشهر الثالث من عام ٢٠٠٥ أقام بين الجدران العالية لخان أسعد باشا وسط دمشق القديمة، وعلى مسافة قصيرة من المكان الذي أمضى فيه أبو صبحي التيناوي سنوات عمره يرسم عنترة و(عبلاه)، معرضه الجديد (عنترة زماننا)...

اتخذت الهياكل الخشبيَّة هذه المرَّة شكل صندوق الفرجة التقليديّ الذي كان شائعاً قبل ظهور السينما. قدَّم نزار لمعرضه بالحديث عن اهتمامه منذ سنين بعيدة برسوم (الواسطي) وتمنيه الإفادة منها، وهي أحاسيس مماثلة تنتابه أمام أعمال أبي صبحي التيناوي، ولاسيَّما موضوعه المفضَّل (عنترة وعبلة). ويجمع بين الفنَّانين البساطة الشديدة، والرُّوح الشرقيَّة المميَّزة، والتفرُّد بالطريقة، وشعبيَّة الموضوعات. محبَّة نزار للفنِّ الشعبيِّ لا تحتاج إلى إشارة، ولو أنَّه فعل ذلك في تقديمه لمعرضه، وقد لامس قلب الحقيقة حين حكى عن إعجابه بالبساطة السائدة في أعمال التيناوي، وقبله الواسطيّ، فتلك البساطة سعى إلى امتلاكها بعد سنوات طويلة من تدريب نفسه على مهارة الرَّسم وتقنيَّات التصوير. وإذا أردنا تعبيراً آخر فإنَّها بساطة تراكم الخبرة والتمكُّن، لا بساطة العجز، وهي ما أتاح له الانتقال من موضوع إلى آخر في المسار الواثق والواضح لتجربته، ليكتشف       - ويكتشف معه المشاهد- في كلِّ خطوة جديدة عالماً إبداعيَّاً آخر، لكنَّه مشغول بأسلوبه نفسه، وهذا ما بان في (عنترته).. عنترة زماننا تائه في رماديَّات الألوان، بعيد عن تلك الألوان الصريحة الصارخة لعنترة الخيال الشعبيّ كما صوَّره التيناوي، تكاد ملامحه تضيع في زحمة الأشياء، وزحمة غياب الأشكال، ويكاد لا يبقى منه إلا خيال الخيال، لكنَّه مع ذلك يجذب المشاهد لتأمُّل طويل، ليس مع الحكاية هذه المرَّة، وإنَّما مع الإبداع.

في أواخر عام ٢٠٠٦، وفي غمرة انهماكه بالتحضير لمعرضه الجديد، تلقَّى دعوة للمشاركة في (بينالي الرَّسم المعاصر في العالم الإسلاميّ) الذي يُقام لمدَّة ثلاثة أسابيع في العاصمة الإيرانيَّة (طهران)، فأرسل لوحاته للمشاركة، واعتذر عن الحضور الشخصيّ بسبب انشغالاته، وكانت المفاجأة أن نالت مشاركته واحدة من خمس جوائز متساوية مخصَّصة للقسم الخارجيّ من المعرض. (٧)

افتتح معرضه الجديد في العشرين من الشهر العاشر(٢٠٠٧) في صالة الـ(أرت هاوس) بدمشق، تحت عنوان (سعادة ما أمكن)، وقد اختار اللون الأبيض لهذا المعرض لما له من علاقة دلاليَّة بموضوع السعادة، وليتابع من خلاله بحثه في القوَّة التعبيريَّة للَّون الواحد.

***

في عام ٢٠٠٩ أقام معرضاً في ألمانيا اصطحب إليه أعمال (عنترة زماننا)، وقدَّم فيه للمرَّة الأولى تجربته التدمريَّة المستوحاة من المناخ اللونيّ للبيئة في الواحة وباديتها، ومن المنحوتات الوجهيَّة الجداريَّة في المدافن وهندستها المتعامدة.

كانت الجدران التدمريَّة بشكل ما امتداداً لتجربة سابقة، سعى نزار من خلالها إلى إظهار تأثير المناخ البحريّ على جدران مدينته اللاذقيَّة، وفي الوقت ذاته كانت استمراراً لبحثه في الفنون البصريَّة للحضارات التي قامت على الأرض السوريَّة. وبدلاً من تأثير الهواء المُشبع ببخار ماء البحر، وجد هنا تأثير الرِّمال الجافَّة التي تنقلها الرياح بسرعة هائلة بين أبنية البادية، فتصبغ أحجارها البيضاء بلونها المائل إلى الحُمرة، وتترك عليها خدوشها النقطيَّة الصغيرة.. رحلة نزار التي رست مع هذا المعرض في المرفأ التدمريّ جلبت معها موهبته التأليفيَّة التي طوَّرها بدأب ومعرفة وخبرة متنامية، وقدراته التقنيَّة الباحثة دوماً عن تأثير بصريٍّ بذاته، وألوانه التي صنعها من الرَّماد والرَّمل والخشب المحترق وبقايا الزيتون المعصور.. واستحضرت من المكان وجوه المنحوتات الجداريَّة، ولون ضوء الشمس المنعكس على التراب، والمتغيّر بتغيّر ساعات النهار، مبتدئاً بلون يجمع الرماديَّ إلى الأزرق، حتَّى يصل وقت المغيب إلى لون برتقاليّ نادر وقويّ التأثير بالآن ذاته. في اللوحة، كما هو في الواقع، لا تدَّعي لوحة نزار أكثر ممّا يحقُّ لها أن تدَّعيه، فهي لا تقدِّم حكاية عن هذه المدينة الرائعة الخالدة رغم تدميرها، ولا توثّق لنظامها وقوانينها وحياتها اليوميَّة، وهذه ليست مهمَّة الفنِّ على كلِّ حال، وإنَّما تلتقط بعين مرهفة فلسفة الجمال في إبداعات أبنائها، وأثر المكان والزمان على هذه الفلسفة وتلك الإبداعات.. وتعيد صياغتها برؤاها الخاصَّة التي تنتمي بآن معاً إلى ذلك التاريخ الحضاريّ، وإلى زماننا المعاصر..

 
 
 
 
هوامش
__________________________________________________________________
 (١) صحيفة القبس – ٣٠/١٢/١٩٩٢ (الكويت)

 (٢) شارك في المعرض: أحمد معلّا، أحمد يازجي، باسم دحدوح، محمود جليلاتي، نزار صابور.

(٣٢) صحيفة الأيَّام – ١٠/٧/١٩٩٤

(٣) ضمَّت لجنة التحكيم: نذير نبعة، إبراهيم الصلحي، جورجيو سيكاتو، ضياء العزّاوي، عبد الرحيم سالم، يوسف عيدابي.

(٤) ضمَّت لجنة التحكيم: أحمد نوار(مصر)، ونقولا نمار(لبنان)، وإبراهيم العزبي (تونس)، وإلياس زيّات وحيدر يازجي (سورية).

 (٥) د.عفيف بهنسي عن الكسندر بابادوبولوس ( الفنّ الإسلامي) إصدار دار طلاس.

(٦) صحيفة الأيَّام – ٣١/٥/١٩٩٧ (المنامة).

(٧) وكالة إيغنا – ١٣/١/٢٠٠٧ (طهران).

 
 
 
 
 
 
شرح الصور
 

حارتي – ١٩٧٣

خالتي سارة – ١٩٧٥

متى – ١٩٧٨

موديل وطبيعة صامتة - ١٩٧٩

جلجامش – ١٩٨١

جلجامش – ١٩٨١

من مشروع التخرُّج – ١٩٨١

تكوين – ١٩٨١

أغنية – ١٩٨٤

يوم النور - ١٩٨٨

أيقونة معاصرة – ١٩٨٩

النساء والفضاء – موسكو - ١٩٨٩

المدينة – ١٩٩٣

مدينة مع بقعة ضوء – ١٩٩٣

مدينة غامضة – ١٩٩٤

مدينة في الضباب – ١٩٩٤

مشهد بحري – ١٩٩٥

يوم (ثلاثية) – ١٩٩٥

حرَّاس التل – ١٩٩٧

أيقونة معاصرة – ١٩٩٩

تحيَّة إلى روح والدي وفاتح المدرس – ١٩٩٩

بوَّابات الرُّوح – ٢٠٠٠

العشاء الأخير - ٢٠٠٠

حياة في الرَّماد - ٢٠٠٢

حياة في الرَّماد – ٢٠٠٢

مدينة كبيرة – ٢٠٠٣

عنترة وعبلة – ٢٠٠٥

تجريد - ٢٠٠٧

سعادة ما أمكن – ٢٠٠٧

جدار تدمريّ – ٢٠٠٩

جدار تدمريّ – ٢٠١٠

تكوين - ٢٠١١

تاريخ الإصدار: ٢٠١٤

هل ترغب في التعليق؟

 
تصنيف 2.08/5 (41.67%) (24 أصوات)
مرات التحميل [ 0 ]
مرات المشاهدة ( 59 )